محمد بن سلمان في انتكاساته

محمد بن سلمان في انتكاساته

26 يونيو 2019
الصورة
+ الخط -
لا يشبه الصعود الدراماتيكي لولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، سوى الانحدار الدراماتيكي السريع له، بسبب انتكاساته المتتالية بعد وقت قليل من تبوئه منصبه، على أثر إطاحة ولي العهد محمد بن نايف. وإذ يصادف هذه الأيام مرور سنتين على توليته، فإن الرجل يبدو مثقلاً بالهواجس التي تؤرقه بسبب تداعيات أعماله، وخصوصاً منها اللعنتين اللتين لحقتاه؛ عالمياً، بسبب جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وداخلياً، بعد الاندفاعة الجديدة في شكل الحرب على اليمن، وانتقال معاركها إلى الداخل السعودي. وبين هذه وتلك تكمن عوامل أخرى، لها من التأثير ما يجلب له الإحباط الذي عادة ما ينكره.
من صفات محمد بن سلمان التسرع والعجلة للوصول إلى أهدافه، حتى قبل أن يتسلَّم منصبه هذا، بعد أن أصدر والده، الملك سلمان بن عبدالعزيز، أمراً ملكياً، في 12 يونيو/ حزيران 2017، عزل بموجبه ولي العهد السابق، محمد بن نايف، وعيّنه بدلاً منه. ومن صفات المتسرّع ألا يقيم وزناً لأعرافٍ أو حقوقٍ، لذلك كانت الحرب العبثية التي أعلنتها السعودية وحلفاؤها على اليمن، في مارس/ آذار 2015، حين كان بن سلمان وزيراً للدفاع، في مغامرةٍ غير محسوبة النتائج. وقد أدّى به هذا التسرّع إلى اقتراف أخطاء عديدة كانت بمثابة انتكاساتٍ له ولسياساته، ويقول محللون إنها ستؤثر على مستقبله السياسي.
كما كان للتسرُّع كلفة باهظة، جعلَ المملكة تدفع ثمنها نقداً للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، 
وتفيد الوقائع بأنها ستبقى تفعل ذلك صاغرةً وحتى إشعار آخر. إذ يرجِّح كثيرون أن ثمن سكوت الولايات المتحدة، ودول كثيرة في الغرب، على انتهاكات بن سلمان في اليمن وفي الداخل السعودي، علاوة على التغيير الذي أتى به إلى موقع ولي العهد، والدور الشخصي لترامب في تكريسه فيه، هو الصفقات التي عقدها ترامب مع السعودية، والتي وصلت قيمتها إلى مئات مليارات الدولارات التي تستنزف مواردها وتفرغ خزينتها لصالح تلبية مطالبه الدورية، والتي لا تتوقف.
غير أن ملياراته لترامب لم تنفعه؛ إذ تكلّلت انتكاساته، وفي فعلٍ يدلِّلُ على أنه وصل إلى مرحلةٍ ظنَّ فيها أن ملياراته يمكنها أن تجعل كل شيء مباحا له، حين أصدر قرار اغتيال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، وهو ما كان العامل الرئيس في تغيير صورة المُصلح التي أراد الظهور بها أمام الغرب والعالم، إلى صورة المستبد الذي لا يقيم لحقوق الإنسان أي اعتبار. وبقيت هذه الانتكاسة قابلةً للقفز عليها، حتى جاء تقرير مقرّرة الأمم المتحدة لشؤون جرائم القتل والإعدام التعسفي، أغنيس كالامارد، قبل أيام، وأكد على وجود أدلة تستوجب التحقيق القضائي مع بن سلمان، استناداً إلى واقعة استخدام موارد الدولة السعودية لتنفيذ جريمة القتل التي قال التقرير إنها جريمة قتلٍ عمد.
ولم تكن هذه الجريمة لتنفَّذ لولا صدور أوامر عليا دفعت لتنفيذها. وتُعدُّ هذه الجزئية بمثابة لائحة اتهام للرجل وأعوانه بمسؤوليتهم الجنائية عن الجريمة. وإن كانت أعماله تحوّلت 
انتكاساتٍ له، فإن التقرير يدفعنا إلى تصنيفها مصيبة وقعت على رأس الرجل، حين جرى توصيف الجريمة دوليةً، ما يفرض على أي دولةٍ يزورها أن توقفه لتقدّمه للمحاكمة أمام محاكمها، أو أمام أي محكمةٍ تراها. ولإنفاذ هذا الأمر، طالب التقرير بتدويل القضية، من أجل فتح تحقيقٍ دوليٍّ مستقل، يمْثُل الجناة بموجبه أمام هيئة دولية.
ستكون هذه القضية فاتحةً لبدء الخوض في ملفاتٍ حقوقية أخرى، كان لمحمد بن سلمان يد في ظهورها. ومع أن التقرير قد أشار إلى قضية الناشطات والناشطين الحقوقيين المعتقلين في السجون السعودية، وقضية الصحافيين والكتاب ومشايخ الدين وغيرهم ممن جرى إعدامهم أو تغييبهم، إلا أنه سيفتح الباب أمام التحقيق في جرائم الحرب، والانتهاكات بحق المدنيين التي اقترفتها القوات السعودية في اليمن. ولا يغيب عن البال قضية المتضرّرين من الحصار الذي فرضته عدة دول خليجية ومصر على دولة قطر، في 5 يونيو/ حزيران 2017، بإيحاء من السعودية، في قرارٍ كان لبن سلمان اليد الطولى فيه.
ومن سخريات القدر أن جميع أعمال بن سلمان جلبت له المصائب، وكانت بمثابة انتكاساتٍ لأنها جرَت بعكس الوجهة التي أرادها، فبالنسبة لحصار قطر، وعلى الرغم من الأضرار التي لحقت بهذه الدولة من الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين ومصر لإجبارها على الخضوع للأوامر الـ13 التي تمسّ سيادتها، إلا أنه كان دافعاً لها من أجل الاعتماد على الذات من الناحية الاقتصادية، لتعويض السلع والأدوية التي منعت دول الحصار دخولها إليها. ودفعها الحصار، من الناحية السياسية، إلى تحسين علاقاتها وتحالفاتها مع دول الجوار، ودولٍ في شرق آسيا. كما دخلت في مرحلة تقليل التوتر مع إيران. ولعل ما أصبحت عليه علاقتها معها أن يكون قدوةً تحذوها دول الخليج، لتخفيف التوتر مع هذه الدولة. ومن هنا، يتبين أن الدخول في مفاوضاتٍ لتسوية النزاعات معها هو الأمر الوحيد الكفيل بوقف مهرجان قرع طبول الحرب معها الذي تقوده الولايات المتحدة، وترقص فيه دولٌ عربية، وفي مقدمتها السعودية.
وينسحب هذا الأمر على الحرب على اليمن التي تعد من أقسى انتكاساته؛ إذ بدأ الحوثيون ينقلون المعركة إلى داخل الأراضي السعودية. ومع أن تلك الحرب، والتي كان محمد بن سلمان يترأس وزارة الدفاع حين شنّتها بلاده ودول عربية أخرى على اليمن، لم تحقق أيا من أهدافها، 
إلا أن هذه الدول لم تبادر إلى المفاوضات مع الحوثيين لإنهائها، ووقاية الشعب اليمني من مزيد من مصائبها. وهي قد تحولت إلى انتكاسةٍ لبن سلمان، بسبب تكلفتها العالية على اقتصاد بلاده، من جهة، وبسبب الوضع الأمني الذي فرضته في المملكة بعد ضربات الحوثيين الجوية على المطارات وخطوط نقل النفط وغيرها من المصالح الاقتصادية الحيوية، من جهة أخرى.
إن لم تكن تلك انتكاساتٍ، يظهر أن بن سلمان لا يقرّ بها، فإن صورته معزولاً يتحاشاه الجميع في اجتماع قمة العشرين في الأرجنتين، أواخر السنة الماضية، هي أبلغ صورةٍ لمذنبٍ منبوذ. ولأن قضايا مستجدة في عهده، وتمس حقوق الإنسان، ومنها قضية خاشقجي، قد أصبحت قضية رأي عام، فإن أحلام الرجل في رؤية بلاده لسنة 2030 قد أخذت تتكسَّر، بعد تفادي شركات استثمار كثيرة في المملكة، وبعد هروب رؤوس الأموال السعودية إلى الخارج، بعد واقعة "ريتز كارلتون"، واحتجاز مئات رجال الأعمال فيه وسحب اموال لهم. وإن لم تكن هذه جميعها انتكاساتٍ يعيشها ولي العهد، على أثر مغامراته، فلا شيء بعدها يمكن تصنيفه في فئة الانتكاسات.