محمد رمضان... الغناء في مواجهة الهواء وطواحينه

29 ابريل 2019
الصورة
اتخذ رمضان من الراحل أحمد زكي قدوةً له (فيسبوك)
في حين تتبارى الوسائل الإعلامية في هجومها على محمد رمضان في أي خطوة يصنعها، باعتبارها تغازل الصفوة، تدافع عنه شعبيته الواقعية التي تظهر على أشدها في الشارع المصري.

رمضان، الظاهرة الأكثر اكتساحاً منذ مدة في مصر، التي برغم منحنياتها صعوداً ونزولاً، ما زالت مستمرّة بقوة. الفتى الأسمر، الذي لم يعد نحيلاً بعد، مفتول العضلات، ذو الابتسامة الكاشفة عن بياض مصنوع، يتجلى في الفئات الكبرى من المجتمع المصري؛ أي الطبقة ما تحت الوسطى والشباب، بداية من الشكل وقصة الشعر والملابس، وحتى حد اقتباس تصرفاته وأدواره وتبنيها كجزء من شخصياتهم الحياتية الواقعية. إلى جانب تبني جمل من أغانيه، كشعارات حياتية، تزين ظهور المركبات على اختلاف أنواعها.

الشاب الذي احتذى بـ أحمد زكي، مُتّخذاً منه قدوةً ومثلاً، والذي يأتي من واقع شعبي مصري، أثار من جديد معضلة وتساؤلاً مفاده: هل الفن يقلّد الواقع أم أن الواقع يحاكي الفن؟ معضلة لا يمكن حسمها أبداً، لتصبح الظاهرة حلقة لا تنتهي من تمثيل الواقع، متبوعاً بتحقيق الشعبية، والعكس صحيح.

بعيداً عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أدت إلى إفراز هذا النوع من الظواهر، حسناً كان أو قبيحاً، فقد استحق رمضان تحليلاً للخط الجديد الذي اتخذه، منذ قرّر تقديم نفسه بصفته نجم بوب ومؤدياً غنائياً، يقدّم محتوى مرئياً في صورة كليبات، بل أقام مؤخراً حفلاً غنائياً استعراضياً، برغم قلة المحتوى الذي يمتلكه.

قناة رمضان على موقع يوتيوب، التي كانت مخصصة لعرض بروموهات مسلسلاته وأفلامه الترويجية، التي تحوي أربعة ملايين و600 ألف مشترك، خصّص منها قائمة لعرض أغانيه التي بدأها بالتعاون مع المدفعجية، الأشهر في مجال موسيقى المهرجانات، فيما يشبه المهرجانات في "100 مسا" و"هتولع".


عبر كلمات تحاكي الفخر الجمعي لمغنّي المهرجانات بنفسهم، وبعض النصائح المجتمعية، افتقدت الأغنيتان لجودة الصنع وتركيبة أغنية البوب التي توصّل لها في ما بعد رمضان، كما افتقدتا للذاتية المطلقة ومفهوم النجم المتعالي الذي استطاع فرضه في ما بعد.
بدأ محمد رمضان في التمهيد لتقديم نفسه نجماً استعراضياً - وربما لم يكن قد حسم أمره بعد - عبر محاولة ركيكة من خلال فيديو لأغنية تغازل جيش مصر بمناسبة احتفالات أكتوبر 2018، تنتمي إلى الراب، بعنوان "جيشنا صعب".

كانت النقطة الفاصلة التي مكنته من وضع يده على نقطة الانفجار، المنهج الذي سيستمر على تقديمه ليحقّق انفجارات جماهيرية متتالية؛ إعلان أقوى كارت في مصر، الذي بدأ فيه تقديم نفسه بصفته ملكاً على العرش، إلى جانبه "أسد - نمر"، حسب المتوافر. مجّدت الكلمات ذاته الفردية و"أسطورة" نجاحه الذي يملك وحده الفضل فيه، وقدرته على فرض نفسه على أي ساحة وامتلاكها. من هنا، بدأت صورة النجم المتعالي صاحب الإيغو المتضخم. وعلى هذا المنوال، يواصل رمضان طرح أغانيه والفيديو كليبات التي ظهر بها كما لو أنّه "عرّاب"، أو زعيم عصابة ما، يردّ من خلالها على من يسمّيهم "أعداء النجاح".

من جهة أخرى، يبقى غامضاً للغاية ذلك العدوّ الوهمي الذي يخاطبه ويحاربه رمضان في أغانيه؛ إذ يُفترض أنّ شخصاً بحجم جمهوره وسيطرته عليه، وحجم ثرائه الفاحش الذي لا يتوانى عن إظهاره، لا يستحق أعداؤه الذكر بالنسبة له. الكلمات توحي بأن منافسيه هم المقصودون، وأحياناً أخرى توحي بأن المقصود هو من حاربه أثناء شقائه صعوداً، ولكنه صعد بالفعل، إلا أنه من خلال كليب "الملك" ضمّنَ، بالفعل، اقتباسات حيّة لمهاجميه ومشجعيه من النقاد والإعلاميين والمذيعين، وأثبت أن هذا جزء من المكايدة خلال مسعاه إلى تقديم نفسه نجماً استعراضياً.

ثبت رمضان على التركيبة منذ أغنيته "نمبر وان". أصبح أداؤه أكثر ثقة، وتقسيمه للكلمات أكثر احترافاً. أصبح هناك لازمة موسيقية وكلامية يمكن ترديدها، تأرجحت الأغنية بين الراب والمهرجان، وثبتت صورة النجم الأوحد، ليزداد رمضان جماهيرية، ويضيف في الكليبات القادمة صورة الفنان الشامل - الاستعراضي. لا يمكن تجاهل أن محمد رمضان يحاول أن يحاكي برونو مارس؛ وبدورهما يحاكيان مايكل جاكسون، على اختلاف أيديولوجياتهم الفنية - الموسيقية ورسائلهم الإنسانية، شكلاً وأداءً.

بدءاً من أغنية "جيشنا صعب"، بدأ رمضان بتوفير ترجمة لأغانيه بالإنكليزية. تخلل ذلك محاولة للاشتباك معه، بدا أنها ممولة وموجهة من قبل المؤدية المفتقرة للموهبة بشرى، ردّاً بأغنية ساذجة يحاكي الفيديو فيها كليبات رمضان.
في يناير/ كانون الثاني، أطلق رمضان "مافيا"، ليتبعها بثلاثة كليبات في خلال فترة زمنية تتجاوز الشهر بأيام. هذا معدل إنتاج غزير، ربما تفسّره الحفلة الحية التي أقامها رمضان على مسرح تابع لمؤسسة الدولة العسكرية؛ "مسرح المنارة"، حيث ظهر في لقطات تصحبه راقصات استعراضيات، وراقصون من الدرجة الثالثة، جودةً. ظهر رمضان يرتدي معطفاً مفتوحاً، عاري الصدر. في لقطات أخرى تخلّى عن المعطف تماماً، كما يحدث في موقعين؛ المسارح العالمية لحفلات نجوم البوب والروك، أو في المعارك الشعبية في العشوائيات في الأحياء المصرية، آتياً بحركات عنيفة، راكلاً برجليه الفراغ، في وجه عدوّ غامض، كما لو أنّه يحارب طواحين الهواء.