محمد مرسي.. جريمة مؤجّلة

19 يونيو 2019
الصورة
لا نعلم يقيناً لماذا لم يقتل عسكر مصر محمد مرسي فور الانقلاب عليه في 3 يوليو/ تموز 2013، أو تنفيذاَ لحكمٍ بالإعدام صدر بالفعل في حقه خلال إحدى جلسات المجازر القضائية في "المحروسة". هل تحاشوا قتله درءاً لانتفاضة ــ ثورة من مريديه؟ أم تفادوا ذلك لمزيد من إيهام العالم بأن في مصر ــ السيسي عدالة وقضاء ومحاكم ومؤسسات "طبيعية"؟ لكن لا أنصارُ مرسي الناجون من القتل والسجن والنفي قادرون على الحركة، وعلى التنفس منذ مجزرة رابعة وما تلاها من ملاحقةٍ فاشيةٍ لكل ما يتعلق بـ"الاخوان المسلمين" خصوصاً، والمعارضين للانقلاب عموماً، على ما تكشفه لنا سنوات الظلمة الستة الماضية، ولا المجتمع الدولي المنافق يطلب من حاكم بلدٍ مثل مصر يعيش فيه مائة مليون شخص، أكثر من ضبط الأمن وحماية إسرائيل ومنع حركة هجرة الفقراء من الشرق إلى الغرب. وبعد ذلك، فليأت طوفان القتل والتنكيل والقمع على بشر يختصرهم العقل الحاكم في أميركا وأوروبا بأنهم "شعوبٌ فائضة عن الحاجة"، بتعبير المصري الآخر الراحل، سمير أمين.

إذاً، لماذا لم يقتل عبد الفتاح السيسي ورَبعه محمد مرسي منذ سنوات؟ أغلب الظن أنهم أدركوا أنه كان ليرتاح لو قتلوه "مباشرة"، إعداماً بحكم "قضائي" أو برصاصة "مجهولة" المصدر في رأسه لحظة القبض عليه. ولكن كلا، كان المطلوب تعذيب الرجل، ليكون عبرة تدفن أي احتمال لتكرار تجربة ديمقراطية في مهدها: تعذيب ممنهج بمنع الدواء عن داء السكري المصاب به. وتعذيب جسدي تعرّض له، ولطالما حاول إبلاغ القضاة به (وكأنهم لا يعرفون!). وتعذيب بالسجن الانفرادي سنوات خمس، وبحرمانٍ من زيارة الأطباء والعائلة والأصدقاء، وبقطع أي صلةٍ مع العالم الخارجي. كذلك، ربما، أن جنرالات الانقلاب لم يقتلوه مباشرة لضرب رمزية الرئيس المنتخَب، أي للقول، لمن يفكر بإعادة تجربة الثورة، إن مصيره سيكون مشابهاً لصاحب زيّ السجناء البرتقالي المرمي وراء القضبان، يستمتع قاضٍ جاهل وعنصر أمنٍ لئيم بإهانته وإسكاته ونهره واقتياده من محكمةٍ إلى زنزانة فمحكمة.. هو تعذيبٌ وقهر، كان القتل المباشر سيريحان مرسي منهما، ولربما، فقط، ربما، لولا الالتزام الديني للرجل، لكان وجد طريقة للانتحار في زنزانته.

محمد مرسي من بين شخصياتٍ قد لا تأسرك بكاريزما، ولا تتفق معها في السياسة، وفي نظرتها إلى العالم، وفي الوقت نفسه، لا تشعر بالقدرة إلا على احترام خياراتها وتمسّكها بما تؤمن هي به، لا أنت. كان سياسياً عقائدياً، ضحّى بمسيرةٍ أكاديميةٍ ومهنيةٍ في الهندسة. يقول العارفون إنها كانت ناجحةً جداً في جامعات أميركا، ليعود إلى مصر عام 1986 ويناضل في الأطر السياسية والمهنية والنيابية التابعة لتنظيمه، من أجل تغيير الحال البائس لمصر التي كانت تجمع برأيه كل أسباب النضال لإزالة ما يراه عفن الناصرية والساداتية، في النظام السياسي المصري الداخلي، وفي العلاقات الخارجية للقاهرة.

لا ندرك تماماً مقدار الهم الديمقراطي الذي حرّك نضال مرسي وعمله السياسي قبل ثورة يناير، لكننا نعرف تماماً، وهذا هو الأهم، أنه ارتضى وجماعته بقواعد الديمقراطية، وخاض انتخاباتٍ يسود إجماعٌ على أنها كانت الوحيدة النزيهة، والتي يليق بها تعبير انتخاباتٍ في تاريخ مصر. وضعته "المصادفة" في خانة المرشح الرئاسي الاضطراري بدل خيرت الشاطر الممنوع باكراً من سلطات العسكر حتى قبل إنجازها انقلاب 3 يوليو، فحل مكانه وأطاح مرشح الدولة العميقة أحمد شفيق. في ذلك أيضاً كان "مناضلاً"، لعلمه (حسب ما نفترض) صعوبة مهمة أول رئيسٍ ينتخب حقاً بعد ثورةٍ كتلك المصرية في وجه دولةٍ عميقة، تبيّن أن مرسي نفسه لم يقدّر جيداً مدى تربّصها به وبزملائه، وبكل ما يمت إلى الثورة بصلة.

عُرف عن فتحي الشقاقي قوله "عشتُ أكثر مما كنت أتوقع، فلم أكن أتوقع أن أعيش أكثر من أربعين عاماً". لو قُدّر لمرسي أن يدلي بشهادةٍ ذاتيةٍ عن سيرته، لربما كان قال: عشت أكثر مما كنت أتوقع، فلم أكن أتوقع أن أعيش بعد مجزرة رابعة.