مخدّرات بين أبناء المهاجرين في فرنسا

23 مايو 2019
الصورة
يُستهلك بفرنسا نحو 80 طنّاً من "الحشيش" سنوياً (Getty)


ظروف اقتصادية واجتماعية مختلفة تورّط الشباب، لا سيّما من أبناء المهاجرين العرب، في مسائل ترتبط بالممنوعات

تكثر القضايا المتعلقة بالمخدّرات، سواء تعاطيها أو الاتجار بها، في محاكم المدن الفرنسية حيث الجاليات العربية كبيرة. وعلى الرغم من أنّ فرنسا تحظر الإحصاءات التي ترتكز على العرق والدين، فإنّه من الممكن ملاحظة الأصول العربية لعدد كبير من المحكومين في مثل تلك القضايا. وفي الزاوية الخاصة بشؤون المحاكم في أسبوعية "لو كنار آنشينيه" الفرنسية، لا شكّ في أنّ القارئ سوف يصادف أسماء عربية، معظم أصحابها متورّطون بقضايا مخدّرات.

وتكشف إحصاءات حول السجناء المحكومين بقضايا مخدّرات، أنّ عدداً كبيراً منهم يتحدّر من عائلات فقيرة ولا يحمل شهادات جامعية ولا حتى مدرسية أحياناً. والمناطق التي يسكنها هؤلاء، حيث يتفشّى الفقر والبطالة، لا بدّ من أن يُسجّل فيها قيام اقتصاد مواز يرتكز في جزء منه على المخدّرات، وتصير بالتالي خزّاناً للسجون الفرنسية. يُذكر أنّ معاناة النساء تتزايد في تلك المناطق، إذ إنّهنّ معرّضات أكثر للبطالة، وهذا ما تبيّنه إحصائية رسمية تشير إلى أنّ 48 في المائة من هؤلاء خارج سوق العمل، خصوصاً من هنّ دون الثلاثين من العمر، وفوق الخمسين.



ويتحدّث خبراء عن دور ما سبق في تورّط شباب الضواحي والأحياء الشعبية العاطلين من العمل، في المخدّرات، لا سيّما القنب الهندي أو "الحشيش" الذي يأتي من المغرب، والذي تتحكم فيه عصابات ومافيات توظّف مهاجرين كثراً من أصل مغربي. ولا يقتصر الأمر على الشباب والمراهقين في قضايا تعاطي المخدّرات، فكثيرون يفعلون وهم في الثلاثينيات والأربعينيات من عمرهم، بحسب ما أفاد به تقرير أعدّه "المرصد الفرنسي للمخدّرات ومختلف أنواع الإدمان" (أو إف تيه ديه) في عام 2017. ووفق التقرير نفسه، فإنّ شاباً واحداً من بين كلّ أربعة شباب يعترف بأنّه اختبر المخدّرات. كذلك بيّن أنّ تدخين "الحشيش" يصل إلى مستويات عالية لدى المعطّلين من العمل، في حين أشار إلى أنّ الفارق بين هؤلاء ومن يعمل آخذ في التضاؤل. ويُعَدّ "الحشيش" من أكثر المواد المخدّرة استهلاكاً في فرنسا، ربّما لأنّه الأقلّ ثمناً بالمقارنة بالكوكايين والهيرويين، وهو يكلّف الدولة الفرنسية ميزانية كبيرة ترتبط بالصحة والعمل والوقاية منه ومكافحته. يُذكر أنّ حجم "الحشيش" المستهلك يتراوح ما بين 60 طناً و80 سنوياً، والمغرب هو مصدر 90 في المائة منها.

في محكمة بلدية بوبينيي التابعة لإقليم سين سان دوني (شمال باريس)، تكشف محاكمات في قضايا مخدّرات تورّط أبناء جاليات عربية مهاجرة، لا سيّما الذين يُكلَّفون برصد القوى الأمنية، لذا يُطلق عليهم لقب "شوف" أي "انظُر". وهؤلاء يكونون غالباً من صغار السنّ ويستخدمون درّاجات هوائية في مهمّاتهم لقاء ما بين 200 و300 يورو في اليوم. إلى جانب هؤلاء، ثمّة أشخاص يكدّسون "البضاعة" في بيوتهم لمصلحة التجّار، ومن بينهم نساء يرغبنَ في تحسين أوضاعهنّ المادية. كذلك نجد في قائمة أسماء المتورطين في قضايا مخدّرات في محكمة بوبينيي، كبار التجّار والوسطاء والباعة والمستهلكين.

وتساهم تلك القضايا، لا سيّما الأحكام الصادرة فيها، في تحطيم عائلات بأكملها. فاطمة الراجي، على سبيل المثال، أرملة حضرت إلى محمكة بوبينيي لتُفاجأ بالحكم على ابنها الوحيد (34 عاماً) بالسجن أربع سنوات، بعدما ضُبطت لديه كميات من "الحشيش" مخصصة للاتجار وليس للاستهلاك الشخصي مثلما زعم أمام القاضي.



تجدر الإشارة إلى أنّ السلطات الفرنسية تكون عادة متسامحة بعض الشيء عند العثور على كميات صغيرة من المواد المخدّرة المعدّة للاستهلاك الشخصي، فتكتفي بغرامة قيمتها 300 يورو أو بعقوبة تقضي بأداء عمل اجتماعي مع خضوع الشخص المعني للعلاج. وفي حال لم يقرّ المعني بفعلته وأصرّ على الذهاب إلى القضاء، فإنّ العقوبات تأتي أكثر حدّة، وهي سنة سجناً نافذاً بالإضافة إلى غرامة بقيمة ثلاثة آلاف و750 يورو.

من جهته، لا يخفي كريم أنّه تفاجأ عندما أوقفت الشرطة ابنه القاصر (14 عاماً) وهو يبيع المخدّرات، مكلَّفاً من عصابة منظمة في مقابل مبلغ مالي زهيد. وحالة الفتى "حرجة"، لأنّه ليس مستهلِكاً بل بائع، الأمر الذي يجعل الأب خائفاً في حال رفضت السلطات التسامح معه. بالتالي، لم يَعُد مستغرباً ولا نادراً، في الأحياء الشعبية لكبريات المدن كباريس ومارسيليا وليون وليل وغيرها، أن يقضي أبناء عائلات من أصول عربية عقوبات بالسجن على خلفية قضايا مخدّرات. لكنّ ما يثير القلق الكبير هو انضواء هؤلاء في عصابات منظمة قد تلجأ في بعض الأحيان إلى تصفيات جسدية.