محمود عباس والكفاح المسلح ... غيض من فيض

03 يونيو 2020
الصورة

عباس إلى اجتماع منظمة التحرير في رام الله (7/5/2020/الأناضول)

أثارت تصريحات الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، أخيرا، والتي أعلن فيها، رداً على إجراءات إسرائيل ضم أراض واسعة في الضفة الغربية إليها، تحلل السلطة الوطنية الفلسطينية من الاتفاقيات مع إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية وكل التزاماتها، بما فيها الأمنية، أثارت سجالا كثيرا بشأن شخص عباس وقراره الراهن ومواقفه السياسية عموما، ومنها مقال الزميل معن البياري "في إنصاف محمود عباس"، في "العربي الجديد" (25/5/2020)، والذي دعا إلى ضرورة التريث قبل التعليق على قرارات عباس، حتى تبيّن مدى صحة أقواله، ثم ليكن التعليق المناسب عليها. في حين كان لآخرين مواقف مناقضة، شنت هجوما شرسا وفوريا على شخص عباس، ومجمل قراراته ومواقفه، معبرين عن عدم ثقتهم به، مهما كان فحوى خطابه أو خطاباته المقبلة، ومعتبرين إياه جزءا من المشكلة لا الحل. الأمر الذي يحتاج لتبصر بعض الأمور الأساسية، لمعرفة جدوى التريث من عدمه. 
من ناحية أولى، وعلى الرغم من عدم اتفاق الكاتب مع جميع توجهاته وخطاباته، إلا أن عباس من القادة العرب والفلسطينيين القليلين جداً في وضوحهم السياسي، ممثلا بحل الدولتين، والمفاوضات وسيلة وحيدة لتحقيقها، وهي ميزة يفتقدها كثيرون من المتاجرين بقضيتنا العادلة في خطاباتهم الرنانة، ومن المنخرطين عمليا في حل الدولتين واتفاق أوسلو على الرغم من ادعائهم معارضته إعلاميا، كبعض الفصائل الفلسطينية اليسارية والإسلامية. لكن في الوقت نفسه لا بد من التذكير بكثير من خطابات عباس وقراراته التسويفية في ما يخص حقوق الشعب الفلسطيني، يلف ويدور حولها بغية حجب موقفه الحقيقي، مثل حق العودة للاجئين وحرية التعبير والعمل السياسي، والحق في النضال السلمي. إذ تفضح ممارسات عباس التسلطية والاستسلامية ما تخفيه كلماته المنمقة والمجملة، حتى لا يبقى أي شك بحقيقتها تماما، كالمتاجرين بقضيتنا العادلة، فارضا سلطة تسلطية استبدادية واستسلامية داخل منظمة التحرير ومناطق السلطة، تناقض جميع ادعاءاته
بشأنهم. وهو ما ينقلنا إلى قضية شائكة وحساسة في الوجدان الفلسطيني، وفي المنطق الحقوقي والقانوني، تتمثل في الموقف من المقاومة والكفاح المسلح، وهو ما يعيد إلى مئات الكتابات والتعليقات التي كانت تطاول نقد العمليات الفدائية بحسب مكان تنفيذها، والفئة التي استهدفتها، من دون أن تمس حق المقاومة المشروعة التي طالبت بحصر العمليات لمواجهة قوات الاحتلال العسكرية والأمنية ودوائره ومؤسساته، وتجنب إيقاع أي إصاباتٍ في أوساط المدنيين (بغض النظر عن التحديد الدقيق للمدنيين الآن). وذلك استنادا إلى حق الشعوب المحتلة والمظلومة في الدفاع عن ذاتها، والنضال من أجل استعادة حقوقها، وفق النصوص القانونية الدولية والأممية، فالمقاومة حق مشروع فرديا وجماعيا لا خلاف حوله، لذا لا يصح وصمها أو وصفها بالإرهاب صراحةً أو مواربةً، فهو حق مكفول، بغض النظر عن قدرتنا أو حاجتنا، أو حتى مصلحتنا في استخدامه الآن. كما لا ينقص الاعتراف بحقنا في مقاومة مضطهدينا من حدّة الخلاف الأخلاقي والسياسي حول شكل المقاومة المسلحة وهدفها، وخصوصا بما يتعلق من تستهدف وأين ومتى. إلا أن عباس يتجنب؛ بالحد الأدنى؛ الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في النضال من أجل الحرية والتحرّر واستعادة الحقوق المسلوبة بمختلف أشكال النضال أولاً، ويدّعي ثانيا حق الفلسطينيين بالمقاومة الشعبية، لكنه يعمل بصفته الرسمية، رئيسا لحركة فتح والسلطة الوطنية ومنظمة التحرير، على تقويض أي إمكانية لذلك، بل يعمل أيضا على تقويض قدرات الشعب الفلسطيني، الفردية والجماعية، في التصدّي لاعتداءات الاحتلال العديدة والكثيفة داخل مناطق السلطة الوطنية، كما أثبتت تجارب واقعية قريبة زمنيا.
وثمّة نقطة مهمة، ضرورة التمييز بين تحليل الوضع السياسي الفلسطيني الرسمي وتحديد إمكانياته الراهنة التي ساهم محمود عباس نفسه في إيجادها أو الرضوخ لها، وبين الغرق في وحل الشخصنة السياسية متمثلة بشخص عباس أو غيره من الشخصيات الرسمية الحالية أو المحتمل تبوؤها مستقبلا. إذ نعلم جميعا؛ أو على الأقل غالبيتنا؛ طبيعة السلطة، وقدراتها الواقعية التي تشكلت وفقا لها. هذه الوقائع تؤشر، بكل وضوح، إلى غياب أي ملمح استقلالي، ولو جزئياً، سواء أمنيا أم اقتصاديا أو حتى اجتماعيا، حيث يتحكّم الاحتلال وفق نصوص الاتفاقات الموقعة، بكل شيء، من حركة السلع والبشر داخل مناطق السلطة وخارجها إلى حركة الأموال الداخلة والخارجة، وصولا إلى التحكّم في بنية المؤسسات الأمنية وحجمها وقدراتها وسياستها، وهو ما يفرض على السلطة، وبغض النظر عن شخص رئيسها، حدا أدنى من التنسيق الاقتصادي والاجتماعي والأمني، بل والتعليمي والصحي أيضا، ما يجعل من وقف التنسيق الأمني الكامل،
 وبكل أشكاله، مع الجانب الإسرائيلي، نوعا من الانتحار. ما ينقلنا إلى نقطة أخيرة مكملة للفقرة السابقة، بشأن الخطوات السابقة والممهدة لوقف التنسيق الكامل، إن كان هناك نية حقيقية لتنفيذه، أي إن لم يكن مجرد مناورة إعلامية أو ميدانية وسياسية محدودة زمنيا ومكانيا، بمعنى قد تصدق السلطة؛ ممثلة بشخص رئيسها عباس؛ ظاهريا هذه المرة، نتيجة عوامل عديدة، لكنها لن تصدق عمليا. لذا قد تتوقف كل أشكال التنسيق، أو جزء منها، في بعض مناطق السلطة أو في أحد المجالات أو بجميعها حتى، لكنه توقف مؤقت وغير دائم وغير محكوم بالنجاح في فرض واقع جديد. أي سوف يعود التنسيق مجدّدا، حتى لو لم يسفر عن النتائج التي علق من أجلها، بل وربما من دون الحصول على أي نتائج، وإلا فالانهيار مصير السلطة الحالية الحتمي، بحكم طبيعتها ونتيجة تأثير وقف كل أشكال التنسيق عليها.
وبتلخيص كل ما سبق، يتفق الكاتب، وكثيرون مثله داخل الوطن وخارجه، على ضرورة وقف جميع أشكال التنسيق، بصورة جدية وعملية ومنظمة، وفق خطة فلسطينية معدة لذلك، تعمل على تحميل الاحتلال والمجتمع الدولي مسؤولية استمرار الحياة الطبيعية داخل مناطق السلطة ماليا واقتصاديا، وفي جميع مجالات الحياة الأخرى، سيما بما يخص حركة السلع والبشر. بل وندعو أو يدعو بعضنا إلى ضرورة حل السلطة بوصفها سلطة تحت الاحتلال، وتحويلها إلى سلطة مدنية بلدية تدير شؤون الفلسطينيين اليومية، ويفضل أن يشمل ذلك صلاحياتٍ أمنيةً بسيطةً ومحدودة، تتعلق بضبط الأمان الشخصي، من دون أي دور أمني تجاه الاحتلال وقواته وإفرازاته العديدة على أرض الواقع، خطوة أولى في طي صفحة النهج الرسمي الحالي، المتشبث بحل الدولتين المجحف لنا، وبالتفاوض وسيلة وحيدة، لصالح خيار تحرّري يسعى إلى إقامة دولة فلسطين الديمقراطية الواحدة بالحد الأدنى، دولة مواطنة كاملة لجميع سكانها الحاليين واللاجئين العائدين إليها، عبر اللجوء إلى مختلف أشكال النضال، وفق الحاجة والقدرة والفاعلية، وفي مقدمتها النضال الشعبي.