محمد كرد علي.. رحلة صحافي إلى جنوبي لبنان عام 1911

02 نوفمبر 2019
الصورة
(قلعة الشقيف جنوبي لبنان)

ضمن رحلته الكبرى التي زار فيها أقاليم سورية العثمانية، قام المؤرخ والصحافي البارز محمد كرد علي في نيسان/ إبريل، عام 1911 بزيارة لجنوبي لبنان الحالي، وكتب عن أحواله شهادة نادرة، تطرق فيها إلى أحواله السكانية والعمرانية والثقافية.

ومحمد بن عبد الرزاق بن محمد كرد علي، واحد من أهم رواد النهضة الثقافية العربية في دمشق، ولد في عام 1876 لأب كردي وأم شركسية، وحصل على تعليم ممتاز في أهم مدارس دمشق، وعمِل كاتباً في سنّ السابعة عشرة في قلم الأمور الأجنبية، حيث كان يُجِيد الفرنسية والتركية.

كما عمل في تحرير جريدة سورية الحكومية عام 1897 لمدة ثلاث سنوات، وكان كذلك يُرسِل مقالاته إلى جريدة "المُقتطف" الشهيرة، فوصلَتْ شهرتُه إلى مصر التي سافر إليها عام 1901 حيث تولَّى رئاسةَ تحرير جريدة "الرائد المصري"، ولكنه عاد بعد عدة شهور إلى دمشق فراراً من وباء الطاعون الذي انتشر في مصر آنَذاك، ثم عاد إلى مصرَ عامَ 1906 ليُنشِئَ مجلة "المقتبس" الشهرية، حيث نشر فيها البحوثَ العِلْمية والأدبية والتاريخية بجانب تحريره جريدةَ "الظاهر" اليومية، كذلك عمل أيضاً بجريدة "المؤيد".

ألَّفَ كرد علي العديد من الكتب، «أهمها خطط الشام»، وترجَمَ بعض الكتب عن الفرنسية، مثل كتاب "تاريخ الحضارة"، ووضع كتاباً عن مشاهَداته في فرنسا سمَّاه «غرائب الغرب». تولى كرد علي وزارة المعارف في بعض الحكومات السورية، وأنشأ أولَ مَجمَعٍ للغة العربية في دمشق عامَ 1919، وظلّ رئيساً له حتى وفاته في عام 1953، ودُفِن في دمشق بجوار قبر معاوية بن أبي سفيان.


جبل عامل

يقول كرد علي إنه لم يجد تحديداً صحيحاً في كتب العرب لجبل عامل، فبعضه مسمى اليوم باسم بلاد بشارة أو بلاد الشقيف أو بلاد المتاولة، ولكنه يستند إلى تحديد الجغرافي الشهير أبو الفداء لجبل عاملة بأنه "ممتد في شرقي الساحل وجنوبيّه حتى يقرب من صور وعليه الشقيف الذي استرجعه الملك الظاهر بيبرس من أيدي الإفرنج، وكانت رعاياه في حكم الإفرنج وفي شرقيه وجنوبيه جبل عوف عجلون".

ويضيف: "والأصح أن بلاد الشقيف من مقاطعات جبل عامل الثلاث وهي بلاد الشقيف وبلاد بشارة وإقليما الشحار والتفاح ويسمى جبل عامل أو عاملة... وهو البلاد الواقعة في نواحي قلعة الشقيف سمي بعاملة القضاعية وهي أم الحارث بن عدي التي تنتسب قبيلته إليها نزلوا الشام مع بني جذام ولخم وغسان. وشقيف تيرون هي المعروفة اليوم بقرية نيحا على حدود جزين من أعمال لبنان وفي شقيف أرنون أو أرنولد نسبة لأرنولد من ملوك الصليبيين شيء من أبنية الصليبيين. والغالب أن هذين الشقيفين كان يسمى أحدهما بالشقيف الكبير، وهي شقيف أرنون، وكان له بر وله والٍ كما كان لغيره من البلاد المشهورة، قال ياقوت: الشقيف كالكهف أضيف إلى أرنون اسم رجل إما رومي وإما فرنجي وهو قلعة حصينة جداً في كهف من الجبل قرب بانياس من أرض دمشق، وبينها وبين الساحل وشقيف تيرون، وهو أيضاً حصن وثيق بالقرب من صور".

ويتابع في سرد تقسيمات هذه المنطقة الحيوية من بلاد الشام: "وتقسم بلاد بشارة إلى قسمين بشارة الشمالية ونهايتها في الشمال نهر الأولي ويفصلها عن الجنوبية نهر الليطاني وبشارة الجنوبية ونهايتها في الجنوب نهر القرن وكانت بلاد بشارة عامة تقسم إلى ثماني مقاطعات أربع في بشارة الجنوبية وهي تبنين وهونين وقانا ومعركة ويتألف منها الآن قضاء صور وقضاء مرجعيون وثلاث في بشارة الشمالية وهي الشقيف والشومر والتفاح المعروفة الآن بناحية جباع ويتألف من الثلاث الآن قضاء صيدا والثامنة مقاطعة جزين الداخلة في قضائها من جبل لبنان". ويشرح سبب تسميته بسبب نزول بني عاملة فيه كما نزل الغسانيون في حوران ودمشق، والمناذرة في العراق، قبل الإسلام.

ويؤكد كرد علي أن حاضرة هذا الإقليم كانت تبنين بادئ بدءٍ وهونين وقلعة الشقيف، ثم تراجع عمرانها بما سطا عليها من المحن والإحن وكوائن الزمن، ويقول إن جباع خلفتها. ويرى كرد علي أن النبطية اليوم (1911) "أكبر بلد في الجبل وهي قاعدة البلاد الوسطى سكانها نحو خمسة آلاف نسمة، والمدينة الثانية بنت جبيل فيها نحو هذا القدر من السكان وهي على ثماني ساعات من النبطية وثلاث ساعات من صفد، والثالثة جوبة في قضاء صور".

ويقدر كرد علي عدد قرى جبل عامل بنحو 300 قرية، ففي قضاء صور 127 قرية وفي قضاء صيدا 147، وفي قضاء مرج عيون 54، فإذا حذفنا بعض القرى التي لا تدخل في عامل ولا سيما قرى المرج والحولة كانت قرى الجبل كما قلنا وهي نحو ثلث قرى جبل لبنان كما أن أهله نحو ربعهم ولكن أين لبنان بعمرانه من عامل.

كان خط رحلة كرد علي قد انطلق من دمشق إلى سفح جبل الشيخ الشرقي، وصولاً إلى الجولان، ومن مدينة بانياس الجولانية سار إلى النبطية مدة سبع ساعات في جبال شاهقة وعرة، ولكنها مكللة بالخضرة نضرة للغاية، وقال: "قطعنا الجسر الممتد في مصف الطريق على نهر الليطاني الذي ينبع من أرض كرك نوح في البقاع ثم تصب إليه أعين وأنهار وهو يمتد من ذيل جبل لبنان حتى يمرّ بجبال مشغرا وتمده منها أعين كثيرة ثم يمرّ بالجرمق ثم بالشقيف ثم يعظم هناك ويمر فينصب في البحر الرومي قرب صور وعلى نحو ساعة ونصف من صور يمر بمدفن اسمه النبي قاسم فيسمى القاسمية وهو من أعظم أنهار الشام ولا سيما في الشتاء والربيع".

ويقول حول نهر القاسمية: "قد كان فكر بعضهم أن يجره إلى وادي الزبداني ليضمه إلى مياه نهر بردى والفيجة فيسقي دمشق وغوطتها وبلاد مرج الصفر منها، ولكن ثبت له أن مجراه أسفل من دمشق فلا يركبها وكذلك يحاول أهل النبطية أن يجلبوا منه قسماً ببعض الآلات الرافعة يجعلون ماءه في أنابيب من حديد لتدخل بلدهم في طور المدن من حيث استسقاء الماء على نحو ما فعلت بيروت ودمشق وصيدا".

وهو يكلف بضعة عشر ألف ليرة وكأني بهم وهم فاعلون.. وكذلك يفكر جماعة من مهندسي الإفرنج في تحويل مجراه قبيل مصبه بساعتين ليسقوا بمائه الأراضي المستطيلة على شاطئ البحر بين أقصى حدود جبل عامل وأرض صور من جهة صيدا ولو فعلوا لأتى عملهم بفوائد مادية لهم وللبلاد ولما ذهبت تلك المياه بدون فائدة وغدا الساحل من صور إلى صيدا والمسافة بينهما أربع ساعات في المركبة كحدائق دمشق بأشجاره ومزروعاته الصيفية".


المهاجرون في الجبل

ويقدر كرد علي عدد المهاجرين من عامل بخمسة عشر ألف مهاجر باستثناء من "قصدوا مدينة بيروت وغيرها من شبانه فاشتغلوا في الحمولة وطلاء الأحذية وغيرها من المهن الشاقة الرابحة ولا يقلّ عددهم فيما أحسب عن نصف هذا القدر فيكون بذلك قد فارق الجبل من أبنائه نحو السبع إذا فرضنا أن سكانه مائة وثلاثون ألفاً على ما قدره بعض العارفين ومع هذا فلا نجد انحطاطاً في زراعته ومن أهم غلاتهم الدخان التوتون يزرعونه في الصيف بعلاً فيجود من وراء الغاية كجودته في جبال اللجام الكلبية والتربة حمراء على الأكثر ويزرعون المزروعات الصيفية كالبقول وبعض الخضر فتنمو كلها بدون سقيا نمواً مدهشاً وزراعتهم الشتوية أحسن من كثير من الأراضي الجبلية في سورية".

ويضيف: "كانت الزراعة قد تراجعت في القرن الحادي عشر لما أخذت سورية تلتهب بالفتن واشتغل الفلاح بالحروب عن النظر في زراعته فنضب معين الثروة وعاد أكثر الأراضي مهملاً بوراً وبعد أن كانت الأراضي الزراعية متسعة الأرجاء في بلاد بشارة أصبحت على طول المدة حراجاً واسعة ومراعي إلا بعض الأراضي المجاورة للقرى والمزارع".

وحول مذاهب أهل جبل عامل يقول كرد علي: "سكان الجبل شيعة إمامية وليس بينهم سُنّة إلا النادر جداً وبعض المسيحيين ممن التجأوا إلى أهل البلاد أيام حوادث لبنان منذ 51 سنة دع عنك من في صور وصيدا من السكان الأصليين وهذا الجبل مبعث التشيع في بلاد الشام ومنهم قسم في جزين والمتن والبترون وكسروان من لبنان وبلاد بعلبك وكان علماؤهم أو فقهاؤهم يدرسون في مدارس مهمة كانت لهم في هذه الديار مثل مدرسة جباع التي خرجت جلة فقهائهم وأدبائهم عرفناهم بكتبهم وأعمالهم ومدارس ميس وعيناتا وجزين ومشغرا والشقراء وكل هذه المدارس الدينية درست اليوم حتى اضطر القوم أن يرسلوا ببعض أبنائهم إلى النجف في العراق يتلقون العلوم الدينية عن أئمتهم هناك وبعد أن يقضوا بضع سنين يعودون وقد حفل وطابهم بما ثقفوه من مدرسة النجف التي هي للشيعة بمثابة الأزهر للسُّنّة".

ويضيف شارحاً بعض الأمور المستهجنة: "إني ليسوءني ما سمعته من تعصب بعض هؤلاء الفقهاء على المدنية الحديثة تعصباً ما كنت أخال صدوره ممن يدرك سر الحياة في الأمم فقد نقل لي أن بعضهم يحرمون إلى اليوم قراءة الصحف لأنها تضر بالدين بزعمهم وتشغل عن الآخرة حتى أن القحة بلغت ببعضهم أن حرم على المنبر قراءتها وجاهر بلعن من يؤازرها فاضطر كثير من ضعاف العقول أن يقطعوا اشتراكاتهم بالمجلات والجرائد ليعيشوا بدون نور إلا ما يرسله عليهم مشايخهم ممن خفت وطأتهم ولله الحمد بعد الدستور وكانوا مع الأعيان فيما مضى يعرقون لحم الفقير ويمتصون دمه ولا راحم فنفس القانون الأساسي من الخناق بعض الشيء وتوشك تلك البقعة من سلطة الجامدين من رؤساء الدين أن تذهب كأمس الدابر إذ ليس في متن الإسلام ولا في حواشيه وشروحه ما يقال له سلطة دينية. وفي الحال التي انتهى إليها المسلمون على اختلاف مذاهبهم عبرة لمن ألقى السمع وهو شهيد".

ويتابع: "تراجع التعليم الديني في عامل وكان إبطال امتحان طلبة العلوم الدينية أيام عبد الحميد من جملة الأسباب ولكن البلاد ما خلت ولا تخلو من مفكرين وعالمين ممن يعتبرون الأمور بمقاصدها وينظرون إلى النافع من حيث هو وقد كاد أعيان البلاد ينزعون تلك التقاليد التي وضعها الجامدون من الامتناع عن الاختلاط بالمخالف ولا سيما إذا كان من غير أهل الإسلام ومنهم اليوم من يبعثون بأولادهم إلى المدارس العالية في بيروت وفي صيدا وكأني بهم وهم يرسلون أبناءهم غداً إلى الغرب ليستقوا العلوم من مصادرها كما فعل أخوانهم المسلمون في بيروت ودمشق وبعلبك وحاصبيا ولو بعثوا من ناشئتهم لتلقي شؤون الدنيا بمثل العدد الذي يبعثون به إلى العراق لتلقف مسائل الدين إذاً لأصبح عامل أرقى بمجموعه من لبنان وما لبنان عنه ببعيد".

ويضيف: "ولسائل أن يسأل ما إذا كانت عاقبة سلطة الرؤساء في المرؤوسين هنا فالجواب أنها علمت الكثير منهم الاحتيال وشهادة الزور والاستهتار بالشعائر سراً. أخلاق تجدها في كل مغلوب على أمره ارتضى غير قانون العقل دستوراً. ولا يفهم من هذا أن جبل عامل اختص بذلك من دون سائر بلاد الشام فإن هذا القطر متساوٍ في أخلاقه إلا قليلاً ومتى تعلم أبناؤه التعليم الابتدائي لأن القارئين والكاتبين لا يزيدون في قرية من قرى عامل على عدد الأنامل ينزعون أيديهم ولا جرم من أيدي أولئك الذين قضى عليهم نكد الطالع أن يكونوا كالميت بين يدي الغاسل يحركونهم بحسب ما تملي الأهواء النفسية".


عن قلعة الشقيف

يعود كرد علي لوصف قلعة الشقيف التي نسبت إليها البلاد المحيطة بها ويرد عهدها إلى قبل الصليبيين الذين سموها الحصن الجميل. ويقول في ذلك: "حق لهم أن يسموها كذلك لجمال موقعها المطل على نهر الليطاني المنسابة مياهه في أسفل الوادي العميق ومن الجانب الآخر بعض القرى المبثوثة في الخضرة التي تأخذ بمجامع القلوب ومن البعيد سحر مرج عيون الذي ينتهي بجبل الشيخ وبجانبه قلعة الصبيبة المطلة على حولة بانياس وبلاد بشارة أو جبل عامل وفي الجنوب بلاد صفد وعلى اليمين جبل الجرمق".

ويضيف: "من قلعة الشقيف أيضاً ترى قلعة هونين وفي الشمال الشرقي تصعد العين الوادي وفي أعلاه جبل الريحان منظر يملك على الإنسان مشاعره فيدهش له ويبتهج ينظر القلعة فيراها محلقة في الجو كالعقاب تدل كل الدلالة على قدرة الإنسان حتى في سالف الأحقاب ويقع نظره من جهة أخرى على أجمل مناظر سورية وتتمثل له هذه البلاد وما قاسته من مطامع الفاتحين وسيئات الظالمين المستبدين".

ويستذكر كرد علي الوقائع التاريخية التي مرت على هذه البلاد التي يكثر ذكرها في تواريخ الحروب الصليبية فيقول: "في هذه البقاع التي منحتها الفطرة أسباب الصفاء والرواء تطاحنت سنين كثيرة جيوش أهل الصليب وأهل الإسلام فأهلك الإنسان أخاه بسائق الدين في الظاهر وسائق المطامع الدنيوية في الحقيقة، ولولا عزيمة من صلاح الدين يوسف بن أيوب نسفت الأهواء لتجردها عن الأهواء لكانت بلادنا اليوم ملكاً لدول أوروبا أو لأحداهن ولما بقيت للإسلام والعرب كلمة تسمع في هذه الديار كما وقع لشبه جزيرة الأندلس وجزيرة صقلية من قبل".

وحول قلعة الشقيف يقول إنها "كسائر قلاع القرون الوسطى في بلاد الشام من بناء كثير من الملوك والمتغلبين وأهم أبنيتها من أواخر العهد الروماني ومعظمها من بناء العرب وفيها معبد أو مصلى من القرون الوسطى من الجهة الشرقية وهي محاطة من الجنوب ومن الغرب بهوة عميقة محفورة في الصخر عمقها من 15 إلى 36 متراً ومن الجنوب فقط لتصل القلعة بذروة الجبل ومدخلها إلى الجنوب الشرقي وطولها 120 متراً وعمقها 30 من طرفها الشمالي بناء ناتئ طوله 21 متراً متجهاً إلى الشرق وفناؤها أو صحنها في الجهة الشرقية منها عمقه نحو 15 متراً ومثلها الأبنية الخارجية ولها انحدار يختلف من 6 إلى 9 أمتار وقد قام على الحائط الجنوبي برجان على شكل نصف دائرة.. ".

ويضيف: "قامت القلعة على هذا المثال بحيث أعجزت المهاجمين ويقال إن صلاح الدين لم يستطع أخذها بالمنجنيق إلا بضربها به من قرية القليعة في الشق الآخر من الوادي على مسافة لا تقل عن أربعة كيلومترات وفي رواية تدور على ألسن أهل القرى هناك أنه حاصرها أشهراً ولم يستول على حاميتها إلا بحيلة دبرها قروي من أهل ذاك الجوار فدعا الحامية خارج القلعة لمأدبة أعدها لها وكانت الحامية مستأمنة له وقد أنهكها الجوع حتى صارت تأكل الفيران والجرذان فما شعروا وهم مشتغلون ببطونهم إلا وعسكر صلاح الدين قادمون بطعام في زي النساء حتى اقتربوا منهم فباغتوهم فلم ينجُ منهم نافخ نار".


مرجعيون... مسلمون ومسيحيون

وحول مرجعيون يقول: "اجتزنا إليها جسر الخردلة الممتد على نهر الليطاني.. واختلفت الأحوال على مرجعيون في الحكومات الإسلامية فكانت من أعمال صفد وسماها أبو الفدا مرج العيون بألف ولام وسماها غيره مرجعيون وهذه التسمية نشأت في الغالب للعيون الكثيرة التي تنبع من أرض الجديدة خصوصاً، وهي عجيبة لا تكاد تخلو قطعة من عين تنبض فيها مع أن الجديدة على سطح مستوٍ في رأس جبل لا اتصال بينها وبين القمم العالية حيث تبقى الثلوج أشهراً كما هو الحال في قمم صنين في لبنان الغربي وقمم حرمون أي لبنان الشرقي وإلى شرق مرجعيون جبل الشيخ وقراه وإلى الجنوب بلاد بشارة بحيرة الحولة وإلى الغرب قرى بلاد الشقيف وإلى الشمال جبل الريحان وتومات نيحة أو شقيف تيرون".

ويضيف: "على ميلين من الجهة الثانية عند منفرج الوادي قرية أبل ويقال لها أبل السقي تمييزاً لها عن أبل القمح من أعمال مرجعيون أيضاً وفي منتصف الوادي على نفس السطح الذي قامت عليه قرية أبل قرية الخيام أو الخيم. والجديدة والسقي والخيام ثلاث بلدان كأنها بلد واحد ذات ثلاثة أحياءٍ لا تقلّ نفوسها عن اثني عشر ألف نسمة.. ويتبع قضاء مرجعيون اليوم كثير من قرى جبل عامل وعدد قرى قضائها 54 قرية منها المهم جداً بتاريخه وكثرة سكانه كبنت جبيل وهونين ودير ميماس، ولا تقل نفوس القضاء عن خمسين ألفاً وربما كان المهاجرون منهم نحو خمسهم كثير منهم الذين وفقوا بين أميركا وأثروا ولا سيما سكان الجديدة مركز القضاء ممن لا تجد بينهم أمياً من الذكور والإناث ولا تشبهها بهذا المعنى بلدة في سورية إلا الناصرة فيما أذكر لأن تنافس الطوائف النصرانية على تأييد نفوذهم ودعوتهم فيها دعا كل منها إلى فتح المدارس وتعميم التعليم مع التعاليم وقد فطر أهل هذه البلدة على التقليد المفيد فإذا علم أحدهم ابنه لا يلبث جاره أن يحذو حذوه وهكذا حتى أصبح أهل القصبة وأكثرهم مسيحيون متعلمين".

وحول التعليم بين مسلمي هذه المنطقة يقول كرد علي: "أما المسلمون فشأنهم شأنهم في كل مكان مررنا به: يضنّ الأغنياء منهم بأموالهم حتى على تعليم أولادهم والفقراء اتكلوا على الحكومة وهيهات أن يتعلم ولد يسلمه أبواه لمعلم تعينه المعارف هذا إذا فتحت لها مكاتب في مراكز الأقضية فما هو الحال في سائر القرى التي تمرّ بالعشرين والثلاثين والأربعين منها ولا تجد فيها مدرسة أميرية ولذلك ترى أبناء المسلمين ينصرف غنيهم على الأغلب إلى الفسق والاعتداء ولا يجد فقيرهم متسعاً له من العيش ليتعلم فيرعى الماشية ويعيش في الجهل المطبق عمره".

ويستدرك ممتدحاً جديدة مرج عيون فيقول إنها "دخلت بالمتعلمين من سكانها في طور المدن ومثلها بعدد السكان كثير في بلاد هذا القطر فهي أصغر من حرستا وعربيل وداريا وجوبر من قرى غوطة دمشق التي لا تكاد تجد فيها مكتباً جيداً في الجملة ولكن أهلها على قلة عددهم أهم من جميع أهل الغوطة على قرب هؤلاء من دمشق لأن الغوطتين اتكلوا على الحكومة فلم تعلمهم ولن تعلمهم أما أولئك أفضل عليهم اللاتين والروم والبرتستانت فأحيوا نفوسهم بالآداب والمعارف على مناحيهم فأقام من أقام منهم عزيزاً وهاجر من هاجر منهم قادراً متعلماً.. وبينما تجد المسلمين يأكل كبارهم صغارهم على ما سمعته من تلك الدعوى الغريبة بين فقراء المسلمين في قرية الخيام وأعيانهم الذين سلبوهم فيما مضى على ما يقال أراضيهم لينجوهم من الخدمة العسكرية بكتم أسماء نحو ألفين منهم عن الحكومة نجد أغنياء المسيحيين يأخذون بأيدي ضعفائهم فيفضلون على المحاويج ويعلمون الأميين ويواسون من يستحق المواساة من البائسين ولا عجب فالعلم يعمر والجهل يدمر".

ويلفت كرد علي النظر إلى وجود جريدة تصدر في جديدة مرج عيون لصاحبها الدكتور أسعد رحال. ويقول: "هي من جرائدنا الأسبوعية الراقية وقد كان أكبر دواعي رواجها من المهاجرين من أهل المرج ولا سيما سكان الجديدة العقلاء المنورون. ولا أعلم في مدن داخلية الشام جريدة أسبوعية تضاهيها بالرواج اللهم إلا إذا كانت جريدة حمص التي تباع أيضاً من المهاجرين الحمصيين".

ويختم حديثه عن مرجعيون قائلاً: "هذا المرج بطبيعته من أجمل ما وقعت عليه العين من البلاد التي عرجنا عليها في رحلتنا يشرح النظر منه ما شاء في روض بهيج لو أكثروا فيه من زرع الأشجار المثمرة لفاق غوطة دمشق وأشبه سهول فرنسا وجبالها خصوصاً وأكثر دور الجديدة وأبل والخيام أصبحت تبنى على الأصول الحديثة بالحجر الصلد والقرميد البديع ولكل دار حديقة تحيط بها كالهالة بالقمر".