مداخل أساسية للأخلاق الاستبدادية

17 يوليو 2020
الصورة

من المهم أن نؤكد، وفقا لرؤية عبد الرحمن الكواكبي الشبكية للاستبداد، وتشابك العوامل المتعدّدة في تكريس بنيانه، وإسناد سياسات طغيانه وتدعيمها؛ أنه عند الإتيان بالعوامل والأركان الداعمة لحالة الاستبداد، من التمجّد والمال والتربية، أشار دائما إلى حضور الأبعاد الخلقية والقيمية في المسألة الاستبدادية، والوقوف على أخلاق تمثل قابليات للاستبداد؛ فالتمجّد مُفسد للأخلاق، وكذلك المال والتربية. كل هذه العناصر تتضافر في تمكين الأخلاق المواتية للحالة الاستبدادية، بما تشكله من قابليات، الظاهرة والقابلية للظاهرة من القوانين التأسيسية الحاكمة في هذا المقام؛ ولا نجد أفضل من باب الأخلاق والاستبداد ليؤكد تلك القابليات والشبكية في تكوين الظاهرة الاستبدادية، ".. الاستبداد يتصرَّف في أكثر الأميال الطبيعية والأخلاق الحسنة، فيُضعفها، أو يُفسدها، أو يمحوها، فيجعل الإنسان يكفر بنِعَم مولاه؛ لأنه لم يملكها حقّ الملك ليحمده عليها حقّ الحمد، ويجعله حاقداً على قومه؛ لأنهم عونٌ لبلاء الاستبداد عليه، وفاقداً حبّ وطنه؛ لأنَّه غير آمن على الاستقرار فيه، ويودُّ لو انتقل منه، وضعيف الحبِّ لعائلته؛ لأنه يعلم منهم أنَّهم مثله لا يملكون التكافؤ، وقد يُضطرّون لإضرار صديقهم، بل وقتله وهم باكون. أسيرُ الاستبداد لا يملك شيئاً ليحرص على حفظه؛ لأنَّه لا يملك مالاً غير معرَّض للسّلب ولا شرفاً غير معرَّض للإهانة. ولا يملك الجاهل منه آمالاً مستقبلة ليتبعها ويشقى كما يشقى العاقل في سبيلها". فعل الاستبداد في عالم الأخلاق والقيم أنه يقوم في أحسن الأحوال بإضعافها؛ وربما بإفسادها؛ وفي أسوأ أحواله يقوم باستئصالها ومحوها تماما من جملة ما يهدمه الاستبداد وينقضه، فالظلم لا يخرب فقط العمران ولكنه كذلك يخرب الأسس القيمية والأخلاقية له.

فعل الاستبداد في عالم الأخلاق والقيم أنه يقوم في أحسن الأحوال بإضعافها؛ وربما بإفسادها

وفي إطار تصنيف الكواكبي الخصال، يجعلها حسنة طبيعية والثانية كمالية، والأخيرة ضمن هذه المنظومة الخصال الاعتيادية؛ هذه الخصال جميعا، وعلى تفاوت في ما بينها، تقع تحت تأثير طول الأمد، وما أسماه الألفة المديدة، فيتراكم الخلق اللئيم في مقابل الخلق الكريم، فيدفع الاستبداد والمستبد إلى تمكين منظومةٍ أخلاقيةٍ تكون في دعمه وإسناده وخدمته؛ وتتشاكل الخصال على شاكلته، بحيث يألف هؤلاء الظلمة والجبارون والمستبدون؛ فلا ترتج في أفئدتهم عاطفة رحمة عند قتلهم أفرادا أو أمما لغاياتهم السياسية؛ "ثمَّ إنَّ التدقيق يفيد أنَّ الأقسام تشتبك وتشترك ويؤثر بعضها في بعض، فيصير مجموعها تحت تأثير الألفة المديدة، بحيث كلُّ خصلة منها ترسخ أو تتزلزل، حسب ما يصادفها من استمرار الألفة أو انقطاعها، فالقاتل، مثلاً، لا يستنكر شنيعته في المرّة الثانية كما استقبحها في نفسه في الأولى، وهكذا يخفُّ الجرم في وهمه، حتى يصل إلى درجة التلذذ بالقتل، كأنّه حقٌّ طبيعي له، كما هي حالة الجبّارين وغالب السياسيين الذين لا ترتجُّ في أفئدتهم عاطفة رحمةٍ عند قتلهم أفراداً أو أمماً لغاياتهم السياسية، إهراقاً بالسيف أو إزهاقاً بالقلم، ولا فرق بين القتل بقطع الأوداج والإماتة بإيراث الشقاء غير التسريع والإبطاء". إذا تشكل البنية القيمية التي يحاول الاستبداد والمستبدون صناعتها على أعينهم وبمعرفتهم، معتمدين في ذلك على طول الأمد واستخدام المؤسسات المتعلقة بذلك، لتوطين البيئة المواتية للاستبداد، وتطبيع البشر كقطيع يتشرّب هذه القيم الاستبدادية التي ترسخ مع مرور الزمن وطول الأمد؛ وهو ما سيشير إليه الكواكبي في أخلاق أسرى الاستبداد.

يعمل الاستبداد على تطبيع البشر كقطيع يتشرّب هذه القيم الاستبدادية التي ترسخ مع مرور الزمن وطول الأمد

ومن أهم ما يشير إليه الكواكبي في هذا المقام الطبيعة الانقلابية للاستبداد، وكيف أنه يجعل من انقلاب القيم والمفاهيم الحياتية مرتكزا لتثبيت سلطانه وطغيانه؛ ويجعل ذلك كله عند نظم الاستبداد عملا ممنهجا وسياسة معتمدة "ربما يستريب المطالع اللبيب الذي لم يُتعب فكره في درس طبيعة الاستبداد، من أنَّ الاستبداد المشؤوم كيف يقوم على قلب الحقائق، مع أنَّه إذا دقّق النظر يتجلى له أنَّ الاستبداد يقلب الحقائق في الأذهان. يرى أنَّه كم مكّن بعض القياصرة والملوك الأولين من التلاعب بالأديان، تأييداً لاستبدادهم فاتَّبعهم الناس. ويرى أنَّ الناس وضعوا الحكومات لأجل خدمتهم، والاستبداد قلب الموضوع، فجعل الرعية خادمةً للرعاة، فقبلوا وقنعوا. ويرى أنَّ الاستبداد ما ساقهم إليه من اعتقاد أنَّ طالب الحقِّ فاجرٌ، وتارك حقّه مطيع، والمشتكي المتظلِّم مفسد، والنّبيه المدقق ملحد، والخامل المسكين صالح أمين. وقد اتَّبع الناس الاستبداد في تسميته النصح فضولاً، والغيرة عداوة، والشّهامة عتوّاً، والحمية حماقة، والرحمة مرضاً، كما جاروه على اعتبار أنَّ النِّفاق سياسة، والتحيُّل كياسة، والدناءة لطف، والنذالة دماثة ولا غرابة في تحكُّم الاستبداد على الحقائق في أفكار البسطاء". ونظن؛ والله أعلم؛ أن الانقلابات ما سُميت كذلك لقيامها بالانقلاب بالقوة، ولكن ربما هذا يشير إلى الحالة الانقلابية في كل نظم الحياة، خصوصا النظام القيمي والجهاز المفاهيمي، ممارسا انقلاب المعاني وإعادة وصف السلوك المواتي للحالة الاستبدادية، ضمن عملية خداع كبرى يمارسها الانقلابيون.

وكأنه يحاكي ابن خلدون، حينما انتقد الحالة التربوية والأخلاقية الناجمة عن الظلم والعسف والقهر "من كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين، حمله على الكذب والخُبث؛ وهو التظاهر بغير ما في ضميره، خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلّمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخُلقًا، وفسدت معاني الإنسانية التي له، من حيث الاجتماع والتمدّن، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله، وصار عيالاً (معتمدًا) على غيره في ذلك، بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل، فينبغي للمعلم في متعلمه، والوالد في ولده ألا يستبدّا عليهما في التأديب..". إذا كان هذا قول ابن خلدون، فإن الكواكبي يقول المعنى نفسه، إلا أنه يعمّمه على البيئة الاستبدادية ".. أقلُّ ما يؤثّره الاستبداد في أخلاق الناس أنَّه يرغم حتى الأخيار منهم على ألفة الرّياء والنفاق ولبئس السيّئتان، وإنه يعين الأشرار على إجراء غيّ نفوسهم آمنين من كلِّ تبعة ولو أدبية، فلا اعتراض ولا انتقاد ولا افتضاح، لأنَّ أكثر أعمال الأشرار تبقى مستورة، يلقي عليها الاستبداد رداء خوف الناس من تبعة الشهادة على ذي شرّ وعقبى ذكر الفاجر بما فيه". وربما يتابع الكواكبي أيضا ابن خلدون، فيقوم بالنقد التاريخي للمؤرخين في مسألتين خطيرتين، حينما انحرفت مسيرة الفتوحات، وكذلك إعلاء المؤرخين لمقام المستبدين وأعوانهم؛ وربما هذا النقد العلمي والمنهجي صار أسلوبا للكواكبي، ضمن حركة نقد واسعة لعلماء الدين، وكل من ارتكب ووقع في شبهة الركون إلى الظلمة والظالمين والتبرير للمستبدّين "إنما الغريب إغفاله كثيراً من العقلاء، ومنهم جمهور المؤرِّخين الذين يُسمّون الفاتحين الغالبين بالرِّجال العظام، وينظرون إليهم نظر الإجلال والاحترام لمجرّد أنَّهم كانوا أكثر في قتل الإنسان، وأسرفوا في تخريب العمران. ومن هذا القبيل في الغرابة إعلاء المؤرِّخين قدر من جاروا المستبدّين، وحازوا القبول والوجاهة عند الظالمين. وكذلك افتخار الأخلاق بأسلافهم المجرمين الذين كانوا من هؤلاء الأعوان الأشرار" .. هذه بعض الإشارات الأساسية في المسألة الأخلاقية في الحالة الاستبدادية، لا بدّ لها من تأصيل وتفصيل.