محمد بن سلمان يمهّد طريقه للعرش بالاعتقالات... تدشين عهد الخوف؟

16 سبتمبر 2017
الصورة
يسيطر بن سلمان على السياسات الأمنية في السعودية (الأناضول)
تتفق غالبية التسريبات والتحليلات على أنّ ما يجري منذ أشهر في السعودية، سواء على مستوى القرارات والإجراءات الداخلية أو في نهج السياسة الخارجية، ما هو إلا تمهيد لتنازل الملك سلمان عن العرش لابنه ولي العهد الحالي، محمد بن سلمان، بعدما أزيح من دربه ولي العهد السابق محمد بن نايف. تسريبات الصحف والوكالات الغربية، تحديداً الأميركية عن مصادر في القصر الملكي السعودي، أشارت إلى شهر سبتمبر/أيلول الجاري، كموعد محتمل لهذا التنازل. 
وجاءت حملة القمع والاعتقالات الواسعة، التي تنفذها السلطات السعودية، منذ مطلع سبتمبر، لتؤكّد هذه التسريبات. وما تبرير السلطات، أيضاً عبر تسريبات لمصادر مجهولة مقرّبة من البلاط الملكي لصحف غربية، بأنّ الحملة تستهدف "إجهاض مخطط انقلاب ضدّ بن سلمان"، إلا مؤشر على أنّ الإجراءات الأخيرة تهدف إلى تثبيت حكم الأخير وتسليمه العرش، وقصقصة أجنحة أي معارضة افتراضية. غير أنّها في الوقت نفسه، تشير إلى وجود معارضة قوية، داخل الحكم وفي محيطه، لخطوة الملك سلمان تعيين ابنه ولياً للعهد وإطاحة محمد بن نايف،  كما تدلّ على أنّ بن سلمان يدشّن عهداً ظلامياً سبيله القمع وشعاره الخوف، كي يتمكّن من الحكم.

يستعرض "العربي الجديد"، في هذا التقرير، أبرز ما تضمنته الصحف الغربية والتسريبات في هذا الخصوص.

تصف صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، حملة القمع والاعتقالات الأخيرة بقولها إنه جرى خلال الأسبوع الماضي فقط، احتجاز 16 شخصا، من بينهم رجال دين إسلاميون بارزون وأكاديميون وشاعر واقتصادي وصحافي ورئيس منظمة شبابية وامرأتان على الأقل، وأمير وهو ابن ملك سابق، في إشارة إلى سلمان العودة وعوض القرني وعلي العمري وفهد بن عبدالعزيز، وغيرهم.

وقد تم اعتقال بعضهم من منازلهم في مداهمات غير معلنة من قبل قوات الأمن، وضُبطت أجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة والوثائق الشخصية الخاصة بهم. واحتُجز المعتقلون بمعزل عن العالم الخارجي، ولم يتضح ما إذا كانوا قد اتهموا رسميا بارتكاب جرائم. ولم تفصح المملكة العربية السعودية علنا ​​عن أي دليل قد يكون ضدهم.

وتشير إلى أن النشطاء السعوديين قاموا بتعميم قوائم تضم 30 شخصا أو أكثر يقولون إنهم احتجزوا، لكن حجم وهدف الحملة لا يزالان غامضين، حتى لأولئك الذين يخشون استهدافهم. غير أنّ صحيفة "وول ستريت جورنال" تشير إلى 40 شخصاً تم اعتقالهم في الحملة الأخيرة.

ووسط مبررات التآمر التي ساقتها السلطات السعودية لتبرير حملة الاعتقالات، تنقل "نيويورك تايمز" عن الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، الذي أوقف عن الكتابة ويقيم حالياً في الولايات المتحدة لأنه يخشى أن يتم اعتقاله إذا عاد إلى بلاده، "إنه أمر سخيف". ويرفض خاشقجي، حسب الصحيفة، الفكرة التي يروج لها مؤيدو الحكومة على وسائل التواصل الاجتماعي بأن الأفراد المحتجزين كانوا يتآمرون ضد البلاد.

ويضيف: "لم تكن هناك مؤامرات". "لم يكن هناك ما يدعو إلى مثل هذه الاعتقالات. إنهم ليسوا أعضاء في منظمة سياسية، وهم يمثلون وجهات نظر مختلفة". ولم يرد المسؤولون السعوديون على طلبات التعليق من الصحيفة أو من غيرها.

وتأتي هذه الحملة في وقت حرج للمملكة. خاصة أن انخفاض أسعار النفط أدى إلى زعزعة اقتصادها، واقترح ولي العهد الجديد إجراءات شاملة للحد من اعتماد المملكة على النفط. ويرى بعضهم الأمير البالغ من العمر 32 عاما جائعاً للسلطة مغروراً. وحتى لو كان هناك إصلاحات، فإنها يمكن أن تؤثر على السعوديين بشكل سلبي، ومن الوارد أن تخفض مستوى معيشتهم، وفق المصدر نفسه.

التمهيد لتوريث العرش؟

وفي شهر يوليو/تموز الماضي، نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مصادر لم تسمّها، أن الملك سلمان ربما يتنازل عن العرش في سبتمبر لابنه. فيما تابعت حينها وكالة "رويترز" نشر تفاصيل إضافية بهذا الخصوص، ونقلت عمن وصفته بشاهد في القصر الملكي السعودي أن "الملك سلمان سجل هذا الشهر (يوليو) بيانا يعلن فيه التنازل عن العرش لابنه وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وقد يذاع هذا الإعلان في أي وقت، ربما في سبتمبر".
وبخصوص الجناح المعارض لبن سلمان داخل الأسرة الحاكمة، كشفت الوكالة نفسها، نقلاً عن مصدرين سعوديين على صلة بالأسرة الحاكمة، أسماء بعض الأمراء، ذاكرة أن "الأعضاء الثلاثة الذين عارضوا البيعة لبن سلمان كولي للعهد بعد إطاحة محمد بن نايف من جميع مناصبه هم: أحمد بن عبد العزيز وزير الداخلية سابقاً، وعبد العزيز بن عبد الله ممثل أسرة العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله، والأمير محمد بن سعد النائب السابق لأمير الرياض".
ومع اعتقالات الجملة، التي شنّتها السعودية في هذا الشهر، تصاعدت التخمينات بقرب تسليم العرش. وحسب "نيويورك تايمز"، فإن هذه الاعتقالات ربما تهدف إلى تسهيل هذا الانتقال، من خلال القضاء على منتقدي سياساته.

وقد قاد محمد بن سلمان التدخل العسكري الذي تتزعمه السعودية في اليمن، والذي يجمع الخبراء على أنه فشل كثيرا في تحقيق أهدافه، إضافة إلى الحصار على قطر. ويتلقى الكثير من الانتقادات بخصوص ذلك، ما يجعله مضطرا إلى اعتقالات واسعة من أجل إسكاتها، قبل تسلمه الموعود للسلطة.

 وتشير صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، متفقة مع ما أوردته "نيويورك تايمز"، إلى أن الهدف الأساسي وراء هذه الحملة يرتبط بالتمهيد لاستلام ولي العهد الجديد للسلطة. وتنقل عن بعض المسؤولين والمراقبين السعوديين والأجانب أن المملكة تحاول القضاء على المعارضة الداخلية من أجل أن يوطد محمد بن سلمان سلطته، قبل أن يرث العرش من والده الملك سلمان.

ولا تختلف صحيفة "ذا غارديان" البريطانية مع هذا الطرح، وتعتبر في تقرير نشرته الخميس، أن هذا الهجوم يجيء وسط تكهنات مستمرة بأن بن سلمان يجهز نفسه من أجل الصعود إلى العرش، وربما في وقت مبكر من العام المقبل. ومع أن هناك نفيا رسميا لهذا الادعاء، إلا أن مقربين من السلطات السعودية، حسب الصحيفة، يصرون على أن هناك مخططا لتوريث العرش، لكنه سيكون ضمن شروط الملك سلمان.

وتذهب صحيفة "ذا إندبندنت" البريطانية، إلى نفس المذهب أيضاً، إذ قالت في تقرير نشرته مساء أمس، إن ولي العهد الإشكالي يستعرض سيطرته على السياسات الاقتصادية والديبلوماسية والأمنية في البلاد، فيما يبدو أنه تمهيد لتحول سياسي.

الصمت تهمة

وفرضت السعودية، حيث يتم حظر الأحزاب السياسية، الرقابة الإخبارية على وسائل الإعلام، وفرضت قيودا صارمة على التعبير، ولم تظهر الحكومة حتى الآن أي تسامح مع الآراء المعارضة.

وأعلنت مديرية أمن الدولة، الإثنين الماضي، أنها اعتقلت عددا من السعوديين والأجانب الذين كانوا يعملون "لصالح الأطراف الأجنبية ضد أمن المملكة".

وبعد ذلك بيوم، دعا حساب على شبكة الإنترنت تديره وزارة الداخلية، يشرف على قوات الأمن، المواطنين السعوديين إلى الإبلاغ عن أي شخص "نشر أفكارا إرهابية أو متطرفة"، من خلال تطبيق الهاتف المحمول الحكومي "نحن جميعا أمن"، الذي صمم لتسهيل الإبلاغ عن الجرائم.

ولم يدع أي من المعتقلين علنا ​​لإطاحة الحكومة أو يشجع على التطرف. ولكن منذ أن وصفت الحكومة قطر بأنها مؤيدة للإرهاب فإن أي متعاطف مع الدوحة مشتبه فيه.

وقال خاشقجي، إن السمة الوحيدة المشتركة بين المحتجزين هي أنهم لم ينضموا بشكل واضح إلى إدانة قطر. وأضاف أن هؤلاء هم الذين صمتوا أو رفضوا أن يشاركوا الحكومة في حملتها ضد قطر. "رأوا أن هذا ليس هو الشيء الذي يجب فعله، لكنهم لم يعارضوا الحكومة".


دوافع سياسية وراء الاعتقالات

ومن أبرز من تم اعتقالهم، كان سلمان العودة، رجل دين سعودي ولديه شعبية كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي. وبعد اتصال هاتفي بين أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، كتب عودة على "تويتر" أنه يأمل التوفيق بينهما.

وجرى اعتقاله من منزله خلال عطلة نهاية الأسبوع، ولم يعرف عنه شيء منذ ذلك الوقت، وفقا لثلاثة سعوديين يعرفونه. ومثل غيرهم من زملاء المحتجزين، تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم خوفا من إمكانية اعتقالهم أيضا. وهذا ما حدث فعلا لشقيق العودة، خالد، الذي اعتقل بعد تغريدة كتبها عن اعتقال أخيه.

وقال عبد العزيز الحسن، المحامي السعودي الذي يعيش في منفاه الذاتي في الولايات المتحدة بسبب نشاطه السياسي: "ما يحدث، لم أره في حياتي".

وبين أن الحكومة تتعامل منذ فترة طويلة مع المعارضين السلميين بهدوء، من خلال استدعائهم إلى مكاتب الأمن، وجعلهم يوقعون تعهدات بالبقاء على نفس خطها، قبل إطلاق سراحهم. ولكن هذه المرة مختلفة حسب الحسن، إذ إن الحكومة أرسلت قوات الأمن إلى ديارهم لاعتقالهم أمام زوجاتهم وأطفالهم، كما يفعلون مع الإرهابيين المشتبه بهم.

وقال الحسن إنه يعتقد أن حملة القمع كانت محاولة من ولي العهد لتعزيز سلطته. وتابع: "لا أحد سوف يسلب حكمك أو يحول دون أن تصبح ملكا". "إنها حقا نكتة".

وفي وقت سابق، قالت مديرة قسم الشرق الأوسط في "هيومن رايتس ووتش"، سارة ليا ويتسن: "يبدو أن لهذه الاعتقالات دوافع سياسية، وهي علامة أخرى على أنه لا مصلحة حقيقية لمحمد بن سلمان في تحسين سجل بلاده في حرية التعبير وسيادة القانون. ستضيع الجهود التي يبذلها السعوديون لمعالجة التطرف بلا جدوى، إن بقيت الحكومة تسجن كل شخص بسبب وجهة نظره السياسية".


تصفية من رفضوا تعيين بن سلمان

وبررت الحكومة السعودية في وقت سابق من الأسبوع الفائت حملة الاعتقالات بالقول إن المصالح الأجنبية تهدد الأمن القومى. وأمس الجمعة، ذهب بعض المسؤولين إلى أبعد من ذلك، قائلين إن العديد من المستهدفين كانوا على صلة بجماعة الإخوان المسلمين، المحظورة في المملكة، وأنهم شاركوا في المراحل الأولى من مؤامرة مناهضة للحكومة.

وقال مسؤول سعودي كبير أمس، حسب ما نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال"، إن "المجموعة التي تم اعتقالها تقوم بعمليات استخبارية ولها اتصالات مع كيانات أجنبية بما فيها جماعة الإخوان المسلمين".

وأضاف أن أعضاء المجموعة متهمون أيضا بتلقي دعم مالي من بلدين أجنبيين لم يكشف عن هويتهما، "بهدف زعزعة الأمن وتهديد الوحدة الوطنية، كخطوة أولى تجاه إطاحة الحكومة الشرعية لصالح تنظيم الإخوان المسلمين".

لكن الصحيفة في تقرير نشرته في وقت متأخر من أمس الجمعة، تذهب إلى أن هذا المبرر ليس مقنعا كثيرا، وأنه لا يتجاوز كونه مبررا تقليديا.

وتتابع: "واجه الصعود السريع إلى السلطة بعض المقاومة، إذ عارض العديد من الأمراء قرار الملك في حزيران/ يونيو بتعيين الأمير محمد وريثه، ليحل محل ابن عمه الأكبر، الأمير محمد بن نايف. ومنذ ذلك الحين، فرضت الحكومة قيودا على تحركات العديد من كبار الأمراء". وترى الصحيفة أن جزءا من هذه الحملة يرتبط ارتباطا وثيقا بهذه المعارضة.

وفي الأشهر الأخيرة، منعت الحكومة أيضا العديد من كبار الأمراء من السفر إلى الخارج، وفقا لعدة أشخاص مقربين من العائلة المالكة. وقالت الصحيفة في تقرير سابق قبل أيام إنها لم تستطع الوصول إلى أي من الأمراء من أجل الحصول على تعليق. 

وتحت قيادة ولي العهد محمد بن سلمان، تقوم الحكومة بإصلاحات اقتصادية جريئة، مثل خصخصة أصول الدولة وتخفيض الدعم، بهدف تقليص دور الدولة في الاقتصاد وتقليل اعتماد البلاد على عائدات النفط. وأدت هذه التدابير إلى إثارة السخط في بلد تصل البطالة فيه إلى نسب مرتفعة، ويشكو الكثيرون من نقص المساكن بأسعار معقولة. ويسعى بن سلمان إلى مواجهة أي انتقاد لهذه السياسات التي بدأ بها مؤخرا.


التدشين لزمن الخوف؟

وتتجاوز هذه الحملة حسب ناشطين تحدثوا مع الصحيفتين الأميركيتين، العديد من عمليات القمع التي شنتها الحكومة في الماضي، سواء في نطاق الأهداف أو من خلال التتبع المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي. ويقولون إن الحملة تستهدف أيضا أصواتا سياسية مستقلة.

وقالت مديرة حملات منظمة العفو الدولية في الشرق الأوسط، سماح حديد: "في السنوات الأخيرة، لا يمكننا أن نتذكر أسبوعا تم فيه استهداف عدد كبير من الشخصيات السعودية البارزة" مثل هذه الفترة. وأضافت أنه "من الواضح أن القيادة الجديدة بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تبعث برسالة مرعبة: لن يتم التسامح مع حرية التعبير".

ورفض المسؤولون السعوديون التعليق على أسئلة "وول ستريت" حول توريث العرش المحتمل، كما سبق أن رفضوا التعقيب على استفسارات "نيويورك تايمز".

وفي الخلاصة، فإنّه أياً تكن الخطوة المنتظرة من العرش السعودي، فإن محمد بن سلمان لن يستطيع أن يحكم سوى بالقمع والخوف؛ فالمعارضة المكتومة داخل الأسرة الحاكمة، ورؤية 2030 الاقتصادية المشلولة، والتي استدعت إجراء تغييرات عليها بسبب فشلها، والسياسة الخارجية العدوانية المتوّجة بحملة حصار على قطر، الدولة العضو في مجلس التعاون الخليجي، والتوتر المتصاعد في المنطقة الشرقية، وقمع حرية التعبير على وسائل التواصل الاجتماعي في بلد تمثل نسبة الشباب الغالبية العظمى من سكانه، وقمع أي صوت معارض، وحتى حرية الصمت؛ جميعها مؤشرات على أنّ المملكة في طريقها إلى عهد ظلامي جديد، آيل للانفجار.