محمد عابد الجابري: الأسئلة مستمرة

03 مايو 2015
الصورة
الجابري في بورتريه لـ جنان داوود

يُحسب للمفكر المغربي محمد عابد الجابري (1936 - 2010)، الذي تمرّ اليوم خمس سنوات على رحيله، أنه تجنّب منذ بداية مشواره الفكري ذلك الطريق الذي يفضي إلى المعرفة المطمئنّة. واختار بدلاً منه طريقاً محفوفاً بالقلق وبالخطر أيضاً، إذ قام بنقد تاريخي ومنهجي لما دعاه "العقل العربي"، ووضع التراث العربي على كرسي المساءلة بطريقة أخذت تحتدّ مع تقدّم الرجل في أبحاثه.

منذ كتابه "نحن والتراث" (1980)، ومع كل إصدار جديد، كانت أفكار الجابري مبعث نقاش وجدال، يتوزّع حولها أهل الفكر والثقافة ومعهم القراء بين متحمّس ومعارض، وقد يكون بذلك المفكر العربي الذي حظي بأكبر قدر من الكتابات النقدية والأطروحات الجامعية التي تناولت فكره، سواء بالتبنّي أو المعارضة.

ما جعل من الجابري مفكراً مختلفاً عن مجايليه هو اجتهاده الدائم في نقد التراث من داخله، لا من الخارج، إذ استعان برموز تراثية وبمعطيات تاريخية دقيقة من أجل محاكمة الإرث الفكري الذي ترسب في الذاكرة العربية.

في رباعيته المخصصة للعقل العربي، قسّم الجابري المعارف التي تشكل هذا العقل إلى ثلاثة أقسام هي "البيان"، و"العرفان"، و"البرهان". في القسم الأول، جمع الفقه والنّحو والبلاغة، بينما ضمّ الثاني التصوف والفكر الباطني، في حين شمل البرهان العلوم كالمنطق والرياضيات.

 ورأى في دراسته المطوّلة أن "العقل العربي" تشكّل أواخر العصر الأموي على نحو شبه نهائي، وظلّ على مدار العقود المتعاقبة هناك، لم يستطع أن يواكب التحوّلات التي جاء بها زمنٌ بعد آخر، ولم يتمكن من إنتاج أشكال جديدة ومتطوّرة للتفكير بوصفه أداة الإنتاج النظري.

 فقد ركن هذا العقل بشكل مطمئن إلى النص الديني باعتباره شاملاً لكل المعارف والعلوم، سواء التي تم التوصل إليها، أو تلك التي سيتم اكتشافها في المستقبل.

ولعل ما جلب عليه الكثير من الانتقادات، والمشاكل أيضاً، هو ارتفاع درجة النقد والتشكيك التي صاحبت مؤلفاته لتصل ذروتها في كتابه الأخير عن النص القرآني، حيث أوصلته اجتهاداته وأبحاثه في التفاصيل التاريخية إلى أنّ النسخة التي بين أيدينا من القرآن ليست هي نفسها التي نزلت على الرسول، مشيراً إلى أن عدداً من الآيات قد سقط عن النسخة الأولى.

لم يكن الاختلاف مع الجابري، في توجهه الفكري العام وليس في هذه الموضوعة فحسب، نابعاً من الفقهاء والمحافظين ومناصري الاتجاهات الماضوية وحدهم، بل كان من أولئك الذين يتقاسمون معه حقل الاشتغال، فطه عبد الرحمن اتهمه بـ "فساد التصور"، وأدونيس كان يرى أنه لم يأت بجديد، إنّما قام بالتصنيف الأكاديمي لما قاله السابقون، أما جورج طرابيشي وطيب تيزيني فقد ألّفا عنه كتابين: "نقد نقد العقل العربي" و"من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي". الأول قال عنه إنه "يخدع قارئه"، بينما رأى الثاني أنه "يملك وعياً مراوغاً غير وطني" واتهمه بتبني الفكر الاستشراقي الغربي.

ويضاف إليهما محمد عمارة في كتابه "رد على افتراءات الجابري" خصّصه لنقد "مدخل إلى القرآن الكريم" آخر ما ختم به صاحب "نقد العقل العربي" مساره الفكري، ورأى عمارة في كتابه أن الجابري لم يقع في الأخطاء فحسب، بل وقع أيضاً في الخطايا.

وكان الجابري يتفادى في معظم الحالات الرد على منتقديه من المفكرين، ويعتبرهم أصحاب مشروعات فكرية مماثلة لمشروعه، وليس من الضروري الدخول معهم في سجالات، أما الذين تعاملوا مع منجزه بقسوة وبتطرف، وكانوا يحرّضون ضدّه، وأحياناً ينادون بتكفيره، فقد كان مشغولاً عنهم بالبحث في طيات التاريخ عن تلك التفاصيل والدقائق التي تجعل "العاقل" مطالباً، على الدوام بإعادة النظر في موروثه الثقافي والديني، وفي طريقة تفكيره.

أسئلة كثيرة طرحها الجابري في مؤلفاته ستظل حاضرة باستمرار في النقاش الفكري، لا سيما في الأذهان التي لا ترتاح للمعرفة الوثوقية، وتفضّل الشك على اليقين.

ما راهن عليه الجابري، وصرّح به في أكثر من سياق، هو السعي إلى تجديد الفكر العربي الإسلامي وإعادة بنائه من الداخل. وكان يقول عن مشروعه الفكري إنه يحتاج إلى مسافة زمنية من أجل فهمه، ملتمساً في ذلك الأعذار حتى لأكثر معارضيه شراسة، فالرجل المعروف بهدوئه وبرود أعصابه؛ كان يخرج على الناس من حين لآخر بما يصدم وعيهم، وبالتالي ليس من السهل قبول واحتضان هذا النوع من الفكر المُسائلي منذ وهلته الأولى.

في أحد الحوارات التلفزيونية، أخبر المذيع الجابري بأن المفكر المغربي طه عبد الرحمن اتهمه بـ "تقويل الكتّاب ما لم يقولوا، وسوء التصرف في النصوص، وفساد التعريف، وفساد التصور، والسقوط في التناقض، وعدم تحصيل الملكة في العلوم الصورية والمنهجية، والعجز عن نقد وتمحيص الآليات الاستهلاكية"، فرد صاحب "المسألة الثقافية": "كان على الأخ طه أن يقول ببساطة: أنا لا أفهم ما يفهمه الجابري".