محمد ناوي.. أكثر مما يصرّح به اللسان

09 ابريل 2019
الصورة
(غرافيتي للفنان المغربي روكو في نيويورك)
+ الخط -

تماماً مثل الكلمات، لإشارات اليَد معانٍ تَحكمها قواعد لا تقلُّ صرامةً عن تلك التي تضبط تأليف الألفاظ وما تَعقده من العلاقات. وهي حمَّالة أوجهٍ، مُضلّلةٌ دلالاتُها أو صادقة، وقد يتولَّد منها ما لا تقوله الخطابات أو يَعجز عن تبليغه حِسان الأحاديث الواضحات. ويتفاعل نظام الحركات الجسدية مع قيم الدين ومُثُل الأخلاق ومع صراع الساسة وتلاعب الزعماء، فبعضها جائزٌ محمود، وبعضها من محظور الفعل لا يَحِلُّ. منها ما يؤتمنُ في نَقل خلجات القلب، ومنها مُصطَنع ماكر، فلا يركن إليه.

ولعلَّ هيمنَة المشهدية وسلطان الشاشات جعلا من الحركة، وطبيعتها مرئيّة أساساً، أكثر حضوراً في عالم اليوم وأنهض بالدلالة من قريناتها الكلمات. فهي من التنوّع والغموض بحيث تفرّغ لها الدارسون، يَجمعونها ويصنّفونها ويستقرئون معانيها بحسب المُرسِل والمُتَلقي.

ومن آخر ما صدر في هذا الشأن، كتابُ "لساني على يَدي" (2019، ليبرينوفا، فرنسا) للباحث المغربي محمد ناوي (1957). وفيه يَعرض نتائج استماراتٍ أنجزها مع تسعةٍ وسبعين فرداً من أصولٍ مغاربية، من الجيل الأول والثاني بين سكان منطقة اللورين، شمال شرقي فرنسا. ومن شهاداتهم جمع ثمانين إشارة مما تقوم به اليد والأصابع والذقن، هي متنُ بَحثه عالجها بِحسب الوظائف والتأويلات.

أوّل ما يلفت النظر في هذا الكتاب عنوانه المُثَلث: فبالفرنسية سمَّاه ناوي ما يمكن ترجَمتُه بـ"أن ترسل إشاراتٍ هو أن تقولَ أشياء"، للتأكيد على أنّ الإشارة ليست من أعمال الجسد التلقائية وحركاته الإرادية، بل هي قناة تواصل تبلّغ المخاطَبَ رسائل، قيمتها تضارع ما يُفهم من الكلمات. ثم أردفه بعنوانٍ فرعيّ، يصف المُدوّنة التي اشتغل عليها: "ثَبْتٌ للإشارات ذاتية-الدلالة التي تنجزها اليَدُ، بحسب المغاربة القاطنين في منطقة اللورين الفرنسية".

فالحَركات المجمَّعَة هنا ليست نتاج تركيم عشوائيّ، وإنما سليلة "مِنهاج المُدوّنَة" المحصورة زماناً ومكاناً، وهي من مناهج الألسنية. وهذا كفيلٌ بإضفاء طابَع العِلمية على الاستقصاء والتحليل وتخفيف حدة التعميم والذاتية. وأضاف الباحث أخيراً عنواناً عربياً، "لساني على يدي"، في كناية رائقة تشير إلى أنَّ البَيان منوطٌ باليد إناطته باللسان. ولله درّ الجاحظ حين كتب: "أما الإشارة فَباليد وبالرأس، وبالعَين، والحاجب، والمنكب، إذا تباعد الشخصان، وبالثوب وبالسيف. والإشارة واللفظ شريكان، ونِعمَ العون هي له، ونعم الترجمان هي عنه، وما أكثر ما تنوب عن اللفظ وما تغني عن الخط".

وقد قسَّم الباحث كتابَه إلى ثمانية فصولٍ، استعرض في أولها الحيثيات المنهجية لعمله من حيث هو بحثٌ ميدانيٌّ أجرِي على ثمانين نفراً، مناصفةً بين الإناث والذكور، حَسب الخطوات التالية: تُعرض وثيقة مرئية تمثّل حركةً ما، ثم يقوم الفرد المستجوب بتقليدها وإكمالها وتصحيحها وإعطاء المعنى الذي يفهمه منها. وقد تُركوا أحراراً في تقديم أيّ معنًى يريدونه وربطه بأي سياقٍ تواصلي.

ثمّ جُمعت كلّ الإجابات ضمن ثَبتٍ ينقسم بدوره إلى سبعة أبوابٍ. فمن خلالها عالج أشكال التحية باليد والفم وجلها يتمّ عبر المصافحة والتقبيل. وتطرّق بعدها إلى رمزية أصابع اليد الخمس، وما يؤديه كل واحدٍ من الوظائف في التواصل، مع استحضار الشروح اللغوية التي ذكرها ابن مَنظور في "اللسان". وخصّص الباب الموالي لاستخدام اليد في الشعائر الدينية كالتسبيح والدعاء والأذان وطقوس الصلاة.

من أمتع الأبواب ذاك المُخصّص للتقييم أي للتعبير عن المواقف الوجدانية كالرفض والقبول والحزن والفرح والخجل وغيرها. وفيه فقراتٌ حول دور الأصابع في الاستدلال مع أنّ الإقناع والاقتناع كليهما، وهما من أنشطة العقول، يُبنَيان بتسلسل النتائج عن المقدمات لا برسوم الإيماءات. ودرس ناوي بعد ذلك سائرَ الدلالات التي تُضاف إلى الذقن، وهو من أعضاء الوجه منسيٌّ مَغمور مع أنّ دورَه في إيصال المعنى ثابتٌ مَشهور. وخُتم الكتابُ بفصل عن الثياب والزينة، استعاد الدلالات الأنثروبولوجية التي تُسند إلى الحجاب والنقاب والنصوص الدينيّة المعتمدة لفرضهما في بدايات الإسلام.

وهكذا، تُظهر متابعة هذه الفصول أنّ الإشارة وهي أساس التواصل غير الكلامي (non-verbal) تشمل من حقول المعرفة حقلاً لم يُستكشف بعدُ بالقدر الكافي. وقد يَصير مدخلاً جوهرياً، إذا طُعّم بأنثروبولوجيا الأديان وعلوم الاجتماع والنفس وحتى بالفيزيولوجيا والأحياء، يُساعد على تعرية التلاعب الذي يتفنن فيه أصحاب السلطة من خلال الحركات والإيماءات والسكنات. إذ تقع الإشارات في مفترق طرقٍ بين الدين والسياسة والاجتماع، وكلها محكومة بقواعد وشفراتٍ تتطلب مجهوداً أكبر لتحليلها والتنظير لها.

لا تكمن جِدة هذا العمل في تجميع الإشارات وتصنيفها بل في المنهج المعتمد، فقد استقى الباحث مادته من عمل ميداني محضٍ، ساءل خلاله عشرات الأفراد عن الكيفية التي يفهمون بها تلك الإشارات ويؤوّلونها، بعد أن يعرض عليهم وثيقة تَضع الحَركة في سياق تواصليٍّ ما.

ويؤكد الباحث أنه لا يقدّم شروحَه الذاتية لهذه الحركات، بل التأويلات والتصوّرات والأحاسيس التي صاغها المستجوبون. ومما عقّد هذا العَمل أنه أجرى الاستبيانات ضمن إطار أجنبي (فرنسي)، وليس ضمن الإطار الثقافي الأصلي (العربي). ولا يكتفي ناوي بعرض باردٍ للإجابات، بل يجتهد في ربطها بالذاكرة الجماعية وتعليلها بنصوص اللغة وتعاليم الإسلام وتوظيف السياسة وحتى بمكنز الأساطير والخرافات، مما يجعل العديد من فقرات الكتاب أقرب إلى الوصف الإثنوغرافي.

هذا وقد رسم ناوي عدة أهداف لهذا الكتاب. فهو يأمل في فتح آفاقٍ جديدة في دراسة السلوك الحركي والتواصل غير اللفظي للمغاربة المقيمين بديار المهجر، وإنجاز ثبت كاملٍ لها يُمَكِّن من درس دلالاته ووظائفه بشكلٍ نسقي. كما يهدف- ولذلك كتب البحثُ بالفرنسية- إلى تعريف جمهور غير عربي بهذه الحركات ومعانيها، وهي بطبيعتها ثقافية، سعياً إلى تَبسيط قواعد التفاعل عبرَ لغة الجسد وتجنيب القرّاء الوقوع في أخطاء اجتماعية تواصلية.

نظريات لغة الجسد من مُستحدثات حقول السيميولوجيا أو علم العلامات. وهي من الحقول التي لا تفتر عن التوسع ولا سيما في تحليل الخطابات السياسية المعاصرة التي باتت تُعالج على ضوء ما يقوله الجسد أكثر مما يصرّح به اللسان، وخصوصاً حين يتعارض منهما الخِطابان ويناقض مدلول الحَركات فحوى الكلمات.

وربما سيكون هذا العمل بدايةً لإنجاز موسوعة كبرى تضم بين دفتيها كل الإشارات الجسدية ودلالاتها في العالَم العربي، بين فوارق المشرق والمغرب وتدرس الدلالات التي تسندها مجتمعاتنا المتنوعة لكل إشارة. وهو ما يعني أنّ هذه المباحث لا تزال في أول الطريق. ولا ضير من ربط الدرس العلامي العربي بمضامين الثقافة الدينية والسياسية والاجتماعية فهي التي تعطي لكلّ إشارة مَداها وتحدد لها مَجال ظهورها أو اختَفائها.

المساهمون