محطة في تطبيع أوروبا علاقاتها مع نظام السيسي

محطة في تطبيع أوروبا علاقاتها مع نظام السيسي

25 يوليو 2017
الصورة
+ الخط -
يمثل انعقاد اجتماع مجلس الشراكة المصري اﻷوروبي اليوم (25 يوليو/ تموز 2017) في بروكسل، الانطلاق الرسمي لتجدّد مشروع الشراكة المصرية الأوروبية، بعد أن توقفت مجالس الشراكة المصرية اﻷوروبية منذ إبريل/ نيسان 2010، وتأخر تحديث أطر الشراكة بين مصر والاتحاد اﻷوروبي سنوات، نتيجة التحولات السياسية التي مرت بها مصر منذ عام 2011. وكانت منظمات حقوقية دولية ومصرية قد دعت الاتحاد اﻷوروبي إلى عدم عقد هذا الاجتماع، معتبرة أن المضي في تطوير الشراكة المصرية اﻷوروبية في وقتٍ تشن فيه السلطات المصرية حملة مسعورة ضد الحقوق والحريات العامة، بمثابة مكافأة لا تستحقها حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتستّراً على جرائم نظامه التي لم تشهدها مصر عبر تاريخها الحديث. أضاع الاتحاد اﻷوروبي فرصة ثمينة لتوظيف عقد هذا الاجتماع السياسي، رفيع المستوى، للضغط لتحسين أوضاع حقوق الإنسان، في وقت تتطلع فيه حكومة السيسي إلى الاجتماع لاعتماد اﻷولويات الجديدة للشراكة المصرية اﻷوروبية، اﻷمر الذي سيعقبه تبنّي حزمة جديدة من المساعدات المالية للحكومة المصرية بين عامي2017-2020.
ويرى مسؤولو الاتحاد اﻷوروبي أن وجود مثل هذه الآليات والمنابر الحوارية مع الحكومة المصرية يسهّل طرح قضايا حقوق الإنسان. بشكل عام، نادراً ما يلجأ اﻻتحاد اﻷوروبي إلى تطبيق سياسات عقابية، في إطار سياساته الخارجية تجاه انتهاكات حقوق الإنسان، على عكس فرض الشروط والمتابعة اﻷكثر حزماً في ما يتعلق بتحرير التجارة، واستقبال الصادرات المصرية في اﻷسواق اﻷوروبية بمعايير جودةٍ معينة، وتحسين مناخ اﻻستثمارات اﻷجنبية، والتعاون في مجالات الأمن ومواجهة الهجرة غير المنتظمة. وقد كان أولى بالاتحاد اﻷوروبي، في ظل سلسلة اﻷزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية الحالية في مصر، وما تشكله من تهديدٍ لأمن المنطقة واستقرارها ككل، أن يكون على قدر أكبر من المسؤولية السياسية واﻷخلاقية في مقاربته الأوضاع الداخلية في مصر، خصوصا أن دولا أوروبية كثيرة عززت، في الفترة اﻷخيرة، بشكل مباشر من إمكانات مؤسسات القمع في مصر وقدراتها عبر التعاون العسكري واﻷمني.

مسار الشراكة وتحولاته
تمثل الشراكة اﻷوروبية المتوسطية اﻹطار العام لتطوير الاتحاد اﻷوروبي علاقاته مع دول
جنوب المتوسط. وقد صادق البرلمان المصري على اتفاقية الشراكة المصرية اﻷوروبية في يونيو/ حزيران 2004، وتنص المادة الثانية منها على اعتبار حقوق الإنسان عنصراً جوهرياً في العلاقات المصرية اﻷوروبية. وبمقتضى هذه المادة، يجوز ﻷحد أطرف اﻻتفاقية تجميد تنفيذ جزء من اﻻتفاقية، أو كلها، إذا قام الطرف الآخر بتجاوزات جسيمة لحقوق الإنسان. شاركت مصر في ما يعرف بسياسة الجوار اﻷوروبية، وهي إحدى آليات الشراكة اﻷوروبية المتوسطية، والتي أطلقها اﻻتحاد اﻷوروبي عام 2004 لتعزيز اﻻستقرار واﻷمن في الدول المجاورة لحدوده من جهتي الشرق والجنوب. طبق اﻹصدار اﻷول سياسة الجوار من 2007 إلى 2010، معتمدة على خطط عمل مشتركة بين اﻻتحاد اﻷوروبي ودول الجوار، تضم تعهدات بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنيه شاملة. ويتعهد اﻻتحاد اﻷوروبي بتقديم مساعداتٍ مالية لدول الجوار لتنفيذ هذه الإصلاحات. وقد مرّت سياسة الجوار بعملية مراجعة وتعديل من الجانب اﻷوروبي عقب اندلاع الثورات العربية عام 2011، وتعهد اﻻتحاد اﻷوروبي بتقديم دعم مالي، وتعزيز للعلاقات مع دول الجوار التي تنجح في تعميق الديمقراطية، لكن سياسة الجوار خضعت لمراجعة أخرى عام 2015، على ضوء تعثر التحولات السياسية في بلدان عربية عديدة، وانتشار النزاعات المسلحة، وتصاعد اﻹرهاب، وزيادة موجات الهجرة واللجوء إلى أوروبا من جنوب المتوسط بشكل غير مسبوق.
أخذ اﻹصدار اﻷخير لسياسة الجوار اﻷوروبية منحىً محافظاً، حيث سعى اﻻتحاد اﻷوروبي إلى منح أولوية قصوى للاستقرار في دول الجوار، وتطوير أولويات التنمية بشكل مشترك، يأخذ في اعتباره ظروف كل دولة على حدة، ويسلم بأنه ليست لدى كل دول الجوار الرغبة في تطبيق المعايير نفسها التي تحكم الدول اﻷوروبية. وفي هذا اﻹطار، استغنى اﻻتحاد اﻷوروبي عن سياسة المشروطية الإيجابية في تنفيذ إصلاحات حقوق الإنسان والديمقراطية، وسيتم اﻻتفاق على تقييم تنفيذ أولويات الشراكة بشكل مشترك بين اﻻتحاد اﻷوروبي وكل دولة منخرطة في سياسة الجوار، بديلاً عن التقارير التي كانت تنشرها المفوضية اﻷوروبية حول تقييم مدى التزام الدول الشريكة ببنود خطط العمل. وقد تم التوصل إلى اﻷولويات الجديدة للشراكة المصرية اﻷوروبية في ديسمبر/ كانون الأول 2016، والتي سيجري اعتمادها رسمياً في اجتماع مجلس الشراكة في بروكسل، لتشكل الإطار الجديد للتعاون بين الطرفين. وتنص اﻷولويات على تحديث الاقتصاد المصري والتنمية اﻻجتماعية، والتعاون في السياسة الخارجية، ودعم الاستقرار من خلال تعزيز الديمقراطية، ومواجهة الإرهاب، وتحقيق اﻷمن، والتعاون في مجال الهجرة وانتقال اﻷفراد. وتتضمن اﻷولويات بنوداً تتعلق بحقوق اﻹنسان، وحكم القانون، بشكل أقل تفصيلاً وبصورة أضعف مما كان عليه اﻷمر في خطط عمل سياسة الجوار اﻷوروبية، لكن وجود هذه البنود تعطي شرعية قانونية وأخلاقية للمجتمع المدني، لوضع هذه القضايا على أجندة العلاقات المصرية اﻷوروبية.

بين اﻹدانة والتواطؤ
احتدّت اللغة الدبلوماسية الرسمية من اﻻتحاد اﻷوروبي في مواجهة السلطات وجرائمها خلال العام اﻷول عقب إطاحة الجيش الرئيس محمد مرسي في يوليو/ تموز 2013، فقد وجهت
خلاصات مجلس اﻻتحاد اﻷوروبي للشؤون الخارجية، والمكون من وزراء خارجية دول اﻻتحاد اﻷوروبي، انتقاداتٍ حادة للحكومة المصرية في 21 أغسطس/ آب 2013 ثم في 10 فبراير/ شباط 2014، وألمح إلى إمكانية تجميد المساعدات المالية للحكومة المصرية عبر مطالبته المفوضية اﻷوروبية لتقييم المساعدات على ضوء التزام مصر بمبادئ الشراكة. وﻷول مرة في تاريخ العلاقات بين الطرفين، يوصي المجلس الدول اﻷعضاء بتجميد تصدير اﻷسلحة والمعدات التي "يمكن أن تستخدم في القمع الداخلي" من اﻷجهزة اﻷمنية المصرية. ودعا المجلس الدول اﻷعضاء أيضاً إلى تقييم ومراجعة المساعدات اﻷمنية لمصر. في اﻹطار نفسه، انضمت دول اﻻتحاد اﻷوروبي إلى بيان شديد اللهجة ضد انتهاكات حقوق الإنسان في مصر إلى جانب دول أخرى في الجلسة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف في مارس/ آذار 2014. وقد سارت أوروبا، في هذا الموقف، مع التصعيد الذي اتبعته إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، في الولايات المتحدة اﻷميركية تجاه النظام المصري، وقرارها بتجميد المعونة العسكرية السنوية للجيش المصري، القرار الذي استمر حتى مارس/ آذار 2015.
لم تلتزم دول أوروبية كثيرة، ومنها اﻷكثر نفوذا في الاتحاد اﻷوروبي، بتوصية المجلس اﻷوروبي تجميد تصدير اﻷسلحة إلى مصر، على الرغم مما ينقل في اﻹعلام الدولي، وما هو موثق في تقارير اﻷمم المتحدة، والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان بشأن ارتكاب السلطات المصرية جرائم مروّعة، مثل القتل خارج نطاق القانون، والعقاب الجماعي للمدنيين، خصوصا في سيناء، والاختفاء القسري، جريمة التعذيب. وحسب تقرير لمنظمة العفو الدولية في مايو/ أيار 2016، بلغ حجم اتفاقات مبيعات اﻷسلحة والذخائر لمصر خلال عام 2014 أكثر من 6 مليارات يورو. ضمت الدول اﻷكثر تصديراً للأسلحة للمؤسسات العسكرية واﻷمنية المصرية كلاً من بلغاريا، التشيك، فرنسا وإيطاليا، وتعاملت مصر أيضاً مع المملكة المتحدة، ألمانيا، المجر، بولندا، بلغاريا، قبرص، رومانيا، سلوفاكيا، وأسبانيا. واستوردت السلطات المصرية أجهزة تجسّس إلكترونية متطورة، استخدمت في مراقبة النشطاء من شركات في ألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة وفرنسا. كما لم يؤثر ملف حقوق الإنسان على المساعدات المالية الممنوحة من مؤسسات اﻻتحاد اﻷوروبي للحكومة المصرية، فعلى الرغم من أن حجم المساعدات الفعلية الممنوحة للجانب المصري كان قد انخفض عام 2013، عقب إطاحة الرئيس السابق محمد مرسي، إلا أن المساعدات المالية استمرت عام 2014 للحكومة المصرية. كما وافق البنك اﻷوروبي ﻹعادة اﻹعمار والتنمية في أكتوبر/ تشرين الأول 2015 على اعتبار مصر دولة عمليات للبنك، اﻷمر الذي مهد لتمويل البنك مشروعات كبرى في مصر. وجاء اﻻعتماد بعد عملية تقييم هزيلة وغير شفافة، قام بها البنك للوضع السياسي والحقوقي في مصر.
وقد شهدت العلاقات بين القاهرة والاتحاد اﻷوروبي توترا بعض الوقت، بعد الجريمة البشعة لاختفاء الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، وتعذيبه وقتله، في مصر، اﻷمر الذي دفع البرلمان اﻷوروبي إلى تبني قرار عاجل في 10 مارس/ آذار 2016 دان فيه مقتل ريجيني، ومنتقداً تصاعد موجات اﻻعتقالات التعسفية، والتعذيب، واﻻختفاء القسري، وتقييد حرية الرأي والتعبير، والتضييق على منظمات حقوق الإنسان ونشطائها. على الرغم من أن هذه الجريمة وترت العلاقات المصرية الإيطالية، إلا أنها لم تؤثر على علاقة التعاون الوثيق بين حكومة البلدين، خصوصا في ظل تساهل الحكومة الإيطالية حتى الآن في الحصول على حق هذا الشاب، على الرغم من وجود أدلة وشواهد تثبت تورط أجهزة اﻷمن المصرية في الجريمة التي أثارت الرأي العام الإيطالي، ودفعت مؤسسات المجتمع المدني واﻹعلام الإيطالي إلى ممارسة ضغوط على القضاء والحكومة لمحاسبة قتلة روجيني. وقد شجع تخاذل الحكومة الإيطالية والحكومات اﻷوروبية في التصدّي لهذا اﻹجرام أجهزة اﻷمن والمخابرات المصرية، في سابقةٍ جديدة، لتهديد مجموعة بارزة من المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان المصريين الذين اجتمعوا في أبريل/ نيسان الماضي في روما، في مؤتمر حقوقي بدعوة من الشبكة اﻷوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان، وكذلك مراقبتهم والتجسّس عليهم.
وقد دان مسؤولون في وحدة الشؤون الخارجية في المجلس اﻷوروبي، والممثل اﻷوروبي الخاص بحقوق الإنسان، وبعض الحكومات اﻷوروبية، في بعض المناسبات خلال الشهور السابقة، انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، لكن معظم بياناتهم جاءت بلغة ضعيفة للغاية، لا تضاهي خطورة اﻷوضاع، وخصوصا في مواجهة الخطوات القانونية واﻷمنية والقضائية التي اتخذتها السلطة لتصفية حركة حقوق الإنسان المصرية، في وقت تحتفي فيه آليات الشراكة اﻷوروبية المتوسطية بالمجتمع المدني، ودوره في التنمية والاستقرار.

تفسير التراجع
تتطلب معظم قرارات السياسة اﻷوروبية الخارجية واﻷمنية المشتركة إجماعاً بين الدول
اﻷعضاء، وهو أمرٌ يصعب تحققه تجاه مصر في ظل الانقسام في الرؤى بين الدول اﻷوروبية حول التعامل مع نظام عبد الفتاح السيسي، واستراتيجيات تحقيق اﻷمن واﻻستقرار في المنطقة العربية بشكل عام. وقد عزّزت من الانقسامات في السياسة الخارجية اﻷوروبية، في اﻷعوام اﻷخيرة، اﻷزمات الداخلية التي شهدتها أوروبا مع قرار المملكة المتحدة الانسحاب من الاتحاد اﻷوروبي، وتصاعد التيارات اليمينية المتطرّفة والانعزالية في بلدان أوروبية كثيرة، وتصاعد حضورها السياسي مع تزايد اﻷعمال الإرهابية، وموجات الهجرة واللجوء القادمة من منطقة الشرق اﻷوسط، فهناك دول، مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا والتشيك والبرتغال وإيطاليا والدنمارك، والتي لا تسعى إلى أخذ قضايا حقوق الإنسان إلى مرحلةٍ أبعد من الحوار السياسي والدبلوماسي مع الجانب المصري، حيث ترتبط بعض هذه الدول بعلاقاتٍ اقتصادية وأمنية وعسكرية متميزة مع مصر. وتعد كل من السويد وهولندا وفنلندا وسلوفينيا ولاتفيا وليتوانيا من أكثر الدول حرصاً على بلورة مواقف فعالة للاتحاد اﻷوروبي تجاه انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وخصوصا تجاه الحملة اﻷمنية والقضائية ضد منظمات حقوق الإنسان ونشطائها، لكن هذه الدول لا تمتلك النفوذ والتأثير داخل مؤسسات اﻻتحاد اﻷوروبي، لإحداث تغيير نوعي في السياسات الخارجية للاتحاد تجاه الحكومة المصرية. وهناك دول حليفة بشكل كامل للجانب المصري، بل وتقف، في معظم اﻷحيان، في مواجهة أي تصعيد محتمل من الجانب اﻷوروبي، رد فعل على تدهور حقوق الإنسان في مصر، وهي اليونان، وقبرص والمجر ومالطا وبولندا. وقد كان لضغوط دولٍ، مثل المجر واليونان، تأثير مباشر على سحب الاتحاد اﻷوروبي بيانه حول حالة حقوق الإنسان في مصر من مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في جلسته العامة في يونيو/ حزيران الماضي.
وأخيراً، على الرغم من الوثائق الاستراتيجية اﻷوروبية الرسمية، ومواقف البرلمان اﻷوروبي، تشير إلى وجود حالةٍ من القلق تجاه مستقبل الاستقرار السياسي والتماسك المجتمعي في مصر التي تعد أكثر الدول كثافة للسكان جنوب المتوسط، وانعكاسات أوضاعها المحلية على الاستقرار اﻹقليمي، إلا أن الاتحاد اﻷوروبي لم ينجح في استثمار آليات والفرص المتاحة له في علاقاته بالحكومة المصرية، للضغط عليها، أو تحفيزها لتغيير نهجها الداخلي، خصوصا في ما يتعلق بقضايا الحريات العامة، أو حرية المجتمع المدني واستقلاله، مكرّراً أخطاء الماضي في حصول الدول المستبدّة الشريكة له، كما كان الحال وقت حكم الرئيس السابق مبارك، على مختلف الامتيازات الاقتصادية والأمنية والعسكرية التي تكرّس الاستبداد، وتخدم استقرار القائمين على الحكم من دون تقديم شيء يذكر لصالح الشعوب.