محمد محجوب: كيف تُكتب السيرة الفلسفية

28 ابريل 2019
الصورة
(محمد محجوب)
+ الخط -
إذا كانت السيرة الذاتية مبحثاً أساسياً في الدراسات الأدبية اليوم، فإن حالها ليس كذلك في الفسلفة، حيث تقدَّم نصوص الفلاسفة السِيَرية غالباً ضمن الهامشي من مؤلفاتهم، غير أنها يمكن أن تثير الكثير من الإشكاليات الفكرية التي تتجاوز حدود المباحث الفلسفية المعتادة.

ضمن تكريم أعدّه طلبته السابقون، وقد أصبحوا اليوم أساتذة فلسفة، ألقى المفكّر التونسي محمد محجوب، الخميس الماضي، محاضرة بعنوان "استئناف السيرة الفلسفية" في "كلية الآداب والعلوم الإنسانية" بالقيروان.

انطلق صاحب "المدينة والخيال" من ملاحظة مفادها أنه وعلى الرغم من أن القول الفلسفي يتنافى عادة مع السردية الذاتية إلا أن تاريخ الفلسفة ليس شحيحاً بالسير الذاتية، حيث إن مؤلفات عديدة للفلاسفة قامت على ضروب من الكتابة السيرية.

يفرّق محجوب بين أنواع من السيرة الذاتية الفلسفية، كما يفعل منظّرو الأدب حين يصنّفون النصوص في أجناس وأجناس فرعية. النوع الأول من السيرة الذاتية الفسلفية الذي يقف عنده المفكّر التونسي هو "السيرة التبريرية" حين يعود الفيلسوفُ إلى مساره الفكري من أجل إضفاء المشروعية على ما انتهى إليه، ومن ذلك ما نجده في رسائل أفلاطون حين فسّر فيها أسباب انشغاله بالفلسفة السياسية.

أما النمط الثاني من الكتابة السيرية الفلسفية، فهو ما يطلق عليه اسم "السيرة الذاتية التأصيلية" والتي تعود إلى السؤال الذي انطلق منه المفكّر في شبابه، وهو نمط يشير محجوب إلى أنه يكون غرضُه عادةً "إعادة بناء فكر الفيلسوف وكأنه قدرٌ" ويضرب مثلاً بنصوصٍ لهيدغر.

كما يقف المحاضر على نوع ثالث سمّاه بـ"النمط المعياري"، ويتخذ له مثالاً عملاً للرازي بعنوان "رسالة السيرة الفلسفية" وفيه يُظهر الكاتبُ المعيارَ الذي قامت عليه مسيرته الفكرية، ويرى محجوب هنا أن الرازي جعل من سقراط معياراً، وهو بالمناسبة المعيار الأبرز في كتابات الفلاسفة على مر العصور.

يؤكّد صاحب "هيدغر ومشكل الميتافيزيقا" أن هذا التقسيم ليس سوى "تقسيم ممكن"، وأنه قد طرُح كي يكون منطلقاً نحو بناء إجابة على سؤال: كيف تُكتب السيرة الفسلفية؟ ويرى أنه من الضروري الانتباه اليوم إلى متغيّرات عدّة، ومنها أن الفلسفة لا يمكنها أن تبني خطاباً كالذي قدّمه سقراط، حيث إن خطابها اليوم مجبر على أن يأخذ بعين الاعتبار أن "الفلسفة باتت تتحاور مع متعلّم، غالباً داخل أسوار الجامعة". كما ينبّه من جهة أخرى إلى "تشظّي موضوع الدراسة الفلسفية".

هذه الانتقالات، هي بحسب محجوب، جزء من تركيبة المجتمعات الحديثة التي لم تعد قائمة على التماهي، و"كثرت فيها مصادر الهوية" بحسب تعبيره. ينبّه المحاضر إلى أن مصادر الهوية هذه لم تعد حكراً على الفلسفة ونصوصها حتى داخل البحث الفسلفي، بل تفرّق دمها في مجالات أخرى منها تاريخ الأدب وسير العلماء والمعمار وغيرها من النصوص غير التقليدية في الفلسفة.

يفرض هذا الوضع نفسه على أهل الفسلفة، حيث أنه "لا يمكن للمتفلسف اليوم أن يجهل الفن والسياسة وغير ذلك من المجالات". وانطلاقاً من هذه الفكرة، يعتبر محجوب أنه "لم يعد ممكناً اليوم أن نشترط في البحث الفلسفي أن يعتمد على النصوص الفلسفية حصراً، فنصوص الشعر والتصميمات المعمارية وغير ذلك من أجناس الكتابة والإبداع قد فرضت نفسها على الدرس الفسلفي"، وهو ما يوجزه بالقول: "لم يعد الوقت يسمح بنقاوة العنصر الفلسفي".

من هنا يجيب على موضوع محاضرته، حيث يقول: "استئناف كتابة السيرة الفلسفية يجعل من الضروري أن نوسّع مجال الفلسفة". ويضيف: "لا بدّ من البحث في الرُكامات والترسبات التي في مختلف الميادين كي نستطيع أن نقول من نحن".

المساهمون