مدنيون يتمسكون بمناطقهم رغم سياسة الأرض المحروقة بريف إدلب الجنوبي

25 اغسطس 2019
الصورة
دمار هائل في معرة النعمان (براء الرزوق/الأناضول)
تحولت بعض المناطق بريف إدلب الجنوبي لمدن أشباح هجرها سكانها مع تمادي نظام الأسد وروسيا في اتباعهم سياسة الأرض المحروقة والتدمير الممنهج لها. وسوّى القصف بعض أحياء المدن بالأرض ودمّر 90 بالمائة منها خلال أشهر، ودفع قرابة مليون شخص للنزوح نحو المناطق المتاخمة للحدود السورية التركية في ريف إدلب، وتوجه بعضهم إلى منطقتي درع الفرات بريف حلب الشمالي، وعفرين شمال غرب سورية التابعة أيضاً لمحافظة حلب.

لم يكن النزوح خياراً بل أصبح مفروضاً قسراً على سكان بعض المناطق، فالحملة العسكرية التي بدأها النظام منذ مطلع فبراير/ شباط الماضي لا تزال مستمرة مع وتيرة متصاعدة من العنف حتى الوقت الحالي. وبظل ظروف القصف لم يعد ممكناً لسكان تلك المناطق البقاء 
بمواجهة آلة الدمار السورية الروسية.

مصطفى أحمد (37 عاماً) من بلدة كفرسجنة الواقعة في ريف إدلب الجنوبي والتي تتبع منطقة معرة النعمان، قال لـ "العربي الجديد" أن "البلدة فارغة تماماً من المدنيين، فالخراب يعمها وهي بلدة صغيرة، فتكت بها القنابل الفراغية التي تلقيها الطائرات الروسية وطائرات نظام الأسد، فهجرها سكانها بحثاً عن مناطق أكثر أمناً متوجهين نحو المخيمات الحدودية".

وحاول مصطفى البقاء في البلدة رغم إصابته السابقة التي أدت لفقدانه ساقيه منذ أربعة أعوام، لكن لم يكن الأمر سهلاً بتاتاً، فكان الخروج منها مع أطفاله وزوجته هو الحل الوحيد للحفاظ على حياتهم، وخاصة أن كفرسجنة قريبة من بلدة الهبيط التي سيطرت عليها قوات نظام الأسد منتصف أغسطس/آب الجاري.

وكما هو الحال في بلدة كفرسجنة، يعاني أهالي مدينة كفرنبل التي تبعد عنها كيلومترات قليلة، فحاجيات الحياة اليومية غير متوفرة، والمخاوف تلاحق الأهالي كون سياسة الأرض المحروقة التي يتبعها النظام قد تطاول المدينة. وهذا ما أشار له أحمد الخطيب بحديثه لـ "العربي الجديد" وقال: "لم يبق في كفرنبل سوى أعداد قليلة جداً من الأهالي، والمدينة شبه خالية حالياً، وفي كل شارع فيها قد توجد عائلة أو عائلتان فقط، مقومات الحياة شبه معدومة فالمراكز الصحية وغيرها توقفت عن العمل، ومن بقي فيها بقي على أمل أن تتوقف الحملة الهمجية للنظام على المنطقة".

وأضاف الخطيب "غادر المدينة من لم يعد قادراً على الاحتمال فما يجري يفوق طاقة البشر، والغارات والقصف وارد بأي وقت ويدمر كل شي، فحفر القنابل الروسية تتجاوز في بعض الأحيان عمق سبعة أمتار، والقنبلة الواحدة كفيلة بتدمير شارع بأكمله. وهدف النظام الأساسي إفراغ المدن من أهلها لتسهيل سيطرته عليها".
أما عمر السعود الذي تحدث بحرقة عمّا حل بمعرة النعمان قال لـ"العربي الجديد"، "ما زلت مقيماً في مدينتي معرة النعمان التي فتح أهلها منازلهم وقلوبهم للجميع، استقبلوا مهجري ريف حمص والغوطة الشرقية ونازحي ريف حماة، واليوم نزح قسم كبير من أهلها وهم يعانون من الاستفزاز في بعض مناطق ريف إدلب، فمن لا يملك المال الكافي لاستئجار منزل جيد عليه أن يتدبر أموره في منزل لا يصلح ليسكن به البشر".


تابع "في بعض المناطق وصل إيجار المنزل لأكثر من 400 دولار أميركي، وقد يكون هذا سبباً لبقاء قسم من أهالي معرة النعمان فيها، ومنهم من يرفض الخروج متمسكاً ببيته وأرضه ومسقط رأسه، ورغم الظروف القاهرة يحدوهم الأمل بانتهاء هذا الكابوس الذي يمر علينا".

وأضاف السعود "لدي إمكانيات لمغادرة مدينتي وعيش حياة جيدة خارجها، ولكنني لن أترك بلدي ومن بقي فيها، وسأقف معهم وحتى ان اضطررت لحمل أغراضهم على ظهري، وأساعدهم قدر ما أستطيع، فتكاتفنا يشجعنا على الصمود وعدم إفراغ المدينة".

وعن الأيام المقبلة وما قد يفعله السعود قال: "بالنسبة لي سأبقى في معرة النعمان ولن أخرج، فالمعرة هي قلعة وأهلها أحرار، شوارعها وحاراتها وأهلها ثورة لا تنكسر رغم ما يجري الآن".

من ناحيته أوضح مصدر مدني في مدينة معرة النعمان لـ"العربي الجديد" أن الوضع يرثى له، ومقومات الحياة تقل يوماً بعد يوم، وحركة النزوح مستمرة، لكن جزءاً من الأهالي صامد رغم الظروف، ففي معرة النعمان لا يزال المشفى الوطني قيد العمل، أما المراكز الصحية وغيرها توقفت، ومن بقي من الأهالي يعيش على الأمل فقط.

وتعد مدينة معرة النعمان واحدة من أكبر مدن ريف إدلب، وبلغ عدد سكانها 100 ألف نسمة قبل الثورة السورية، واستقبلت المدينة الآلاف من النازحين خلال الأعوام الماضية. وتعد من أكثر مدن إدلب كثافة، وشهدت خلال الأشهر الثلاثة الماضية حركة نزوح جراء عمليات النظام العسكرية والقصف الممنهج لأحيائها.