محطات من الضربات الموجعة للمعارضة الكويتية

06 فبراير 2019
الصورة
بدأت المعارضة تتنظّم بعد فضّ ندوة بمنزل الحربش(فرانس برس)
+ الخط -
بعد إعلان مجلس الأمة الكويتي (البرلمان) إسقاط عضوية النائبين جمعان الحربش ووليد الطبطبائي على خلفية حكم السجن الصادر بحقهما في قضية دخول مجلس الأمة واقتحامه عام 2011 إبان الاحتجاجات الشعبية ضدّ رئيس مجلس الوزراء السابق الشيخ ناصر المحمد الصباح، بات من الواضح أنّ الحكومة الكويتية قد وجهت لكتلة المعارضة الشعبية ضربة قاسية.

وبدأت كتلة المعارضة تنظيم نفسها في الكويت بعد فضّ القوات الخاصة (الأمن الداخلي) ندوة سياسية عقدت في منزل النائب السابق والقيادي الإسلامي، جمعان الحربش، أواخر عام 2010، لكنّ الأمور انفجرت في العام التالي (2011)، حين اقتحم نواب في البرلمان برفقة معارضين شباب مبنى مجلس الأمة، احتجاجاً على وجود شبهات فساد تحوم حول عدد من مسؤولي الحكومة، ليقرر رئيس مجلس الوزراء آنذاك الشيخ ناصر المحمد الصباح الاستقالة من منصبه واعتزال العمل السياسي، ويعلن أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، الدعوة إلى انتخابات جديدة للبرلمان، انتصرت فيها كتلة المعارضة بأغلبية ساحقة في أوائل عام 2012.

واستطاعت المعارضة في البرلمان، والتي يتكّون أغلبها من إسلاميين وقبليين انتخبوا بتأثير من الربيع العربي، التحكّم بالأغلبية النيابية للمرة الأولى في تاريخ البرلمانات الكويتية. لكن المحكمة الدستورية فاجأت الجميع بعد أشهر فقط بإعلان بطلان الدعوة للانتخابات وحلّ مجلس الأمة المعارض، ليقرّر أمير الكويت الدعوة لانتخابات جديدة مع إقرار تعديلات على النظام الانتخابي تحجّم من صلاحيات كتل المعارضة. وأدت هذه التطورات إلى تنظيم احتجاجات شعبية عارمة بين عامي 2012 و2014، قبل أن تتوقّف هذه الاحتجاجات بسبب قرارات الحكومة سحب الجنسية الكويتية من بعض عائلات المعارضين.

لكن توقّف الاحتجاجات في الشارع لم يوقف زخم المعارضة، التي حاولت الضغط عبر إقامة الندوات والفعاليات ومن خلال الزخم الإعلامي المتواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يدعو أمير الكويت لانتخابات جديدة في عام 2016، كان الهدف الرئيسي منها هو دعوة المعارضة للعودة إلى البرلمان. وهو ما تمّ فعلاً عبر مشاركة غالبية المعارضين في الانتخابات ونجاح زعمائهم، ومنهم النائبان جمعان الحربش ووليد الطبطبائي، وسط إحجام أكبر زعماء المعارضة، مسلم البراك، عن المشاركة فيها.

وفور نجاح المعارضة في الانتخابات، بدأت المفاوضات مع الحكومة وتمّ الاتفاق على التهدئة وعدم القيام بالاستجوابات الموجهة للوزراء وتمرير عدد من القوانين غير الشعبية، منها فرض ضريبة القيمة المضافة، مقابل وعود حكومية بإعادة الجنسيات لكافة من سحبت منهم لأسباب سياسية، والعفو عن المحكومين بسبب قضايا سياسية، وإعادة جميع اللاجئين السياسيين في الخارج.

لكن الحكم النهائي الذي أصدرته محكمة التمييز في البلاد منتصف عام 2018، بحبس 16 متهماً بينهم نواب حاليون وسابقون في مجلس الأمة، نتيجة اقتحامهم البرلمان، أدى إلى بعثرة الأوراق السياسية وتوجيه ضربة قوية للمعارضة، التي قرّر قادتها الذين صدرت بحقهم أحكام السجن الخروج من البلاد والإقامة في الخارج، ومنهم مسلم البراك وفيصل المسلم ومبارك الوعلان. كما قرر النائبان الحاليان اللذان صدر بحقهما حكم السجن، الحربش والطبطبائي، الخروج واللجوء إلى تركيا.

ونجحت المعارضة في حشد أصواتها والتحالف مع نواب موالين للحكومة للتصويت على عدم إسقاط عضوية النائبين بعد حكم السجن الصادر بحقهما، بحجة أنّ المجلس سيد قراراته وأنّ إسقاط العضوية لا يمكن أن يكون إلا عبر قرار من المجلس نفسه. لكن طعناً قُدّم للمحكمة الدستورية على المادة 16 من اللائحة الداخلية للبرلمان، أدى إلى إجبار مجلس الأمة على إسقاط العضوية إذعاناً للمحكمة الدستورية التي أيدت إلغاء المادة القانونية.

وأسفر القرار عن صدمة جديدة في أوساط المعارضة التي تمزّقت مرة أخرى بسبب السجالات  والتباينات حول الحلّ الأمثل للتعامل مع هذه الأزمة. وعقدت اجتماعات عدة قبل مقابلة أمير الكويت، ثمّ طرح حلول منها تقديم استقالة جماعية لـ15 نائباً متضامناً مع النائبين المقالين، لكن هذا الحلّ واجه رفضاً واسعاً من غالبية النواب، ليطرح بعضهم طلب العفو العام، مقابل اعتذار علني يقدمه جميع المعارضين إلى أمير البلاد.

أمّا المعارضة الخارجية المكونة من نواب سابقين وزعماء سياسيين وشباب من نشطاء الحراك المعارض، فتعاني من التمزّق أيضاً، وسط اختلاف بين مكوناتها في وجهات النظر حول الأزمة المستعصية. ويفضل تيار من الشباب الحصول على عفو خاص من قبل الحكومة والعودة إلى الكويت مع حرمان كامل من الترشّح والانتخاب في الفعاليات السياسية كافة، وفق القانون الكويتي. لكن كبار قادة المعارضة يفضّلون الحصول على "عفو عام" يتيح لهم العودة إلى البرلمان وممارسة النشاط السياسي من جديد، بينما يفضّل تيار آخر التصعيد بوجه الحكومة من الخارج وفتح قنوات مع المنظمات الحقوقية والغربية.

وفي السياق، اعتبر حماد النومسي، رئيس حزب المحافظين المدني الذي يصنّف على أنه أحد الأحزاب الإصلاحية (المعارضة)، في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "إسقاط عضوية الحربش والطبطبائي كان خطيئة دستورية". وعن الحلّ الأمثل للمواجهة مع الحكومة، قال النومسي "لا أؤيّد الدعاوى الصادرة من قبل بعض المعارضين للتصعيد الإعلامي مع الحكومة من الخارج، والاستقواء بالصحف الغربية، والحلّ الأمثل من وجهة نظري هو استقالة جماعية من البرلمان لتصبح الانتخابات التكميلية على 20 مقعداً من أصل 50، وهو ما يمثّل أزمة كبيرة بالنسبة للحكومة ستضطر على أثرها لتقديم الاستقالة أو حلّ البرلمان بالكامل".

لكن نائباً إسلامياً في البرلمان، فضّل عدم الكشف عن اسمه، قال لـ"العربي الجديد" معلقاً على رأي النومسي "إنه رأي مندفع ولا يمكن القبول به، وتكرار الأخطاء نفسها مع الحكومة هو أمر غبي، فالشارع السياسي في الكويت عام 2019، ليس هو نفسه الشارع السياسي عام 2012، والاعتقاد بأنّ الاستقالة الجماعية ستؤثّر على المشهد هو اعتقاد لا يمكن الجزم به". وأضاف النائب "الحلّ هو مزيد من الضغط داخل البرلمان، مع الضغط خارجه في الندوات الشعبية والسياسية، والاتجاه إلى أمير البلاد وطلب العفو منه للخروج بأقلّ الأضرار".

وتنبئ ردود الفعل الصامتة والرسائل المهادنة التي تصدر عن الكويتيين المقيمين في تركيا، بأنّ المعارضة قد استسلمت للأمر الواقع، وبأنها فقدت كافة أوراقها السياسية التي تضغط بها على الحكومة، وأن خيارها الوحيد هو خروج قادتها من العملية السياسية بشكل نهائي، مقابل العفو عنهم وإسقاط أحكام السجن الصادرة بحقهم.

المساهمون