مدن جزائرية تغرق وكوارث تتكرر

22 سبتمبر 2018
الصورة
كارثة جديدة قديمة (فرانس برس)
+ الخط -
ثلاث وعشرون دقيقة فقط، كانت كافية لإغراق منطقة حامة بوزيان في مدينة قسنطينة، شرق الجزائر، قبل أيام، ما تسبب في كارثة غير مسبوقة، بعدما بلغت الأمطار 80 ملمتراً. تحولت المنطقة إلى مقبرة للسيارات، بالإضافة إلى وفاة شخصين وإنقاذ عشرات آخرين كانوا محاصرين بالمياه.

قبل قسنطينة، كانت سبع عشرة دقيقة كافية لإغراق أحياء مدينة تبسة، وأحياء أخرى في مدن المسيلة (وسط) ومعسكر وعين الدفلى (غرب). وقبل شهر تقريباً أغرقت مياه الأمطار مدينة عين قزام، أقصى جنوبي الجزائر. وهو ما يطرح مراقبون تساؤلات بشأنه، إذ تغرق المدن الجزائرية وتجتاحها الفيضانات، بالرغم من أنّ مستوى التساقطات طبيعي، لكن في ظلّ عوامل عدة منها غياب مخطط لحماية المدن، وسوء التخطيط والتنظيم العمراني، وعجز السلطات عن فرض القانون ومنع فوضى البناء.




في العاشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 2003، صدم سكان العاصمة الجزائرية بأكبر حصيلة خسائر بشرية ومادية بسبب فيضانات اجتاحت حي باب الوادي الشعبي في وسط العاصمة الجزائرية، وخلفت 2278 قتيلاً، مع فقدان 900 شخص، وتشريد 180 ألف شخص. تكررت لاحقاً الكارثة في أكثر من مدينة جزائرية، ففي 14 إبريل/ نيسان 2004 سجلت مدينة أدرار (جنوب) فيضانات أدت إلى هدم سبعة آلاف مبنى كلياً أو جزئياً، فيما تشرد أكثر من خمسة آلاف عائلة. وفي سبتمبر/ أيلول 2009، شهدت غرداية (وسط) فيضانات أدت إلى وفاة 43 شخصاً، وتضرر ثلاثة آلاف مبنى. تكررت الكارثة في المنطقة نفسها بعدها بثلاثة أشهر، ما أدى إلى مقتل عدد من الأشخاص، وتضرر 5500 منزل ومبنى، بالتزامن مع فيضانات أدت إلى وفاة 13 شخصاً وتضرر 4300 منزل تهدمت كلياً أو جزئياً في بشار (جنوب غرب).

النائب السابق، يوسف خبابة، يقول إنّ "الأمطار الموسمية تتسبب كلّ عام في أحداث مؤلمة وفي خسائر بشرية ومادية معتبرة. لا أعتقد أنّ السبب الرئيس في ذلك كثافة وقوة الأمطار فقط. وبالإضافة إلى مسؤولية الدولة والحكومات المحلية، ثمة مسؤولية على كثير من الأطراف. يرمي المقاولون والمواطنون نفايات ورش البناء والأتربة في الوديان (الأنهار) خلسة، ويرمي الصناعيون فضلات المصانع في أقرب وادٍ أو مكان، وفي مقابل هذه الفوضى مسؤولون وهيئات محلية عاجزة". يضيف: "هناك أيضاً إخفاق حكومي في تنفيذ سياسة محكمة للبناء، وعدم تدقيق في دراسات المخاطر ودراسات الجدوى، ولامبالاة وتساهل في تنفيذ مشاريع سكنية في مناطق مهددة بخطر الفيضانات، وبالقرب من الأودية التي يمكن أن تفيض وتحدث الكارثة في أيّ وقت، بدليل أنّنا نشاهد كيف تغمر المياه مشاريع سكنية قيد الإنجاز".

تقرّ الحكومة الجزائرية بأنّ البلاد تظل بحكم موقعها الجغرافي والظواهر الطبيعية، معرضة لعدد من الأخطار الكبيرة، ويعتبر تقرير نشرته وزارة الداخلية على موقعها أنّ هذه الأخطار تتعاظم أكثر "بسبب هشاشة المدن والأحياء الجزائرية، خصوصاً تلك التي أنشئت من دون تنظيم، خصوصاً مع التطور العمراني الفوضوي قرب المصانع الكبرى" ما يستلزم بحسب التقرير وضع نظام مناسب لتسيير الأزمات والكوارث.

منذ فيضانات باب الوادي عام 2001، وزلزال بومدراس عام 2003، تنبهت الحكومة الجزائرية إلى مخاطر الكوارث، التي خلفت أضراراً بشرية ومادية جسيمة، وضرورة تحضير البلاد للتعامل بشكل أفضل مع الكوارث من خلال سياسة وقائية. وبذلك، صدر في تاريخ 25 ديسمبر/ كانون الأول 2003، القانون المتعلق بالوقاية من الكوارث وإدارتها، ويشمل الإجراءات الرامية إلى تقليص أثر الكوارث على الناس والممتلكات واستباقها والوقاية من الكوارث الكبرى، ووضع نظام لإدارة عمليات الإسعاف.

لكنّ خبراء ومختصين يعتبرون أنّ الحكومة لم تتخذ من دروس الفيضانات والكوارث الطبيعية عبرة كافية لتجنب كوارث لاحقة. يقول رئيس نادي المخاطر الكبرى (غير حكومي) المهندس، عبد الكريم شلغوم، إنّ الحكومة لم تضع حتى الآن "خريطة واضحة وذكية تشمل مجمل المدن والبلدات، تتضمن المخاطر المسجلة، واتخاذ التدابير الاستباقية التي تقينا من التداعيات والخسائر التي نلاحظها في الفيضانات". يشير إلى أنّ غياب ذلك "يبقي تعامل الجزائر مع كلّ كارثة فيضانات أو غيرها باعتبارها حادثاً عابراً".




بدوره، يقول الخبير ومهندس الخرائط، عبد الرحمن بن يمينة، إنّ "كارثة باب الوادي كان يجب أن تكون الدرس الأكبر لمنع تكرار هكذا كوارث وتطبيق خطة لحماية المدن الجزائرية المهددة، وفرض نوع من الحزم إزاء الفوضى العمرانية ". يتابع لـ"العربي الجديد"، أنّ "المدن الجزائرية في الغالب تفتقد إلى دراسات عمرانية جدية، وهناك ضعف لافت في استغلال الخرائط والتكنولوجيا في ملاحقة المخاطر واستباقها".

المساهمون