محمد سعد... البحث عن اللمبي ما زال مستمرّاً

24 ديسمبر 2019
الصورة
عاد في فيلم "الكنز" بدور مغاير (عمرو مرغني/فرانس برس)
استطاع الممثل المصري، محمد سعد، التفرّد بصدارة دور العرض في مصر، معظم العقد الأول من الألفية الثانية. مرحلة طويلة شملت عددًا من الأفلام الناجحة جماهيريًا، جعلت منه رقمًا صعبًا تهافتت عليه شركات الإنتاج المحلية، منذ سطوع نجمه في فيلم "الناظر" عام 2000، للمخرج شريف عرفة، والذي كانت له اليد الأولى في نجاحات سعد اللاحقة.
مع إطلاق فيلم "اللمبي" عام 2002، للمخرج وائل إحسان، قدم سعد نسخة واعدة اتفق معها الجميع على أنها نقلة جديدة ونوعية للأفلام الكوميدية، بشخصية مختلفة اكتسحت بنجاحها أسماء كبيرة من الشاشة المصرية التي كانت تهيمن على الساحة الفنية آنذاك، أمثال عادل إمام ومحمد هنيدي وأحمد السقا وهاني رمزي. شخصية "اللمبي" التي وُسم بها سعد وأحبها الجمهور العربي عامة والمصري خاصة، سمحت لسعد باستهلاكها في عدد من الأفلام الناجحة لاحقًا، مثل فيلم "اللي بالي بالك" و"عوكل"، وأفلام أخرى لم تقتصر على شخصية اللمبي، ولكنها شبيهة لها، كفيلمي "بوحة" و"كتكوت". هذه الأفلام كونت لسعد قاعدة جماهيرية كبيرة جعلت منه فنانًا كوميديًا من الصف الأول، ولكن ليس لوقت طويل.
بعد أن قدم فيلم "كركر" عام 2007 وفيلم "بوشكاش" عام 2008 اللذين أخفقا إخفاقًا ذريعًا في سوق التذاكر، مستنزفًا شخصية اللمبي بشكل كبير، مما عاد عليه بملل جماهيري نتيجة نمطيته في الأداء. بدأ اسم اللمبي ينزلق شيئًا ما نحو الهاوية، وزاد من سقوطه مؤشر الإيرادات المنخفض، ولا سيما بعد فيلم "اللمبي 8 جيجا" عام 2010، الذي حاول من خلاله التمسك بشخصيته المعتادة، وفيلم "تك تك بوم" عام 2011، الذي وصف بالمبتذل والضعيف على مستوى الفكرة من قبل الشارع المصري والنقاد والفنيين، نتيجة محاكاته بطريقة ساخرة للثورة الشعبية التي انطلقت في تلك الفترة ضد الرئيس المخلوع حسني مبارك.
هذه الانعطافات في مسيرة سعد جعلته يتجه نحو التلفزيون كخطوة مغايرة لاستعادة بريقه، فقدم أول أعماله على الشاشة الفضية "شمس الأنصاري" للمخرج جمال عبد الحميد، وقد عُرض في رمضان 2012، إلا أن نتائج العمل جاءت مخيبة للآمال، ما دفع الكثيرين إلى القول إن هذه التجربة قصمت ظهر البعير؛ فالرجل سقط سينمائيًا وتلفزيونيًا، إلا أن سعد واجه هذه المطبات بمزيد من الكبرياء وقدم بعدها عملين حفظا له ماء وجهه، وهما فيلم "تتح" عام 2013، ومسلسل "فيفي أطاطا" عام 2014 (في هذا العمل أدى سعد شخصيتين، شخصية اللمبي، وشخصية "أطاطا" التي عوّل على نجاحها حين قدمها في فيلم "عوكل" عام 2004) ولكن ما لبث سعد أن استعاد مكانته، ولو بشكل جزئي، حتى فرط فيها في فيلمي "حياتي مبهدلة" عام 2015، و"تحت الترابيزة" الذي كان من سلبياته استنساخ الفكرة والبناء الدرامي عن فيلمي "كركر" و"اللي بالي بالك" (رجل يتعرض لحادث فتنقلب حياته رأسًا على عقب).

يعود المخرج شريف عرفة للتعاون مع سعد من جديد، فقدم له فرصة ثمينة تنتشله من السقوط الكلي في فيلم "الكنز 1" الذي حقق نجاحا كبيرًا، وقد أشاد الجمهور ونقاد السينما والفن بهذا العمل، وبأداء سعد المختلف عن سابق أدواره، إذ قدم الأخير شخصية مغايرة عن "اللمبي" بسلوكياتها وحركاتها، والتزم بأداء شخصية أكثر جدية أظهرت مواهب سعد بعيدًا عن "الكوميديا"، الأمر الذي نال تعاطف واستحسان الجمهور من جديد. علمًا أن سعد في العام ذاته توجّه إلى المسرح السعودي وقدم مسرحيته "صبح صبح" كوسيلة لإعادة تنظيم صورته الفنية أمام الجمهور المصري والعربي، مستغلًا توجه هيئة الترفيه السعودية في تلك الفترة، والتي كانت من مهامها غزو السوق المصري واستقطاب وجوهه الفنية، وهو ما رأى فيه سعد فرصة لإعادة نجوميته بشكل متفرد لا يقبل أدوار البطولة المقسومة على اثنين. ولكن للأسف باءت تجربته المسرحية في الرياض بالفشل، ومع ذلك قدم عرضًا مسرحيًا آخر "فوق كوبري استانلي" في الأول من أغسطس/آب الماضي فشل هو الآخر، وقد زاد الطين بلة نتائج فيلمه "محمد حسين" الذي كان يعرض قبل قرابة شهر من العمل المسرحي، والذي حصد نتائج سيئة وسلبية في سوق التذاكر.
يمكن القول إن لمحمد سعد مؤشر نجاح متأرجحا سببه خياراته الشخصية في اختيار أدوار كوميدية نمطية ومستهلكة تعود إلى إيمانه بنجاح شخصية "اللمبي" وقدرته على إحياء أمجادها. ولعل النجاح الآخر لفيلم "الكنز" في جزئه الثاني الذي عرض في 10 أغسطس/آب الماضي يؤكد وجوب ابتعاد سعد عن شخصية اللمبي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن سطوة أسماء ممثلين آخرين على الساحة الفنية حاصصت سعد الشهرة والنجاح وطغت عليه أمثال أحمد حلمي وكريم عبد العزيز وأحمد عز وأمير كرارة ومحمد رمضان، تشكل أمام سعد حاجزًا يصعب تجاوزه بسهولة، وتدفعه إلى التفكير في اختيار أدواره بعناية في حال أراد استعادة مكانته الفنية كما كانت عليه سابقًا.

دلالات