مخيم اليرموك: وعود النظام بإعادة الإعمار يكذّبها الواقع

09 ابريل 2020
الصورة
تهجير المخيم كان أساسياً لدى النظام السوري (رامي السيد/الأناضول)

يتجدد الحديث عن مصير مخيم اليرموك جنوبي العاصمة السورية دمشق، بعد تصريحات مبهمة صدرت عن بعض مسؤولي النظام السوري بشأن إعادة إعمار المخيم، وعودة الأهالي إليه، بينما يتواصل الجمود على أرض الواقع بعد نحو عامين من سيطرة قوات النظام على المخيم، ومجمل مناطق جنوب دمشق. وتعرضت ممتلكات الأهالي في المخيم وبناه التحتية لعمليات نهب و"تعفيش" واسعة منذ دخول قوات النظام وحلفائه إليه في مايو/ أيار 2018 بعد اتفاق مع تنظيم "داعش"، فيما لا تزال حالة من الضبابية تلف مصير اليرموك منذ ذلك التاريخ، وسط شكوك في كل ما يصدر عن النظام بشأن المخيم الذي يسود اعتقاد واسع لدى الأهالي أن تدميره كان متعمداً، ومن دون أي مبررات عسكرية، بهدف إنهاء الوجود الفلسطيني في سورية، أو تقليصه على الأقل وبعثرته في مناطق عدة.

وفي الأيام الأخيرة، أفادت وسائل إعلام مقربة من النظام بأنه بعد اجتماع ضم وزير الإدارة المحلية حسين مخلوف ومحافظ دمشق عادل أنور العلبي والمدير العام لمؤسسة اللاجئين علي مصطفى، بدأت اللجان الفنية المكلفة من المحافظ بعملية مسح لبيوت المخيم الذي تمّ تقسيمه إلى 12 قاطعاً، تشرف عليه لجنة من أجل تحديد البيوت الصالحة للسكن والتي تحتاج إلى ترميم، وبعدها يتم العمل في البنية التحتية، ومن ثم تنظيم عودة الأهالي إلى المخيم. ونقلت صحيفة "الوطن" التابعة للنظام عن عضو المكتب التنفيذي لقطاع الخدمات والمرافق، رئيس لجنة استلام منطقة اليرموك سمير الجزائرلي، قوله إن هناك مقترحاً لمخطط تنظيمي جزئي للمنطقة بسبب حساسية المخيم. ولفت إلى أن المخطط التنظيمي لعام 2004 الصادر عن اللجنة المحلية والمصدق من وزارة الإدارة المحلية لم يعد يفي بالغرض بسبب "الأعمال الإرهابية" التي أدت لتدمير المخيم. وحسب الجزائرلي فإن شركة هندسية وضعت ثلاثة حلول للتعامل مع مخيم اليرموك، الأول يعتمد على إعادة ترميم بعض الشوارع وإعادة تأهيل المناطق الأكثر تضرراً، والثاني إعادة ترميم المناطق الأكثر تضرراً وإبقاء "المخيم القديم" على وضعه حسب التنظيم القديم 2004، المعدل عام 2013، والثالث إعادة ترميم كامل للمخيم. وأضاف أنه تم التوافق على الحل الثاني، كونه مرتبطاً بـ"تعديلات بسيطة" في شارع اليرموك الرئيسي، لتبدأ بعدها عملية إعادة اللاجئين إلى منازلهم بشرط إثبات الملكية.

ويعني ذلك أن خطط النظام انتهت إلى حل "وسط" يقضي بالاستيلاء على معظم مساحة مخيمي اليرموك وفلسطين وتوكيل "إعادة إعمارها" لشركات شريكة للنظام، باعتبارها مناطق قريبة جداً من قلب العاصمة (تبعد عنها نحو 7 كيلومترات) مع الإبقاء على منطقة المخيم القديم، أي قبل توسع المخيم في سبعينيات القرن الماضي، وهي مساحة ضئيلة قياساً على مجمل مساحة المخيم.

وحسب شبكات إعلامية مقربة من النظام السوري، فإن المخطط التنظيمي المقترح لمخيم اليرموك لن يشمل المخيم القديم، الذي سيسمح لسكانه بالعودة إليه في غضون أشهر، بعد أن تستأنف أعمال إزالة الأنقاض. وفي تصريحات سابقة، قال جزائرلي إن "مخيم اليرموك القديم له خصوصية من الناحية القانونية، لأن الأرض تخضع لإشراف الهيئة العامة للاجئين والفلسطينيين العرب"، مضيفاً أن "أغلب الملكيات فيه تكون بموجب إذن سكن أو وكالة كاتب عدل أو حكم محكمة، وبالتالي يتعذر تطبيق القانون رقم 10، الذي يقضي بجواز إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية".

ويمتدّ المخيم القديم لليرموك بشكل مثلث هندسي، رأسه مركز حلوة زيدان وضلعاه شارعا اليرموك وفلسطين، وقاعدته الشارع الواصل بين نهاية الشارعين قديماً والذي كان يطلق عليه شارع القدس عند مسجد فلسطين، وامتداده شارع نوح إبراهيم عند حديقة فلسطين - الطلائع، أو ما كانت تسمى أرض الحكيم.

وكان مخيم اليرموك يضم، بحسب التقديرات غير الرسمية، نحو 360 ألف فلسطيني قبل الثورة السورية، بينما تصنفه منظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" مخيماً غير رسمي، مشيرة إلى أن في داخله 144 ألف فلسطيني مسجل لديها. وسبق أن صدر قرار قضى بتشكيل دائرة خدمات خاصة ببلدية اليرموك تابعة لمحافظة دمشق، حلّت محل اللجنة المحلية لمخيم اليرموك. وقبل هذا القرار، كان المخيم يُدار منذ عام 1964 بطريقة مستقلة إلى حد ما، وتتبع اللجنة المحلية التي تديره لوزارة الإدارة المحلية، وليس لمحافظة دمشق، ويكون على رأسها عادة مواطن فلسطيني من أبناء المخيم، وتدير شؤونه بالتعاون مع الإدارة المحلية ومع منظمة "أونروا". لكن هذا القرار هو في سياق سياسة النظام من أجل إلغاء ما كان يتمتع به المخيم من خصوصية كمنطقة جغرافية، إذ سيصبح اليرموك مثل أي حي من أحياء دمشق يتبع للمحافظة وتلغى عنه صفة المخيم ويستعاض عنها باسم منطقة اليرموك. ومنذ صدور هذا القرار، بشأن تبعية المخيم لمحافظة دمشق، توقفت كلياً أعمال رفع الأنقاض التي كانت تشرف عليها اللجنة المحلية في المخيم، ولا يُعرف حتى الآن ما هي خطط المحافظة بشأن المخيم.



وفي معرض إشارته إلى حالة الفوضى المتعمّدة التي خلقتها سلطات النظام من خلال منع عودة الأهالي والسماح لآخرين من عناصر المليشيات وأقربائهم بالاستيلاء على بعض منازل أهالي المخيم، قال الجزائرلي إن "العديد من المواطنين سكنوا في منازل غير منازلهم وإذا تم السماح للمواطنين بالعودة ستكون هناك مشكلة قانونية بالملكيات"، مضيفاً أنه يتم العمل على ترقيم العقارات القابلة للسكن وختمها ريثما يتقدم أصحاب العقارات بإثبات ملكيتهم فيتم تسليم العقار لهم. الأخطر من ذلك هي عمليات البيع الوهمية التي جرت للعديد من بيوت المخيم، إذ ترك كثير من الناس أوراق الملكية الخاصة بمنازلهم داخلها حين اضطروا للمغادرة على عجل تحت القصف والاشتباكات، فتم استخدام هذه الأوراق لبيع تلك المنازل. وحول هذه النقطة قال الجزائرلي: "لاحظنا وجود مواطنين قاموا بشراء أو بيع عقارات بناء على عقد غير مصدق أو كلام شفهي، ما يسبب حالة تنازع على الملكيات، لذا تم تشكيل لجنة حل خلافات وفق القانون رقم 10 من المرسوم 66 الذي وضع لحفظ حقوق الناس الذين لا يدركون المسائل القانونية".

غير أنه في كثيرٍ من الحالات تم بالفعل تصديق معاملات البيع الوهمية، ما يعني ضياع حقوق أصحابها المهاجرين خارج سورية والذين لا يستطيعون العودة ولا حتى توكيل أحد لينوب عنهم، فكثير من العائلات هاجر جميع أفرادها إلى الخارج. كما أن عمليات البيع باتت تستلزم المرور على بعض الفروع الأمنية للسؤال عن صاحبها، وإذا كان مطلوباً للنظام، وهذه مسألة يتهيبها معظم الناس، باستثناء من لهم صلة بالنظام وأجهزته الأمنية أصلاً.

أحد سكان المخيم ممن سيطر أحد عناصر المليشيات على منزله الواقع بالقرب من مدخل المخيم من جهة حي الزاهرة، المقيم حالياً في بلد أوروبي، قال لـ"العربي الجديد" إنه تواصل مع ذلك الشخص عن طريق أحد الجيران، فطلب منه العنصر أن يرسل له مالاً لترميم المنزل، وحين سؤاله عمن أعطاه الحق بالدخول إلى المنزل أصلاً، طلب منه شكره لأنه قام بحماية المنزل. وكان أهالي مخيم اليرموك النازحون من بيوتهم إلى بلدات وأحياء مدينة دمشق وغيرها من المحافظات قد ناشدوا الشهر الماضي، من خلال بيانات جرى تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، المسؤولين في محافظة دمشق بعدم تطبيق المخطط التنظيمي الجديد، لأنه يعود بالضرر على جزء كبير من أبناء المخيم، وذلك لأن الدولة سوف تستملك الأرض وتقوم بإزالة المباني المرخصة وغير المرخصة، وفي حال التعويض ستدفع مبالغ زهيدة للمتضررين الذين يملكون أوراقاً ثبوتية لعقاراتهم ومنازلهم، في حين لن يتم التعويض للمخالفين مما سيضاعف من معاناتهم ويجعلهم من دون مأوى.

كذلك اتهم ناشطون من أبناء اليرموك محافظة دمشق بتجيير مشروع إعادة تأهيل خزّان المياه الصالحة للشرب، في منطقة مشروع الوسيم غرب المخيّم، والذي بدأته منذ منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي، لتغذية منطقة الزاهرة شمال المخيم، وليس لخدمة منازل المخيّم تمهيداً لعودة سكّانه. وكانت صفحات إعلامية مقربة من النظام قد نشرت صوراً وفيديوهات لأعمال ترميم وصيانة، قالت إنها لمشروع إعادة تأهيل المياه في المخيم ومد الأنابيب، على أن تستتبع بعمليات تأهيل لشبكة الكهرباء، وذلك بناء على مناقصة رست على أحد المتعهدين بإشراف محافظة دمشق، وفق تساؤلات حول جدوى إعادة ترميم المياه في حين أنّ المنازل غير صالحة للسكن.