مخيّمات لبنان وسورية.. وداعاً للثورة

مخيّمات لبنان وسورية.. وداعاً للثورة

02 مايو 2016
الصورة
برج البراجنة، بيروت (تصوير: تمارا عبد الهادي)
+ الخط -

تفيدنا الأدبيات التي عالجت، باكراً أو متأخرةً، المواضيع المتفرعة عن القضية الفلسطينية الأم، بأنّ الثورة المسلحة شكلت إطاراً لا لتحرير الأرض فحسب، بل أيضاً فرصة لمحاولة تحرر المرأة الفلسطينية من قيود الرجل في مجتمع ذكوري تختلف درجات انغلاقه وتمييزه بين ذكوره وإناثه.

على المنوال نفسه، تعلّمنا الأدبيات الأكاديمية والبحثية الرصينة حول قضية اللجوء، أن المخيم الفلسطيني عموماً، كان مساحة جغرافية اجتماعية لمحاولة الحفاظ على الذاكرة وعلى شجرة العائلة وعلى العلاقات الأسرية بطريقة تتيح يوماً ما العودة إلى الوطن بأقل خسارة اجتماعية ممكنة (راجع كتاب: اللاجئون الفلسطينيون في المشرق العربي: الهوية والفضاء والمكان، تحرير آري كنودسن وساري حنفي ــ 2015، صادر عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، ضمن سلسلة "ترجمان").

لكن خلف هذه العناوين العريضة، ظلت مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين تتشارك واقع أنها مساحات جغرافية مخصصة لأشخاص مجرّدين من الجنسية والدولة.

كما أن المخيمات الواقعة خارج الضفة الغربية وقطاع غزة، وتحديداً في لبنان، بقيت مكاناً لتكريس حقيقة أن النظام الكلاسيكي للدولة ــ الأمة، "يعطي حقوقاً للمواطنين، لكن ليس للبشر"، مثلما كانت تكرّر حنه أرندت.

وضْعٌ يظهر ببشاعته وعنصريته من دون مساحيق تجميل في لبنان، حيث يُمنع الفلسطينيون من حق التملُّك والسعي لتحصيل التعليم العالي في عدد من الاختصاصات، والأهم أنهم يُمنعون من العمل في أكثر من 70 مهنة، وهو ما أوصل بالعدد الأكبر من لاجئي المخيمات الـ12 "الرسمية" في هذا البلد، إلى التحوّل لطبقة مسحوقين كل همهم أن يحافظوا على هويتهم كلاجئين.

هذا المسار الممتدّ على 68 عاماً من التعاطي التمييزي العنصري (الرسمي والشعبي بدرجات طائفية طبقية متفاوتة) بحق لاجئي المخيمات في لبنان، جعلهم يحتلون المرتبة الأولى في نسب الفقر المدقع (حوالي الثلث) بالنسبة لمعايير وكالة "الأونروا" من بين جميع لاجئي الشتات الفلسطيني في العالم العربي، مقارنة بالواقع الاجتماعي الاقتصادي اللبناني، بينما ظلوا في سورية يتشاركون نسب الفقر (والقمع) نفسها تقريباً مع نظرائهم في الفقر من السوريين.

واقع شكّل الوصفة المثالية لضرب المناعة في مجتمع فلسطينيي الشتات، وكأنَّ كل شيء في لبنان أولاً، وفي سورية ثانياً، كان مخططاً له ومقصوداً منذ النكبة فالنكسة لتصبح المخيمات، على الأقل في هذين البلدين، غير صالحة تقريباً إلا لإنتاج الهشاشة الاجتماعية التي استحالت بؤراً صالحة لمشاريع سياسية مليشيوية تدّعي النطق باسم فلسطين، لتدقّ الأسافين في ما تبقّى من نعش "القضية".

وتشكل مخيمات الفلسطينيين في كل من لبنان (منذ فترة طويلة) وسورية (اليوم) مختبرات حقيقية لرصد إجرام السلطة السياسية الرسمية إزاء الفئة ــ الطبقة الأضعف في المجتمع في هذين البلدين، أي اللاجئين الفلسطينيين. ففي سورية ما بعد الثورة، إما يكونون جنوداً في جيش بشار الأسد، أو يُقتلون على يد هذا الجيش أو تنظيمات دموية مثل "داعش" وأخواته، اليرموك والحجر الأسود نموذجان.

وبعد كل ذلك، يستغرب خبثاء كيف ينضمّ لاجئون فلسطينيون في سورية إلى مثل هذه التنظيمات ثأراً من نظام تاجر، ولا يزال، بدماء الفلسطينيين وقتل منهم ما قتل وأذلّ ما أذلّ وقهر ما قهر.

أما في لبنان، حيث يُنظر إلى مخيمات اللاجئين كـ "جزر أمنية"، وتتم معاملة سكانها كـ "حالة استثناء" عن السيادة والقوانين والحقوق، فقد منع المقيمون فيها من إرساء بنى إدارة فعالة للمخيمات، لتصبح اليوم، في ظلّ انهيار كامل للفصائل "الوطنية" المقاوِمة، خزاناً بشرياً، خصوصاً في مناطق الجنوب اللبناني (حيث العدد الأكبر من اللاجئين الفلسطينيين) لمليشيات من نوع "سرايا المقاومة" (مليشيات أسسها حزب الله من مناصرين لا ينتمون إلى التنظيم الحزبي أو إلى الطائفة الشيعية)، أو لعصابات مسلحة يقودها زعماء أحياء يعتاشون على الجرائم والسرقة والممنوعات على مختلف أنواعها.

هكذا، فإنّ مخيمات اللاجئين في سورية ولبنان، (البالغ عددها 21 مخيماً "رسمياً" من أصل 58 تتوزع على الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن وسورية ولبنان وكان يقطنها عام 2008، 4.8 ملايين لاجئ)، والتي كانت يوماً ما خزاناً بشرياً أساسياً للثورة الفلسطينية ولفدائييها، قد صارت منجماً لكل صاحب مشروع سياسي أو مليشيوي أو "إرهابي"، أكان اسمه بعثاً أو دحلاناً أو داعشاً أو قاعدةً أو قيادةً عامةً.


(صحافي فلسطيني/ بيروت)


المساهمون