محمد حميد الله.. ترجمان الكتاب والسيرة

12 مايو 2019
الصورة
(محمد حميد الله، من وثيقة هويته في فرنسا)
+ الخط -

لم يكن المفكّر محمد حميد الله (1908 - 2002) عربياً ولا فرنسياً، ومع ذلك كان أول مسلمٍ تَرجمَ القرآن إلى لغة موليير، بعد أزيد من ثمانية قرونٍ احتكر خلالها فرنسيون، من مستشرقين ورجال دين، ترجمةَ "الكتاب". فكأنما أراد بذلك أن يُصلحَ مظلمةً ويردَّ عاتية التأويل والترجمات المُوجَّهة المشوَّهة التي سبق للمؤرّخ التونسي هشام جعيط أن كشفَ عنها اللثام في كتابه الفارق: "أوروبا والإسلام" (1978). كما كان هذا الباحث أول مَن اختطّ من المسلمين سيرةَ الرسول باللغة الفرنسية، واضعاً إياها في سياقها التاريخي والأنثروبولوجي، بعدما ظلت لقرون عديدة مثار انتقادٍ وموضع إسقاطٍ من قِبل المستشرقين ورجالات الكنيسة.

وأمّا سيرة حميد الله فمسارٌ لافتٌ بثرائه، فقد وُلد بحيدر آباد (في الهند حالياً) سنة 1908، وكانت آنذاك إمارةً إسلامية ضمن شبه القارة الهندية. تلقَّى تكويناً متيناً في علوم الدين والقانون واللغات، كَلّله بشهادة عليا في الحقوق من "الجامعة العثمانية"، حيث زاول التدريس لسنواتٍ، ثم تحصَّل على شهادة دكتوراه أولى سنة 1935 في مدينة بون الألمانية. وبعدها بسنة واحدة تَحصَّل على دكتوراه ثانية من "جامعة السوربون" في باريس، حين كانت في أوج صَرامتها المنهجية، ببحث طريفٍ حول: "الدبلوماسية الإسلامية في العهد النبوي وعصر الخلافة".

وعمل بعد ذلك سفيراً لإمارة حيدر آباد حتى اندثارها سنة 1946، بعد إلحاقها قسرياً بالهند، فكان أن هاجرَ إلى باريس، حيث اشتغلَ أستاذاً باحثاً في "كولاج دو فرانس"، أحد أرقى المعاهد العلمية هناك، طيلة عشرين سنة. وأنهى حياته زاهداً متأملاً في أميركا بعد صراعٍ مع المرض.

تَفرَّغ الرجل، طيلة حياته العلمية، التي امتدت لأكثر من ستين سنةً متتالية، للكتابة عن تاريخ البدايات الأولى للإسلام من خلال نصوصه التأسيسية ومراجعه الأساسية ومَخطوطاته النادرة المجهولة. فحَرَّر أبحاثه باللغة الفرنسية (وبعضها بالإنكليزية) وقد ناهزت المئتين وخمسين عملاً موزّعاً بين كتابٍ وورقة بحثية وتحقيق مخطوطٍ. وتناولت هذه الأبحاث حقلَ الإسلاميات التطبيقية، كما كان يُسمّيها زميله محمد أركون، وتشمل موضوعات التاريخ الإسلامي في مرآة وثائقه المنسية والتي حَلَّلها بأسلوب معاصرٍ، سهلِ المأخذ، يتناسب مع حساسية الغرب ورُؤاه العقلية، ولكن دون تنازلٍ عن الثوابت ولا تواطؤ أو مجاملة. وساعَده في أعماله هذه إتقانُه الخارق لاثنتَيْن وعشرينَ لغةً.

ففي العقود الستة التي خَصّصها للبحث العلمي والكتابة، دافع حميد الله عن قضايا الإسلام وأبعد عنه ما ألصقه به المستشرقون من التهم و"الأباطيل"، كما سمّاها عباس محمود العقاد، فمَكَّن القارئ الفرنسي من اكتشاف الكنوز الثقافية لهذه الحضارة وتعميق الأنظار في أحداثها وإطارِها الأصلي، بعيداً عن الإسقاطات والتزوير والازدراء. ويعود له الفضل في إماطة اللثام عن العديد من المخطوطات النادرة، فحقّق كتباً تراثية مجهولة؛ مثل بعض نصوص ابن قتيبة والبلاذُري وابن القيّم. ولعل أهمّها اكتشافُه، لأول مرّة، مخطوطَ التابعي هَمام بن مُنبِّه، في الحديث النبوي، وصحيفتُهُ هذه مِن أقدم ما جُمع من كلام النبي في ذاك العصر.

ونظراً لثراء هذه المسيرة، نكتفي بعرض ترجمته للقرآن ومُؤَلّفه عن السيرة النبوية. فقد اعتكف هذا الباحث، في الحي اللاتيني بباريس، لِيترجَم القرآن كاملاً بالاعتماد على كتب التفسير والمشهور من القراءات والمذاهب السُنيّة التي حظيت بإجماع الأمّة. وتَلافى بذلك أخطاء المستشرقين واختياراتهم المعجمية والمجازية التي كانت إما تُغفل أدبيَّة النص لحساب صرامة فيلولوجية مُبالغ فيها، وهذا منهج ريجيس بلاشير (1908 - 1978) في تَرجمته، أو بالعكس، تُفرط في إضفاء السمات الاستعارية إلى درجة تُثْقل النص وتجعله بارداً، غيرَ مفهوم، وكان هذا دأب جاك بيرك (1910 - 1995).

كانت ترجمة حميد الله أمينة، لم تثقلها محسّنات البلاغة (الفرنسية)، ولم تغب عنها صرامةُ العلماء. كما أنها تحاشت المفردات ذات المرجعية الإنجيلية والتوراتية التي كانت تتسرّبُ إلى ترجمات الفرنسيين، إذ كان غالبهم من رجال الدين المسيحيين أو اليهود، أو من المستشرقين ذوي التكوين الديني، فأسقطوا على النص المترجَم بعضاً من ميراثهم وسُننهم الثقافية حتى استحال كلامُهم خليطاً من المرجعيات غير المتجانسة.

لذلك، تُعدّ ترجمة حميد الله للقرآن من أهمّ الترجمات الفرنسية وأقربها إلى معاني "الكتاب" وأوفاها بأغراضه ومراميه. ولا شك أن المسلمين الناطقين بالفرنسية مدينون إلى عمله هذا الذي طُبعَ مرّات. وما أُنجِز بَعدَه لا يعدو أن يكون إلى حد كبير نقلاً منه، غايته تجارية محضة، أو تعديلات بسيطةٍ، يُهوَّل أمرُها لتظهر كأنها ابتداعٌ وتجويدٌ.

وقد اعتمد في ترجمته ودراساته القرآنية على النسخ الأصلية القديمة، يعود إلى صحائفها ويفكُّ شفراتها، ومن ذلك اشتغاله على نُسخ مصحف عثمانَ وغيرها من المصاحف القديمة في طشقند وإسطنبول والهند.

إلا أنَّ هذه الترجمة، على دقّتها، تفتقر إلى مزيد من الشروح والتعليقات التي يتطلّبها نص وعرٌ مثل القرآن. ولا يمكن للقارئ الفرنسي أن يلج إلى عوالمه الرمزية ويستسيغ وسائِله الأسلوبية وشفراته الثقافية إلّا عبر فضلٍ من البيان والتوسُّع. كما أنَّه اقتصر فيها على المعاني الظاهرة، وقد يكون أهمل بعضاً من الإشارات والإيحاءات المنطوية في الآيات، مع أنَّ "القرآن حمَّال وجوهٍ".

وأمّا كتابه "نبي الإسلام، سيرته وآثاره" (1959) الواقع في جُزأين، فسرْدٌ علمي متين للأحداث التي شكّلت سَدى السيرة النبوية ولحمتها. يختلف تماماً عن كل ما كُتب في هذا الموضوع بفضل دقّة تحاليله والإحصاءات التي تخص وقائع النبي. فقد حرص مثلاً على ذكر عدد القتلى، من الجانبيْن، في الغزوات، وهو نزرٌ يسير، ليدحضَ، بقوّة الأعداد، ما انتشر لدى الأوروبيّين من صورٍ دموية عن الإسلام ونبيه، أو بالأحرى ما حاول الاستشراق ثم الإعلام الغربي إلصاقه به. وقد اعتمد على مصادر ومخطوطات تُكتَشف لأول مرة، مثل الرسائل والوثائق الدبلوماسية التي أرسلها النبي إلى مَن عاصره من الملوك والأشراف. وجمعها بعد ذلك في كتابٍ مستقلٍّ بعنوان "وثائق عن الدبلوماسية الإسلامية" (1986).

قطعاً، كُتبت هذه السيرة بعيون المُؤمن، ولكنه مؤمن باحثٌ، تشرّب المناهج التاريخية والوضعية الألمانية والفرنسية حين كانت في أوجها، وأغناها بوثائق عديدة تثبت صحة نسبها إلى عصور الإسلام الأولى، مما يؤكد استعماله المنهجَ الوضعي المستند إلى الشواهد المادية وتحقيق الروايات.

عاش حميد الله عيشةَ النسّاك، متجنباً أضواءَ الصحافة ورافضاً جوائز الملوك وعطاياهم، ومن ذلك رفضه، بأدَبٍ جَمٍّ، هديةَ الملك فيصل سنة 1994. ومع ذلك، لم يحظ في حياته ولا بعد رحيله بما حظي به أشباه المثقّفين في فرنسا من الشهرة والظهور، مع أنه كان من الراسخين في ميدان الإسلاميات. فضَّل هذا الباحثُ وعورة المخطوطات على ضجيج المجادلات، فتركَ تآليفه تخاطب العقل الغربي وتسائل ضميره.

دلالات

المساهمون