مخيمات النزوح في الأنبار العراقية.. حياة القرون الوسطى

مخيمات النزوح في الأنبار العراقية.. حياة القرون الوسطى

17 يونيو 2016
الصورة
مخيمات النازحين بدائية (GETTY)
+ الخط -


يتجول المار في مخيمات النزوح شمال ووسط وغرب العراق، وكأنه يمر على أقوام من العصور الوسطى، حيث الأراضي جرداء والشمس حارقة والخيام متهرئة، وبينها هنا وهناك أطفال تمزقت أسمالهم البالية وعلت وجوههم صفرة الجوع وغبرة الرمال المحيطة بهم.

بضع خزانات للمياه لا تتعدى أصابع اليد الواحدة، أشواك وأدغال حول المخيمات في النهار وذئاب وضوار في الليل، كل شيء هناك بدائي، من مخيمات السكن إلى أواني المياه والطعام الذي قد لا يزيد عن بعض الخبز اليابس وشيء من التمر إن وجد، ومواقد نيران لا يزيد حطبها عن بعض أشواك أو أدغال متيبسة.
لا يعرف النازحون في أغلب المخيمات التكنولوجيا الحديثة من اتصالات وكهرباء وإنترنت، ولا يعلمون ما يجري خارج مخيماتهم سوى ما يسمعونه ممن يزورهم من الناشطين وبعض المنظمات الإنسانية المحلية.
وبدلاً من قضاء فترة المساء بمشاهدة التلفاز كما يفعل سكان المدن، فهم يقضون ليلهم في الحراسة خشية اقتراب الكلاب البرية أو الذئاب من أسرهم، حيث يسلي الرجال وقتهم في الحراسة بأحاديث وقصص بعد أن يجمعوا شيئاً من الحشائش أو الأشواك اليابسة لإشعال النار التي يؤنسهم ضوؤها في ظلام الليل الحالك.
بينما تقضي النساء الليل في محاولات تنويم الصغار الذين يأكلهم الجوع والمرض ببطء،
تحاول أم فيصل إيقاد النار تحت قدر صغير تظهر عليه ملامح التفحم بسبب إشعال الحطب لعدم توفر الوقود، لتطبخ بعضاً من نبات الخباز والسلق، وهي من النباتات الصحراوية، لتطعم أطفالها الصغار.
تقول أم فيصل "نعاني من كل شيء حتى إشعال النار والحصول على مياه الشرب الشحيحة، أما الطعام فنقتات على ما نجمعه من بعض النباتات العشبية، أو ما يصلنا من طعام شحيح من بعض المتبرعين، أما الحكومة فلم تقدم لنا شيئاً".
وتضيف: "النساء يلدن داخل الخيام على الطريقة القديمة لعدم وجود مستشفيات قريبة ولا مراكز صحية أو عناية طبية، والأطفال أغلبهم مصابون بأمراض مختلفة لا نجد لها علاجاً، وخاصة الأمراض الجلدية، والجفاف بسبب الجوع، والإسهال بسبب المياه الملوثة".

وأطلق ناشطون نداءات استغاثة وطالبوا بتدخل أممي لإنقاذ النازحين من الوضع الذي وصفوه بـ"المأساوي" في مخيمات النزوح لافتقار النازحين إلى أبسط مقومات العيش من طعام وماء ودواء.
ويعتبر الحصول على مياه الشرب إلى جانب الغذاء أصعب ما يعانيه سكان المخيمات، فهم ينتظرون وصول سيارة حوضية مليئة بمياه النهر كل عدة أيام لملء خزانات المخيم القليلة العدد والتي لا تكفي لسد حاجة كل سكان المخيمات.
ويروي ياسر علي (41 سنة) جانباً من يومياته، كحال آلاف آخرين مثله، مبينا: "لا نجد ما نفعله في نهارنا سوى النوم أغلب الوقت هرباً من الفراغ، أو نذهب لجمع الحشائش والأشواك اليابسة، وإذا مرض أحدنا فلا نجد علاجاً سوى حساء "الخباز"، وهو نبات عشبي صحراوي إن توفر".
وقال الناشط المدني، حميد عامر، لـ"العربي الجديد": "النازحون يعيشون حياة القرون الوسطى. كل شيء منعدم لا طعام ولا دواء ولا حتى ماء شرب كاف لسد حاجتهم، ولا حمامات صحية، ولا كهرباء، خاصة أن أغلب المخيمات أنشئت في مناطق صحراوية نائية وبعيدة عن المدن".
وما زاد الأمر تعقيداً إعلان الأمم المتحدة مؤخراً عن عدم قدرتها على تقديم المساعدة للنازحين العراقيين بسبب قلة التمويل، كما جاء على لسان ممثلة البعثة في العراق، ليزا كراند، موضحة  أن "ضعف التمويل جعل الأمم المتحدة غير قادرة على إغاثة النازحين العراقيين".

يأتي ذلك في وقت توقفت فيه المنح والمساعدات المالية من الدول المانحة، فيما تتذرع الحكومة العراقية بعدم امتلاكها الأموال الكافية لإغاثة النازحين وسط اتهامات لها بالتعامل بطائفية وازدواجية معهم.
ولا يعرف على وجه التحديد مصير المساعدات السعودية التي وصلت إلى مطار بغداد الدولي على متن طائرات شحن محملة بعشرات الأطنان منتصف مايو/أيار الماضي، والتي كانت مخصصة للنازحين في الأنبار.
وبين الاتهامات المتبادلة والتذرع بعدم وجود الأموال اللازمة يقاسي النازحون في مخيمات عامرية الفلوجة والمدينة السياحية في الحبانية جنوب الفلوجة ومخيمات غرب الرمادي وبغداد من ظروف معيشية قاسية مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة إلى معدلات قياسية وسط عواصف رملية تضرب المنطقة بين الحين والآخر.

دلالات