مخافة الحكم أم الاقتراب من "النهضة"؟

27 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
أفرزت الانتخابات التشريعية والرئاسية في تونس مشهداً سياسياً مختلفاً عما سبق، وصفه بعضهم بمفردات عديدة "زلزال، لطخة، هزة عنيفة.."، ظلت تتداول لبيان هذا الارتباك الحاد التي شهدته الساحة السياسية. وبقطع النظر عن دقة تلك الأوصاف، وقدرتها الإجرائية على تحليل ما حدث وفهمه، فإن الانتخابات التي جرت تنهي، إلى حد ما، عهداً سياسياً امتد نحو عقد، صعدت فيه قوى وتراجعت أخرى، بينما حصلت توافقات بارزة وصراعات حادة أيضاً ضمن سرديات متباينة، ظلت تتنافس إلى حد الانتخابات، بل لعلها كانت إحدى أدوات الحملات الانتخابية "الأكثر مردودية".
لعل أول ما تبيّنه الانتخابات التشريعية تحديداً نسب الفوز "الضعيفة"، إذ لا تستطيع الأحزاب الفائزة الخمسة الأولى نظرياً تشكيل الأغلبية المطلقة لتشكيل حكومة (109 أصوات) بمفردها، أو مع غيرها (إلا بمشقةٍ ما زالت مستبعدة، وذات تكلفة سياسية "باهظة" حسب بعضهم) .. لقد فاز هؤلاء فوزاً "منهكاً"، عقّد إمكانية تشكيل الحكومة وبناء "تحالفات حكم"، وجعل الأمر عسيراً، وهو ما بدا إلى الآن على الأقل، من خلال تصريحات الفرقاء السياسيين الفائزين.
ما أن صدرت النتائج الأولية للانتخابات، حتى بادرت الأحزاب الفائزة، باستثناء حركة النهضة، إلى إعلان انتمائها إلى المعارضة، وبقطع النظر عن المبرّرات التي قدمتها لاحقاً، فإن هذا الموقف يتسم بكثير من التسرّع، فالناخبون، حينما صوّتوا لهذه الأحزاب، انتقوها لكي تحكم، وذلك دور الانتخابات، خصوصاً في سياق ديموقراطي هش، يقتضي توسيع قاعدة المشاركة. جرّت المواقف الحدّية الأحزاب إلى المزايدة، ورفع سقف شروط التفاوض إلى حد استحالة البدء فيه، فكان خطاب ما بعد الانتخابات أكثر حدّة من خطاب الحملة الانتخابية.
أفضت هذه "الهشاشة البرلمانية/ الفسيفساء" التي أفرزتها الانتخابات أخيراً إلى "لا كبير فائزاً" يستطيع أن يكون جاذباً لقطارات غيره على سكّةٍ يخطها بنفسه. الكل "سواسية" في الضعف،
 ولا أحد يستطيع أن يبادر، أو يملي شروطه. وهو ما صعب النقاش، وأجّج معارك التصريحات خارج كواليس المفاوضات. هذه المواقف القصووية التي ترفض المشاركة في حكومةٍ ترأسها "النهضة" سرعان ما تراجعت نسبياً، حينما اشترطت الذهاب إلى الشرط الاستثنائي الذي ينص عليه الدستور في فصله 89، والذي يمنح رئيس الجمهورية، بعد أن يستنفذ الحزب الفائز جميع الجهود من أجل تشكيل حكومةٍ يرأسها. في هذه الحالة، يمنح الدستور الرئيس إمكانية تكليف شخصٍ على قاعدة الجدارة من أجل تشكيل الحكومة. تلقف المناوئون لحركة النهضة من الأحزاب الفائزة تلك الإمكانية الاستثنائية، وطالبوا بالذهاب إليها مباشرة، فيما سموها "حكومة الرئيس"، حتى بانت هذه الدعوة كأنها عدم اعتراف بالشرعية الانتخابية، ورفض التفاوض، وهو جوهر العملية السياسية، فضلاً عن مخاوف مشروعة من تصدير الأزمة السياسية إلى مؤسسة الرئاسة التي لا تزال تكتشف حقل ممارساتها، علاوة على أن الرئيس فاقد لحزام حزبي يسنده، فهو رئيس بلا حزب.
سيكون من الصعب أن تتراجع الأحزاب الفائزة، والتي صرّحت كلها تقريباً بعدم قبولها المشاركة في حكومةٍ ترأسها "النهضة"، باستثناء ائتلاف الكرامة (توجهات إسلامية راديكالية)، بشكلٍ يسمح تنشيط مفاوضات وإيجاد حالةٍ من السيولة السياسية المنتجة التي تقرّب الفرقاء على حد وطني مشترك.
تقدم تلك الأحزاب، وتحديداً حركة الشعب والتيار الديموقراطي، أسباباً مختلفة عن رفضها المشاركة في حكومة ترأسها "النهضة"، كما ينص الدستور، لعل أهمها الإخفاقات التي سجلت سنوات حكم الأخيرة: التباس موقفها من مسائل عديدة، على غرار مكافحة الفساد، توازنات المالية العمومية والتداين الأجنبي، العلاقات الخارجية، فضلاً عن اتهامات وُجهت لها في بلاتوات إعلامية كانت أحياناً متوترة، ما دفع بالرد عليها من قيادات "النهضة"، علاوة على اندلاع حربٍ ضروس، تقودها كتائب إلكترونية لهذا الفريق أو ذاك.
قد تكون لتلك الأسباب وجاهة ما، فالأصل أن تختلف الأحزاب في تقييم سنوات حكم النهضة (مفردة أو شراكة)، كما في كل الديموقراطيات. ولكن يبدو أن الأسباب الحقيقية التي أملت تلك الإدراكات، بقطع النظر عن صوابها أو تهافتها، هي الخشية من الاقتراب من الحكم .. لم يسلم أي حزبٍ حكم بعد الثورة من محرقة الحكم، كلياً أو جزئياً. اختفت معظم الأحزاب التي حكمت، المؤتمر من أجل الجمهورية، التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، نداء تونس. ولم تنجُ إلا "النهضة" بمشقة، غير أن قاعدتها الانتخابية تراجعت إلى حد كبير.. . ثمّة ما يشبه "سندورم/ متلازمة الحكم" بعد الثورة التي تلتهم الأحزاب الحاكمة.
أما الخوف الثاني فهو خوف الاقتراب من حركة النهضة، ومد اليد لها للحكم معها. يقول بعضهم إن من اقترب من "النهضة" ضاع واندثر تماماً في ما يشبه الثقب الأسود. تشكل هذه التهيؤات ثقافة سياسية تكاد تعصف أحياناً بالمشترك الوطني، في مناخ من عودة استقطاب أيديولوجي، كنا نخاله اختفى، ولكن يبدو أن ثارات تاريخ لم تعشه تونس لا تزال تقود حاضرها.