محمود سعيد أجنحة البدايات المتفرّدة

26 ابريل 2016
الصورة
لوحة لـ محمود سعيد
الكتابة اليوم عن محمود سعيد دعوة ليس فقط للنبش في ذاكرة الفن التشكيلي العربي، بل أيضًا للنظر إلى هذه الذاكرة في خصوبتها وجرأتها، كما في ما رسمته لنا من مستقبل وحدود وانفتاحات. لا أدري لماذا ظللتُ مفتونًا بهذا الفنان الأرستقراطي، ابن القاضي المصري المعروف الذي صار رئيسًا للوزراء في بدايات القرن الماضي. ربما يكمن السبب في تلك الزيارة التي مكنني منها الفنان أحمد نوار حين كان مشرفًا على قطاع الفنون التشكيلية لزيارة متحفه في الإسكندرية.

في تلك الفيلا الفاخرة التي يعود أسلوب معمارها لبدايات القرن 19، كانت دهشتي غامرة ونظري يعانق عالمه الفاتن الساحر، ويتابع تلك الطريقة التي بها صنع ابن مصر في وقت مبكر أسلوبًا ستظلّ معالمه مرتسمة في ذاكرة الفن الحديث بكامله. ليس الأمر بالغريب، فالتكوين الذي حظي به، بالموازاة مع تكوينه الحقوقي في عزّ الحرب العالمية الأولى بباريس كان في مدرستين؛ لا غراند شوميير، وأكاديمية جوليان، سيمر بهما العديد من الفنانين العرب والعالميين في ما بعد.


أوّل ما أثارني في عالم محمود سعيد، طريقته في تصوير الكائنات التي يصادفها أو يبتكرها، هو الذي بدأ برسم إخوته وأقاربه، كما لكي يكون أقرب إلى واقع يعرفه جيدًا بملامحه وحركاته وسكناته. هذه الطريقة تتمثّل في تجميد الشخصية وتحويلها إلى ما يشبه التمثال المتحرك. ثمة فعلًا شيء غريب في عملية تصويره هذه، بحيث إن الفنان يحدد الملامح بخطوطها ومنظوريتها، كما لو كان يمنحنا تأويلًا معاصرًا من جهة للرسوم الفرعونية التي امتلأ بها متخيله صبيًا ويافعًا، وللمنمنات العربية من جهة ثانية ولو بشكل أكثر ضمنية.

في هذه التركيبة تمنحنا تجربة الفنان درسًا تأسيسيًا عابرًا للقرن بكامله. وهو درس يتجاوز الفن الحديث إلى الفن المعاصر. إنه الانغراس في المحلية لبلوغ العالمية، وتحقيق ما سماه عبد الكبير الخطيبي "الهوية التشكيلية"، أي بلورة تأويل مزدوج يتمثل الآخر في صلب الأنا. إنها الثورة الخفية التي تتجلى في الأسلوب الشخصي، الذي لا يتميز فقط بموضوعاته، كالصياد والفلاح المصري ونساء البلد، بل يجاوز ذلك إلى نمط الرؤية التي تتجلى في الصياغة التشكيلية بلعبة الخط واللون والعتمة والنور.


بيد أن فتنتي الكبرى كانت بالأخص في اكتشاف صوره للنساء المجرّدات، في أوضاع لا نحس فيها أبدًا بالطابع الاستشراقي الذي يختلق الجسد الشرقي بمواصفات غربية وبوجوه إغريقية أو رومانية، وفي وضعيات نمطية تكاد تكون مثيرة للضحك. تأمل تلك اللوحات للنساء العاريات، التي ظلت حبيسة المتحف (لا تتداولها حتى الشبكة العنكبوتية التي نعثر فيها بسهولة مثلًا على لوحة"أصل العالم" لكولبير)، يطرح على وعينا التشكيلي التاريخي والجمالي الحالي العديد من الأسئلة. فالجسد العاري كان ممارسة أكاديمية، تلقّى الفنانون المصريون واللبنانيون في بدايات القرن الماضي مبادئها خلال دراستهم في الخارج. وتصوير هذا الجسد لم يكن من أهدافه تجريد الجسد الأنثوي أو الذكوري من اللباس فقط بل دراسة تفاصيل الجسم ومعالمها قصد الإتقان. والموديل الأنثوي العاري ظل متداولًا في بلدان عربية كثيرة في مدارس الفنون الجميلة، غير أن هذا التداول ظلّ محتشمًا، إلى أن تم منع استخدامه في مدارس الفنون الجميلة بمصر في الثمانينيات. وفي لبنان، وبالرغم من أنه ظل بلدًا متسامحًا في هذا المضمار، إلا أن لوحة امرأة عارية عرضها قيصر الجميل سنة 1931 أثارت ضجة وسجالًا كبيرًا. كما أن مصطفى فروخ يحكي عن الصدمة التي عرفتها تربيته المحافظة، في إيطاليا حين وجد نفسه في مواجهة جسد عار يتطلب الرسم.

كثيرًا ما غالى النقاد والمؤرخون في تأويل أعمال محمود سعيد. فنظرًا إلى اهتمامه بالفلاح والإنسان الشعبي المصري، منحها البعض طابعًا موغلًا في "النضالية". والحال أن المتأمل في شخصياته يلاحظ أن الفنان اقتطع شكلها وهيئتها من الواقع ليقدمها في صورة أقرب إلى المرح منها إلى الحزن. وكأننا بالفنان يترجم أحاسيسها في رسمها وتشخيصها. إنها "رومانسية" من نوع خاص، تواري الطابع المأساوي بالطابع المرح وتغرق الواقع في أحاسيس الفنان وتجعل وجدانه الشخصي مصفاة للواقع. من ناحية أخرى، وصفه البعض بالتأثر البالغ بالنهضة الأوروبية وخصائصها في الرسم التشكيلي. والحال أن محمود سعيد، وإن كان لا يخفي في لمساته هذا التأثر، إلا أنه يفصح أيضًا عن تأثره الخفي بالباروكية في تمثلها الغرائبي للشخصية، كما عن تأثره بالبنائية الروسية والمستقبلية الإيطالية. هذا ما نلمسه في بعض اللوحات كلوحة "الفتاة ذات الجدائل الذهبية" حيث يبدو حجم الفتاة أكبر من المقاييس المعتادة في الفن الأكاديمي. ويلاحظ المتأمل لتلك اللوحة الطابع التجديدي الشخصي للفنان، سواء في شعرها ووجهها وذراعيها التي تتخذ أشكالًا أسطوانية تذكّر بفن ماليفيتش في تصويره العمال والفلاحين.


في لوحات أخرى سوف نلاحظ كيف أن الفنان ينزاح عن الدقة الأكاديمية، كما عن الواقعية بمعانيها الاجتماعية. فاختياره لموضوعاته يركّز فيه على الجوانب الهامشية كالنزهات والاحتفالات الدينية التقليدية، مديرًا الظهر لأي شكل من أشكال الالتزام المعروفة حينها. بيد أن هذا التركيز منح لفنه مسحة محلية أضفت على أعماله طابعًا ضبابيًا يليق بالفنانين الذين لا ينصاعون لبساطة التقاط الواقع ولإيديولوجيا التصوير التشكيلي التي كانت سائدة وقتذاك.
من بين فناني تلك المرحلة، كمحمود مختار ومحمد ناجي وغيرهما في ما بعد كيوسف كامل وكامل التلمساني وغيرهما، يظل محمود سعيد فنان المفارقات المنفلت من كل المعايير التاريخية الجاهزة التي يمكن أن نطبقها عليه. إنه فنان حديث بأسلوبه الشخصي وبتناوله للألوان، وبسعيه الدؤوب للخروج عن المألوف في الصياغة التشكيلية، وفنان أكاديمي أيضًا في تمثله الكبير لتقنيات تاريخ الفن.

ومع أن المرحلة الأخيرة لمحمود سعيد عرفت بتركيزه على البورتريهات، وبدت خافتة مقارنة مع مغامرته التشكيلية في بدايات القرن الماضي، إلا أن تجربته تظلّ تعبيرًا عن تذبذب النهضة التشكيلية العربية وقلقها الجارف ومغامرتها المكبوتة، وفي الآن نفسه قوتها في منح التشكيل العربي منطلقًا وأفقًا لا يزال يشتغل في ظاهره وباطنه لحد اليوم.
تعليق: