مخاوف الأسواق تهدأ مع تثبيت الاحتياطي الفدرالي أسعار الفائدة

31 يناير 2019
الصورة
باول في المؤتمر الصحافي يوم الأربعاء (Getty)

صعدت البورصات وأسواق المال العالمية عقب قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي "البنك المركزي الأميركي"، تثبيت معدلات الفائدة على أمواله عند مستوياتها الحالية، في نطاق 2.25% - 2.50% في اجتماعه يوم الأربعاء، وارتفعت أسهم أوروبا لأعلى مستوى في شهرين بدعم قرار المركزي الأميركي.

وانتعش المؤشر نيكاي الياباني اليوم الخميس، في الوقت الذي تعهد فيه المركزي الأميركي بالتحلي بالصبر بشأن رفع أسعار الفائدة، مما ساهم في تهدئة المخاوف من المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي المتباطئ.

وقبعت أسعار الذهب اليوم قرب أعلى مستوياتها في 8 أشهر الذي بلغته في الجلسة السابقة، مع تراجع الدولار بعدما أوقف المركزي الأميركي دورة تشديد سياسته النقدية، ليتجه المعدن صوب تحقيق رابع مكاسبه الشهرية على التوالي.

وانخفض مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة عملات رئيسية أخرى، بعدما أصدر مجلس الاحتياطي بيانه الذي يتسم بالحذر.

وكان رئيس مجلس الاحتياطي جيروم باول قد أدلى بتصريحات صحفية عقب اجتماع المجلس فهم منها الحضور أن مسلسل رفع معدلات الفائدة الأميركية ربما يكون قد وصل إلى نهايته.

وأكد باول للصحافيين أن "العوامل الداعمة لرفع معدلات الفائدة ضعفت"، فجاءت كلماته برداً وسلاماً على أسواق الأسهم الأميركية، التي اغلقت يوم الأربعاء على ارتفاع، بتأثير الإعلان عن نتائج الأعمال لشركتي آبل وبوينغ، ليغلق مؤشر "داو جونز" الصناعي على ارتفاع 435 نقطة، تعادل 1.8%، كما ارتفع مؤشر "إس.آند.بي" 1.55%، ومؤشر ناسداك 2.2%.

واليوم الخميس، ارتفع المؤشران ستاندرد آند بورز500 وناسداك المجمع عند الفتح في بورصة وول ستريت، بدعم من نتائج ايجابية من فيسبوك، مواصلين الصعود بعد أن تعهد مجلس الاحتياطي الاتحادي بالتأني في المزيد من زيادات الفائدة لكن المؤشر داو جونز الصناعي تراجع بفعل تقارير متشائمة للأرباح.

وانخفض داو جونز 0.24% إلى 24954.48 نقطة في بداية جلسة التداول، وارتفع ستاندر آند بورز 0.17% إلى 2685.49 نقطة في حين صعد ناسداك 0.35% إلى 7208.17 نقطة.

وأنهت الأسهم الأوروبية جلسة تداول متقلبة على استقرار اليوم الخميس، بعد أن غطت بيانات اقتصادية مخيبة للآمال، بما في ذلك ركود فني في إيطاليا، على الأثر الإيجابي لبيان مجلس الاحتياطي الاتحادي.

وأغلق المؤشر ستوكس 600 الأوروبي مرتفعا 0.04%، وينهي شهر يناير/ كانون الثاني على مكاسب قدرها 6.1% في أفضل ِأداء شهري له منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2015 مع تعافي الأسواق العالمية من اضطرابات 2018.

لكن مؤشرات اقتصادية أظهرت أن القلق بشأن الاقتصاد الأوربي له ما يبرره. وهبطت مبيعات التجزئة في ألمانيا بأسرع وتيرة في 11 عاما بينما سجل انتاج السيارات في بريطانيا أكبر هبوط منذ 2009 وسجل النمو في منطقة اليورو أبطأ وتيرة في 4 سنوات.

وساعد ارتفاع أسعار النفط وتقرير قوي من شل في دعم السوق مع صعود مؤشر أسهم الشركات النفطية 1.8% ليأتي في مقدمة القطاعات الرابحة.

وقفز سهم رويال داتش شل حوالي 4% مع ارتفاع أرباحها السنوية بأكثر من الثلث إلى 21.4 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ 2014.

وجاء قطاع الاتصالات أيضا بين الرابحين مع صعود سهم شركة الاتصالات الألمانية دويتشه تليكوم 6.2% بدعم من تكهنات بعرض استحواذ من بروكفيلد أسيت مانجمنت.

ورغم أن باول أكد في أكثر من مناسبة تجاهله مطالبات الرئيس الأميركي دونالد ترامب له بعدم رفع معدلات الفائدة، إلا أن البيان الذي قرأه بعد الاجتماع أظهر توجهاً مخالفاً لما كان عليه الحال بعد اجتماع شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، والذي قرر فيه البنك رفع معدلات الفائدة بربع نقطة مئوية.

وفي سبتمبر/أيلول الماضي، ظهر باول كمن ينوي رفع معدلات الفائدة 4 مرات خلال عام 2019، قبل أن تنخفض التوقعات لمرتين فقط. وساهم عدم تجديد باول لما استحق من سندات كانت في حوزة البنك خلال العام المنتهي 2018 في تأكيد التوجه نحو رفع معدلات الفائدة خلال عام 2019.

لكن المؤتمر الصحافي الذي عقده الأربعاء أظهر أن المسؤول الأول عن البنك الفيدرالي ربما يمهد لوقف مسلسل الرفع الذي بدأ في عام 2015، ووصل إلى ذروته في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وهو ما قد يعني أن رئيس البنك الأكثر استقلالية والأوسع نفوذاً على مستوى العالم ربما يكون في طريقه للرضوخ لضغوط الأسواق، أو لضغوط ترامب، الذي طالب في أكثر من مناسبة بوقف رفع معدلات الفائدة، واعتبرها نوعاً من "الجنون"، كونها تتسبب في تباطؤ معدلات النمو، وترفع تكلفة الاقتراض للأفراد والشركات، وتتسبب في انخفاض أسعار الأسهم.

وبرر باول تغيير خطابه، الذي لاقى قبولاً واسعاً في الأوساط المالية، بـ "تزايد المخاطر التي تهدد الاقتصاد الأميركي، وتنذر بتعرضه للركود، بفعل التباطؤ الاقتصادي الحالي في أوروبا وآسيا".

وأكد باول أن المسؤولين في البنك الفيدرالي يتابعون عن كثب التأثيرات على السياسة النقدية الناتجة عن النزاعات التجارية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، واحتمالات حدوث إغلاق جديد للحكومة الأميركية، بعد المهلة التي منحها ترامب للمشرعين، والتي تنتهي في منتصف فبراير/شباط.

لكن أبيشك بووالكا، خبير أسواق المال والمشتقات، علق على قرار تثبيت سعر الفائدة قائلاً "للأسف، الذيل (الأسواق) هو الذي يهز الكلب (البنك الفيدرالي)، في إشارة لرضوخ باول للأسواق التي كانت مستاءة من رفع معدلات الفائدة.

وعلى الرغم من إشارة باول للمخاطر التي دفعته هو وأعضاء لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية لاتخاذ القرار، إلا أنه لم يوضح إن كان يتوقع ضعف أو قوة الاقتصاد في الفترة القادمة، مخالفاً ما اعتاد الصحافيون سماعه من رؤساء البنك الفيدرالي، ومن ضمنهم باول نفسه، خلال المؤتمرات الصحافية السابقة.

وفي حين اعتبر البعض أن غياب الإشارة لحالة الاقتصاد يوضح غموض الرؤية لدى صانعي السياسات، اعتبر آخرون أن ذلك يرجع إلى أن القرار جاء بتأثير ضغوط ترامب.

وفي تعليقه على قرارات البنك الفيدرالي يوم الأربعاء، قال الاقتصادي الأميركي محمد العريان على حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي، إن قرار البنك وبيانه يمثلان "النهاية الرسمية للمحاولة الأولى من رئيس البنك لقيادة الأسواق بدلاً من الإذعان لها".

وأكد العريان أن كل المراقبين لقرارات وتصريحات البنك المركزي الأميركي سيجمعون على ذلك، لكنهم سيكونون أقل إجماعاً على معرفة سبب تغير خطط رئيس البنك الفيدرالي، "والإجابة عن هذا السؤال ستوضح ما إذا كان البنك الفيدرالي ينوي بذل المزيد من الجهد لتأكيد انفصاله واستقلال سياساته عن تأثيرات الأسواق". كما وصف العريان بيان البنك بأنه "تغيير للمسار".

لكن باول أكد للصحافيين أن الضغط السياسي، ويقصد به ضغوط ترامب للتوقف عن رفع معدلات الفائدة، لم ولن يؤثر في قرار البنك الفيدرالي، وأضاف "نحن بشر، ونرتكب أخطاء، لكننا لن نرتكب أخطاء تتعلق بالشخصية أو النزاهة. أتمنى أن يعي الرأي العام ذلك، وأتمنى أن يرى ذلك في أفعالنا".

ومنذ انتهاء اجتماع 18-19 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، توالت التعليقات المطمئنة من أعضاء مجلس محافظي البنك الفيدرالي، الذين أجمعوا على تأكيد استقلالية البنك، موضحين أن قرارات رفع الفائدة في الفترة القادمة ستكون مبنية على البيانات الصادرة، وأن البنك الفيدرالي سيكون مستعداً "للتمهل وإظهار المرونة"، وأنه لن يتردد في تقليل الوتيرة التي يخفض بها حجم ميزانيته، وهو إجراء مشابه لتخفيض وتيرة رفع معدلات الفائدة.

وتقول مجموعة سي ام اي، التي تقوم بتشغيل بورصة للعقود المستقبلية في شيكاغو ونيويورك، إن المستثمرين يبدون كما لو كانوا يتوقعون ألا يتم رفع معدلات الفائدة مستقبلاً على الإطلاق، وأشارت إلى أن أسواق العقود المستقبلية تشير إلى احتمالات بنسبة 4% فقط لرفع معدلات الفائدة في يونيو/حزيران القادم، ونسبة 6% لتوقع أن تكون معدلات الفائدة خلال عام أعلى من مستوياتها الحالية.