مخاوف جديدة في أوروبا بعد اتفاق مالطا لتوزيع مهاجري المتوسط

25 سبتمبر 2019
الصورة
تؤرق أزمة الهجرة معظم الدول (ناصر السهلي)

تعيش أوروبا على وقع خلافات من مخاوف جديدة، على خلفية ما يسمى "اتفاق مالطا" بشأن توزيع مهاجري/لاجئي المتوسط بين أربع من دول الاتحاد الأوروبي خلال الأسبوع الحالي. 

ومنذ اللقاء الذي جمع ممثلين ووزراء داخلية فرنسا وإيطاليا ومالطا وألمانيا والاتفاق على "حل مؤقت" لمشكلة توزيع اللاجئين والمهاجرين المتدفقين عبر المتوسط من خلال نظام كوتا-الحصص، بدأت الخلافات تدبّ في صفوف الاتحاد الأوروبي.

ورغم الاتفاق الذي أُبرم بين الدول الأربع، فإن "مساعي ستبذل لكي تنضم إليه دول الاتحاد الأوروبي خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول القادم". والنقطة الأخيرة أثارت حنق بعض الدول الأخرى التي لم يرق لها أن تعود أوروبا إلى حالة 2015 حيث فشلت دوله بتنفيذ اتفاق محاصصة ونتائجه ماثلة حتى اليوم، أو لوقت قريب، بتراشق بين الدول الأعضاء حول مسؤولية تدفق المهاجرين.

المستشار النمساوي السابق، سبستيان كورتز، لم يرقه الاتفاق المتعلق بتوزيع المهاجرين الذين يجري التقاطهم من مراكب تجوب وسط البحر الأبيض المتوسط، في محاولة للوصول إلى أي نقطة أوروبية.

وإلى جانب كورتز تتعالى أصوات أوروبية أخرى في الشمال الأوروبي وشرقه حول نقطة "كوتا" و"إلزامية" توزيع المهاجرين وهي التي فجرت سياسات الهجرة الأوروبية منذ 2015.

وينوي المتفقون طرح قضية إلزام الدول الأعضاء في استقبال نسب معينة خلال اجتماع المجلس الوزاري الأوروبي، دون أن تتضح معالم ما يفترض أن تستقبله الدول الأعضاء. فالمجر على سبيل المثال تقف معارضة وبشدة لاستقبال أي مهاجر يجري إنقاذه في المتوسط.

دول عارضت اتفاق مالطا (ناصر السهلي)

وعلى الرغم من أن البرلمان الأوروبي، على لسان رئيسه دافيد ساسولي، بحسب ما نقلت "بوليتكو"، ثمّن الاتفاق في مالطا وأشار إلى "إلزاميته"، ومؤكدا في الوقت نفسه قناعته بأن "المفوضية وبرلمان الاتحاد الأوروبي ينكبان على نشر الاتفاق بين بقية الدول الأعضاء"، إلا أن الأصوات المعارضة له تتوسع في دول أخرى.

كما أن ألمانيا التي تعهدت باستقبال 25 في المائة من الأشخاص الذين تنقذهم سفن الإنقاذ التي تجوب البحر المتوسط تبرز فيها معارضة وانتقادات يوجهها اليمين القومي المتشدد، في حزب "البديل"، ومن شخصيات سياسية في معسكر يمين الوسط.

مساع للحد من تدفق المهاجرين (ناصر السهلي) 

ولم يكن غريبا أن يوجه مستشار النمسا السابق، كورتز، انتقادات عنيفة، أمس الثلاثاء، لهذا الاتفاق بل وجه سهامه باتجاه "سياسات أوروبا للجوء". فالرجل سائر نحو انتخابات تشريعية مبكرة يوم الأحد القادم، 29 سبتمبر/أيلول، على خلفية انفراط عقد حكومته الائتلافية بعد فضيحة نائبه هاينز كريستيان شتراخى، وعلى وقع توقعات أن يعود كورتز إلى منصب المستشارية يطلق تصريحات متشددة ومتشككة بتلك السياسات. فبحسب ما نقلت عنه "بيلد" الألمانية، فقد وجه الرجل سهامه نحو إيطاليا، بعد سقوط حليفه وزير الداخلية المتشدد فيها ماتيو سالفيني، وإسبانيا بما سماه "سياسة فتح الموانئ مجددا أمام المهاجرين".

واعتبر كورتز أن "شيئا ما يحدث في هذا الاتجاه (استقبال المهاجرين) ونحن في أوروبا نتحمل مسؤولية ذلك". ومضى كورتز معتبرا أن أوروبا "ترسل إشارات خاطئة لأفريقيا ولمهربي البشر بأننا الآن ننتهج سياسة حدود مفتوحة وموانئ غير مغلقة، بهذا المعنى سنرى تزايدا في تدفق المهاجرين إلى الاتحاد الأوروبي"، وفقا لتصريحاته لـ"بيلد" الألمانية أول من أمس.

المستشار الساعي لجذب أكبر نسبة تصويت في النمسا يشير بذلك إلى مساع أوروبية لتخفيف الضغط عن إيطاليا وإسبانيا، رغم توجيهه الانتقادات للبلدين بشأن فتح موانئهما أمام سفن الإنقاذ. وعبرت كل من فنلندا وكرواتيا وأيرلندا والبرتغال ولوكسمبورغ عن إمكانية المشاركة في حصص استقبال القادمين عبر المتوسط.

وما يعنيه هذا التوجه الذي يزعج معسكر اليمين المتشدد في أوروبا أن سياسة ماتيو سالفيني السابقة "بدأت بالتراجع"، وفقا لما تذهب إليه صحافة اليمين المتشدد في الشمال الأوروبي التي تتهم "اليسار في إسبانيا وإيطاليا بالتسبب بأزمة جديدة بقدوم مزيد من المهاجرين من أفريقيا والشرق الأوسط"، على ما تذكر اليوم صحيفة "دن ورت أفيس" الدنماركية المعبرة عن موقف التطرف القومي في بلدها.

وتتهم الصحيفة أوروبا بتغيير سياساتها في مجال الهجرة بـ180 درجة، مشيرة إلى أن من يصلون إلى إيطاليا سيجري تقاسمهم بين فرنسا وألمانيا بمقدار 25 في المائة لكل بلد من البلدين.

اتفاق مالطا إجراء مؤقت (ناصر السهلي)

وفي المقابل، أعلن وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر أن "اتفاق مالطا" هو "إجراء مؤقت".

تصريح زيهوفر لم يرق للسياسي الألماني البارز في الاتحاد الديمقراطي المسيحي، فولفغانغ شويبله، معتبرا أن أوروبا "ترسل رسالة خاطئة لأفريقيا". ونقلت دي فيلت عن الرجل انزعاجه من مشاركة بلده في الاتفاق معتبرا إياه "سياسة رمزية ستؤدي إلى انهيار ثلجي(جليدي) (كإشارة لما سيسببه من تدفق المزيد من المهاجرين)، وخصوصا إذا ما كان أحد المتزلجين يقوم بإهمال قواعد التزلج في قمة الجبل الجليدي"، وهو يشير بذلك منتقدا سياسات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بشأن استقبال اللاجئين في 2015، بحسب "فيلت". ولا يبدو أن زميله وزير الداخلية، زيهوفر، قد استمع جيدا لتلك الانتقادات الموجهة للاتفاق في العاصمة المالطية فاليتا.

ويراهن زيهوفر، والدول الأخرى الموافقة على اتفاق مالطا، على اجتماع وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول القادم لتوسيعه ليشمل بقية دول الاتحاد.

لكن آخرين، ومن بينهم مسؤولة لجنة السياسات الداخلية في البرلمان الألماني، والمقربة من زيهوفر، أندريا ليندهولز وجهت أيضا انتقادا لاستقبال ألمانيا ربع الواصلين عبر المتوسط بالقول إنه "يجب أولا وقبل أن تقبل استقبال حصتك من الواصلين إلى إيطاليا أن تضمن أن هؤلاء يستحقون بالفعل حماية، فنحن نشهد الآن قدوم أشخاص عبر مراكب من دول لا يحتاج فيها هؤلاء إلى حماية، والتصرف بهذا الشكل (توزيع الحصص) سيخالف القرارات الأساسية المتخذة في الاتحاد الأوروبي".


وبحسب منظمة الهجرة الدولية، وصل إلى إيطاليا بين 2015 و2018 نحو 478 ألف إنسان، وبالفترة نفسها كان هناك 395 ألف طالب لجوء في إيطاليا نفسها، وفقا لـ"يوروستات".

وتذكر المفوضية السامية للاجئين أن 296 ألف إنسان كانوا بحاجة فعلية للحماية (اللجوء) في نهاية 2018. واستقبلت ألمانيا نحو 1.4 مليون مهاجر/لاجئ فيما كان نصيب فرنسا 459 ألفا والسويد 317 ألفا خلال تلك الأعوام. وشهد المتوسط خلال السنوات الست الماضية، وفقا لمنظمات غير حكومية تعمل في البحر المتوسط، غرق نحو 20 ألف إنسان في محاولة الوصول إلى البر الأوروبي.​