محور المقاومة يصحو

22 فبراير 2018
الصورة
فجأة يُعلن عن ظهور محور المقاومة، بعد أن كان افتراضياً، وأصبح هناك من يركض، لكي ينخرط فيه. لقد جرى اعتبار إسقاط الدفاعات الجوية السورية طائرة صهيونية بداية هجوم محور المقاومة المشكّل من إيران وأدواتها، وحزب الله، وحركة النجباء العراقية، والنظام السوري. محور يروّج بدء الحرب ضد الدولة الصهيونية (بدل أن أقول لتحرير فلسطين).
تحققت هذه النقلة "المعنوية"، والإعلامية، بعد أن جرى التعامل خلال الأشهر الماضية على أن النظام السوري المدعوم إيرانياً، ومن حزب الله قد انتصر (بتجاهل الدور المحوري لروسيا). وأنه يجب أن يجري الالتفاف حوله لإكمال الانتصار. ثم جاء إسقاط الطائرة الصهيونية ليفرض إعلان نشوء هذا المحور، وانطلاقاً من أن هذا الحدث هو البداية في المواجهة. ولا شك في أن إعلام "المقاومة" هلَّل، ولا زال يهلِّل، فرحاً لـ "التطورات الكبيرة" التي توضِّح انتصار المحور هذا.
أولاً، لا زال الانتصار بعيداً، وأظن أنه لن يتحقق، حيث إن الأمور أعقد من أن تُحسم، سواء نتيجة التدخلات الإقليمية والدولية المتعددة، أو نتيجة عجز النظام عن أن يعيد بناء الدولة، حتى وإنْ حسم الأمر عسكرياً، بقوى روسيا وإيران وحزب الله، وأشتات المرتزقة الآخرين من أفغانستان وباكستان.
وثانياً، يجري تجاهل روسيا التي هي وحدها فرضت تغيير ميزان القوى، على الرغم من أنه ليس بالضرورة أن تحقق الانتصار. وتتمثل المسألة هنا في أن روسيا هي التي باتت مهيمنة، وتملك القرار السياسي والعسكري. وهي في تناقض مع أوهام محور "المقاومة"، حيث تعتبر الدولة الصهيونية حليفاً، ولقد أعلنت أنه في حال أي اعتداء إيراني سوف يدافع عن الدولة الصهيونية ليس أميركا فقط، بل روسيا كذلك.
والصراع على الاستحواذ على سورية في تصاعد بين إيران وروسيا. فقد فرضت روسيا اتفاقات جعلتها تسيطر على النفط والغاز، ثم الآن على إعادة الإعمار.
كيف سيتصرف "محور المقاومة" في هذه الوضعية، التي جعلت روسيا تسمح للطيران الصهيوني أن يستهدف كل مواقع إيران وحزب الله في سورية؟ وكيف سيبدأ الهجوم على الدولة الصهيونية وهو عاجز عن حماية ذاته في سورية، وربما سيكون الأمر ذاته في لبنان؟
إيران هي التي سلَّمت سورية لروسيا حينما هرع قاسم سليماني يطلب الدعم وقواته تنهار. فأتى بالدب الروسي إلى كرمه.
الأمر أعقد من ذلك، فليس من الممكن أن تكون لا إيران ولا النظام، ولا حزب الله الآن، ولا كل القوى التي تلتحق بهذا المحور، في وضعيةٍ تسمح بمواجهة الدولة الصهيونية. إيران تناور فقط، حيث تريد موقعاً متميزاً في المنطقة على حساب العرب. وحزب الله غرق في حروبٍ ضد شعوب المنطقة، ولن يكون قادراً على المواجهة، وهو أصلاً التزم بقرار مجلس الأمن 1701 الذي فرض عليه التخلي عن المقاومة. لهذا بات يطرح بناء "سياسة دفاعية". والنظام السوري هو الآن "هيكل عظمي" بلا أرجل، ولا جيش، ومتحكَّم به من روسيا حليفة الدولة الصهيونية.
مَنْ إذن، سيقاوم؟ هناك مَنْ يتعلق بالأوهام، فيفرح ويزغرد لسقوط طائرة صهيونية، وهو عاجز عن أي فعل، وينتظر من سيقوم بمهمة كبيرة، كمهمة تحرير فلسطين. هذا هو وضع اليسار العربي في غالبيته. اليسار الممانع الذي بات يزحف، لكي يقبِّل عتبات الممانعة في دمشق، من دون أن يلمس أنه يفعل ذلك نتيجة عجزه الذاتي، وفشله الطويل، وهامشيته. لهذا يتعلق بأوهام، ويعزّي نفسه أنه يقف خلف كل من يعممها.
مواجهة الدولة الصهيونية، وتحرير فلسطين، يحتاجان إلى شيء آخر، إلى وضع آخر. يحتاجان إلى نظم تعبّر عن الشعوب، وبالتالي، لا بدّ من إسقاط النظم القائمة، ولا يتوهم أحدٌ أن نظم الممانعة يمكن أن تفعل ذلك. ويحتاجان إلى قوى وأحزاب ليست طائفية، ولا تابعة، وتريد تحقيق مشروع جذري.
على مَنْ يريد تحرير فلسطين أن ينزع من عقله كل الأوهام، لكي يستطيع بناء قوىً قادرة على ذلك.