محمود المسعدي في الدوحة

15 أكتوبر 2019
الصورة
سُئل الكاتب والأديب، والوزير، والفيلسوف، التونسي، محمود المسعدي (1911 – 2004)، في مقابلةٍ معه، نشرتها مجلة الندوة التونسية في فبراير/ شباط 1956، عن رأيه في إنكار "إخواننا الشرقيين" (العرب المشارقة) وجود القصة في المغرب العربي، باستثناء قصصه (المسعدي)، فأجاب إن "إخواننا الشرقيين" معذورون في حكمهم، "لأن إنتاجنا في القصة أو غير القصة قليل، ولأنهم يجهلون الكثير عن ذاك القليل. ولا أرى في ذلك علينا الآن من ضير، ولا يسوّغ لنا استنكارَه ما دام أدبنا لم يفرض بنفسه وجوده ومعرفته على الناس في الشرق وغير الشرق"... طُرح السؤال وأجيب عليه لمّا كانت معرفة أهل المشرق العربي بمنتوجات أهل المغرب العربي الأدبي شحيحةً، لأسبابٍ غير قليلة، فيما معرفتهم كبيرةٌ هناك في الجناح الغربي من الوطن العربي بكثير من منتوجات مصر والشام. ومعلومٌ أن القاهرة، في ذلك الزمن، كانت العاصمة العربية التي يتم فيها نوعٌ من الاعتراف بمكانة الكاتب العربي غير المصري. ولعل تقريظ طه حسين المبكّر، في محاضرة له في تونس عام 1957، وربما قبلها، برواية محمود المسعدي "السد" ولغتها (قال إنه قرأها ثلاث مرات)، كان له أثره في إشاعة اسم هذا الكاتب التونسي الرفيع في المشرق العربي، في ذلك الزمن. 
ما عاد الأمر على ذلك الحال، ليس فقط للجدارة الثقيلة التي اتّصفت بها إبداعات كتّاب المغرب العربي وفنونهم، ولا لتهشّم مقولة المركز والأطراف، وإنما أيضا وأيضا للتطوّر المهول الذي أحدثته وسائط التواصل بين جناحي العرب، مشرقهم ومغربهم، وكذلك لأن أوهام الفوقية المشرقية ما عاد أحد يقبِضها. ولكن، على الرغم من انتفاء الأسباب راهنا، والتي كانت وراء ذيوع تقسيم أدباء العرب وكتّابهم ومفكّريهم إلى مشارقةٍ ومغاربة، بفعل متغيراتٍ عديدة، إلا أن المناسبات والتظاهرات والاحتفاليات، في مصر والشام والخليج، عن إبداعاتٍ أدبيةٍ وفنيةٍ وإسهامات فكرية من تونس والجزائر والمغرب وليبيا وموريتانيا، ما زالت أقلّ من اللازم، وتحتاج إلى جهد أكثر إجادةً وإحاطةً وتنويعا. ولذلك، يجوز القول هنا إن تعيين الدورة الخامسة لجائزة كتارا للرواية العربية (تختتم اليوم الثلاثاء) محمود المسعدي شخصية العام (بعد نجيب محفوظ والطيب صالح وغسّان كنفاني في الدورات السابقة) فعلٌ نادر المثال، واستثناءٌ يستحق تنويها خاصا به، سيما وأن هذه المبادرة تجاوزت التسمية إلى تنظيم معرضٍ يوثّق مسيرة الكاتب الكبير، ويعرّف بجهودِه في غير شأن، مع عرض فيلم وثائقي عنه، وعقد ندوةٍ عن "الكتابة المختلفة في أدب محمود المسعدي.. بين تعدّد المرجعيات وتفاعل الأجناس"، ساهم فيها أحد أهم الباحثين في أدب الكاتب المعروف، وهو الناقد والأكاديمي، محمود طرشونة، وزميله الأكاديمي خالد القريبي.
ولصاحب هذه الكلمات أن يضيف بعدا آخر في أهمية انتباهة القائمين على جائزة كتارا للرواية العربية هذه، وهو أن هذا المثقف الرائد في تونس لم يكن منتج أدب وكاتب نصوص في القص والدرس الأدبي والتأمل الفكري وحسب، بل ظل فاعلا ميدانيا، يحقق مفهوم المثقف العضوي حقا، وصاحب منجز في التنمية الثقافية في بلده، وفي نهوض التعليم فيها، عندما زاوج بين اشتغاله كاتبا ومناضلا في شبابه من أجل استقلال تونس، لمّا انتمى إلى الحزب الحر الدستوري، وانتسب إلى الاتحاد العام التونسي للشغل، وكان ناشطا نقابيا بارزا، ثم شارك في عضوية الوفد التونسي في مفاوضات الاستقلال مع فرنسا في 1955، حتى إذا أحرز بلدُه الاستقلال، تولّى وزارة التربية القومية عام 1958، واستمر في مسؤوليته هذه عشر سنوات، كان له في غضونها دورُه في ترسيخ الجامعة التونسية، ومجّانية التعليم وإصلاح المنظومة التربوية.
وبمناسبة هذا التكريم النادر في الدوحة من نوعه عربيا لعلم مغاربي، يحسُن أن ينكتب أيضا أن الاحتفال بالمسعدي هو، في أحد وجوهه، احتفالٌ بالنموذج الذي يمثّله هذا الرجل، خرّيج جامعة السوربون، مدافعا جسورا عن اللغة العربية وتنزيلها سليمةً مشرقةً في الحياة اليومية للمواطن التونسي. كما أنه صاحب نظراتٍ في عروبة تونس، والنأي بها عن التغريب. وأفكارُه في الأدب ووظيفته، كما نشرَها في مقالاتٍ عديدة، من المفيد جدا أن يُضاء عليها أكثر وأكثر. كما من المهم أن يعرَّف ما كانه المسعدي إبّان توليه وزارة الثقافة (1973 – 1976)، عندما أفرد لحضور بلده في خريطة الإسهام الثقافي والفني جهدا وفيرا، وإبّان رئاسته مجلس النواب لاحقا (1981- 1987). ولتكن بادرة "كتارا"، إذن، مناسبةً متجدّدةً لتعريفٍ أوفى في غير بلد عربي بمحمود المسعدي، كاتبا ونهضويا.. وفيلسوفا وجوديا أيضا.