محمد علي الصابوني.. بقدر أفهام العصر يكون التفسير

13 يونيو 2018
الصورة
(محمد علي الصابوني)

تميَّزت التفاسير التي وضعها المتأخرون، مثل إسماعيل حقي (1653-1715) في "روح البيان"، ومن بعده الشهاب الألوسي (1803 - 1854) في "روح المعاني"، بتعقد اللغة، مع أنها تهدف إلى الشرح، وبغلبة الاستطرادات النحوية عليها، بسبب الاهتمام المبالغ فيه بوظائف الإعراب وتقدير المحذوفات، هذا فضلاً عن الإيغال في معضلات علم الكلام والإكثار من إيراد التفاصيل وتفاصيل التفاصيل، التي تُضيع المغزى وطالبيه في متاهات التأويل المتكلَّف.

ولذلك نزع المفسرون المحدَثون إلى تبسيط هذا المحتوى والاقتصار على الصحيح من الآراء وتحاشي ما فيها من خلافيات وتفريعات. ومن أشهر مَن تصدى للقيام بشرح مبسّط للقرآن، يعرض معانيه بعباراتٍ حديثة، يفهمها قارئ العصر، وإن لم يكن من أهل الاختصاص، عالِم الدين السوري محمد على الصابوني (ولد سنة 1930)، في تأليفه "صفوة التفاسير"، الذي أمل، حسب ما جاء في مقدمته، أن يكون خلاصةً لما ورد في التراث التفسيري وصفوةً لمحتوياته المتشابكة.

يُراعي هذا الكتاب، الواقع في ثلاثة أجزاء، منهجاً واضحاً وخطة عمل سباعية العناصر، إذ يبتدئ بقسم "بين يديْ السورة"، وهو بمثابة بيان إجمالي للسورة وإيضاح لمقاصدها المحورية، ثم يعرض "المناسبة"، أي العلاقات النصية التي تعقدها الآيات مع حوادث التاريخ إضافة إلى إبراز علاقاتها بما سبقها، إظهاراً لبلاغة النظم والتحام الكلام، ويشرح بعدها "اللغة"، بالتركيز على المفردات الصعبة على قارئ حديث والتي تنتثر في السورة أو المقطع المُفسَّر، ويُذكِّر رابعاً بـ"سبب النزول"، ثم يمرُّ بعدها إلى ما يسميه "التفسير" وهو إضاءة المعنى العام.

ويحلل بعد ذلك الوجوه البلاغية بأقسامها الثلاثة: البيان والمعاني والبديع، وينتهي بعرض "اللطائف والفوائد"، وهي عِبر رقيقة يستلهمها من النص. وقد التزم الصابوني إجمالاً بهذه الخطة الدقيقة، طيلة الكتاب، ولم يحد عنها إلا نادراً.

هذا وقد استمدّ الصابوني جلَّ مادته من التراث التفسيري، بجانبَيْه المنقول والمعقول، مثل تفاسير: الطبري وابن كثير والقرطبي من جهةٍ، والزمخشري والبيضاوي والألوسي من جهة ثانية، في منهج توليفي، حاول من خلاله تلافي ما اشتهر عند الناس من "الإسرائيليات"، وهي أمشاجٌ من الأخبار والقصص الواهية التي تناقلها المسلمون بعد أن احتكوا بعلماء اليهودية والنصرانية في العصور الوسطى. وهي ترهات أرهقت المادة التفسيرية وأضعفت علميتها.

ومن جانب آخر، اتسم هذا المؤلف بوضوح العبارة وتجنب التعقيد والإطالة، والدقة في اختيار أصح الأقوال المعتمدة، فكان وسطاً بين المُختصرات المكثفة والمطولات المعقدة، صِيغ بالعربية المعاصرة التي يفهمها القارئ العادي. وحاول قصارى جهده إثبات المشهور من الآراء، الأكثر وثوقاً عند أهل النظر، لا سيما أنها متعددةٌ تعدّدَ المدارس الكلامية والفقهية التي تستند إليها.

يعود صدور الطبعة الأولى من كتاب "صفوة التفاسير" إلى سنة 1978، ما يعني أنه جرى تأليفه في بدايات سبعينات القرن الماضي، أي في أوج الصراع بين الكتلتيْن: الرأسمالية والشيوعية. وهو ما يُضفي على العمل دلالة ثقافية هامة: تيسير التعاليم القرآنية كبلسم للصراع الإيديولوجي المحتدم بين هذين المعسكريْن، وتقديم القرآن للمؤمن كمرجعية روحية يستند إليها بعيداً عن "إلحاد المادية" و"انفلات الليبرالية". وقد أشار الكاتب إلى هذا الملمح من التاريخ المعاصر قائلاً إنّ "القرآن كفيلٌ بتخليص الإنسانية من شقاء الحياة وجَحيمها المُستَعِر".

ومن مظاهر "شقاء الحياة" هذا أن يكون قارئ اليوم عجولاً، بضاعتُه من العلوم اللغوية والشرعية مُزجاة، ولا تمكنه ظروف العيش الكادح من معانقة المطلق والنفاذ إلى مراد الله، كما لم يعد قادراً على التمعن في المطوّلات بما فيها من جدال وأقوال متشعّبة، غالبها متضارب (مثل اقتراح خمسة عشر معنًى لكلمة "الكوثر"، أو عشرين لكلمة "النور"، في آية: "الله نور السموات والأرض"). وهو ما اقتضى اعتماد التبسيط والإيجاز في شرح النظم القرآني، وأحياناً على حساب ثرائه، وتعدديته وغموضه الذي يُعتبر من وجوه فرادته وإعجازه.

وكانت ضريبة هذا التبسيط غياب التحقيق العلمي، بالمعنى الأصولي للكلمة، أي ترجيح أكثر الآراء معقولية فتحريرها بأسلوبٍ ينفذ إلى حقيقة المعنى ويتلافى ما في التأويل من تناقضات وتهافت. وهو ما أنجزه قبله عالم الدين التونسي الطاهر ابن عاشور (1869- 1973) الذي نَخَل التراث التفسيري برمته نَخْلاً، وحرّر كلَّ مضامينه، في حين اكتفى الصابوني - وهما متقاربان في الزمن نسبياً - بالتوفيق بين الآراء السابقة والتوفيق بين متباعدها.

وقد شجّع غيابُ التحقيق مُنتقديه على رَميه بالتلفيق والخلط بين "التبر والتبن"، كما جاء في بعض الردود عليه، لأنه جمع في تعليقاته بين مواقف علماء السلف الذين يكتفون بالتفسير المأثور، مثل الطبري وابن كثير، وبين المحققين من ذوي المنزع العقلي (المعتزلي)، الذين يستخدمون المنطق في تدبير الدلالة، مثل الزمخشري والبيضاوي، بالإضافة إلى ذكر بعض الإشارات الصوفية والباطنية، الواردة في حاشية الصاوي، مما جعل كلامه جمعاً بين آراء مرجعياتها متضاربة. ولم يكن بإمكانه التمييز بين غثها وسمينها أو الفصل بين متعارضاتها في كتابٍ مختصرٍ مثل "صفوة التفاسير"، وهو اختصارٌ من شأنه أن يغمط بعض حق القرآن: سعة الدلالة وتعددية الإحالات.

تداركه المفسّر السوري بعض هذه المسائل لما اجتهد في عرض نُكت البلاغة ومظان الجمالية الأسلوبية. فقد حرص على تخصيص فقرة يستعرض فيها كل الوجوه البيانية والبديعية. بيد أنَّ هذا التمشي قد لا يفهمه القارئ الحديث ممن لم يتضلع من مفاهيم البلاغة التقليدية. كما قد يَقصر الإعجاز في الجانب البياني الذي كان عنصراً تحدّى به المشركين من معاصري النبي. وأما اليوم فقد انفتح الإعجاز على مَجالات أخرى، حتى صار المظهر البياني منها ضامراً جزئياً.

تعليق: