محسن البصري يُفكِّك بلده: مرويات قهر وخيبات

21 أكتوبر 2019
الصورة
"طفح الكيل": أي بؤس أي شقاء؟ (الملف الصحافي للفيلم)
+ الخط -
في بداية "طفح الكيل" (2018) للمغربيّ محسن البصري، المُشارك في المسابقة الرسمية للدورة التاسعة (4 - 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2019) لـ"مهرجان مالمو للسينما العربية" في السويد، يفشل الشاب في تحقيق رغبته في الانتحار، إذْ يسقط من أعلى الجسر على شاحنة مُحمّلة بالخراف، التي تُنقذه من موتٍ مؤكّد. قبل رمي نفسه، يمرّ فقيرٌ بالقرب منه، جارّاً عربته المحتوية على أشياء يستفيد منها المتشرّد. لوهلة، يُظنّ أنّ المتشرّد الفقير، بنظرته وحركته وكيفية اقترابه من الشاب، يريد أنْ ينهاه عن ارتكاب فعلته تلك. لكن الحاصل يناقض شعورًا كهذا: في ثوانٍ قليلة، يُتيح محسن البصري إمكانية فَهم ما يجول في بال المتشرّد الفقير، الذي يبدو كأنّه مقتنع بضرورة الحصول على أغراض الشاب المزمع على الانتحار، طالما أنْ لا فائدة من الحؤول دون تنفيذ رغبته. المتشرّد الفقير يستأذنه بالحصول على سيجارة، فيُعطيه الشاب علبة السجائر كلّها. بعد ثوانٍ قليلة، يظهر المتشرّد الفقير مرتدياً بعض ملابس الشاب.

تشي المقدّمة بسخرية مريرة، لن تُغيِّب وجعًا يعتمل في ذات الشاب، وإنْ يبقى الوجع ملتبسًا وسببه غامض، فالأهمّ كامنٌ في فشله في الانتحار لشدّة سوء حظّه، في بلدٍ يتعرّى أمام كاميرا محسن البصري، تدريجيًا، فتنكشف أحواله، المتمثلّة بفسادٍ وتسلّط وفوضى وانهيارات يصعب إيقافها. مقدّمة مليئة بالتهكّم والفكاهة السوداء، قبل انتقال الشاب إلى مستشفى، يتحوّل سريعًا إلى نموذج مُصغّر عن بلدٍ مُصاب بأعطاب، وناسه مضروبون بمواجع وتمزّقات.

قبل الانتقال إلى المستشفى، تتشكّل حكاية أخرى: زوجان وابنهما الصغير يتوجّهون إلى سوقٍ شعبية، للقاء شقيق الزوج/ الأب. الزوجان يتعرّفان على "امرأته" (يُخبرهما بأنها زوجته، لكن يتّضح لاحقًا أنّها صديقته، وأنّها حامل، وأنّ لها حكاية مثيرة لمزيد من القلق والغضب إزاء شقاء الحياة وبؤس العيش). الشقيق وامرأته يُرافقان الزوجان وابنهما إلى المستشفى، فالابن محتاج إلى فحوصات طبيّة بعد إصابة يتعرّض لها رأسه. إهمال الأب يوصل الابن إلى حالة صعبة، وشقيق الأب محتال، والأب صيّاد سمك، يستأجر مركبًا بعد بيع مركبه الخاص، بسبب احتيال الشقيق عليه.



تفاصيل كهذه لن تكون عابرة. سردها لن يُلغي أهمية اللاحق السينمائي عليها. الزوجان والشقيق وامرأته يلتقون أفرادًا في المستشفى، بسبب مصائب يتعرّض لها هؤلاء، فيتعرّون جميعهم أمام ذواتهم، وأمام بعضهم البعض، تدريجيًا.

في المستشفى، عالمٌ مفتوح على جروحٍ وآلام. سلطات مختلفة تتحكّم بالأضعف لكنها تخضع للأقوى، واستغلال يمنع عن كثيرين علاجًا ضروريًا ومتوفّرًا، لكن الفساد أقوى، والطمع بالمال طاغٍ، وبعض الطمع ناتجٌ من هذين الشقاء والبؤس نفسيهما.

محسن البصري ينسج فيلمه كحائك أو كصائغ: هناك دقّة في إظهار الجوانب لتغذية المتن، وإضاءة المتن تحصل بالاستعانة الدرامية والجمالية والإنسانية بالجوانب، المستلّة من وقائع اجتماعٍ معطوب ومعطّل. قول هذا نتاج مُشاهدة، ولعلّه (القول) غير متوافق مع رغبة المخرج في صُنع "طفح الكيل". مُشاهدة تُتابع تنامي الضغوط وتفشّي الأمراض في نفوسٍ وأرواح، أما الأجساد فأمراضها أقلّ خطورة وأخفّ حدّة، وإنْ تكن أمراض الأجساد مدخلاً إلى عوالم مُقلقة لشدّة عنف المعاناة وقسوة اليوميّ.

تتراكم الحكايات شيئًا فشيئًا. تتابع الكاميرا مسارات أصحاب تلك الحكايات، التي يتداخل بعضها ببعض، تمامًا كما تتقاطع المسارات. تنكشف حقائق، فالجميع معطوبون، والجميع يتصادمون مع أنفسهم ومع الآخرين، والجميع مستعدّون لبيع أي شيء وشراء كل شيء، لإكمال عيشٍ مدمَّر ومُحبِط. وإذْ يتلهّف الجميع على امتلاك ما يُنقذهم من جحيمٍ مفروضٍ عليهم في يومياتهم المثقلة بالهمّ والخراب والعنف، فإنّ الشاب الفاشل في انتحاره يبدو أكثرهم استسلامًا إلى "موته الحيّ"، وإلى لامبالاته الظاهرة، الأشدّ هولاً من الخراب المحيط به، والمُعتَمِل فيه. واللامبالاة طاغية في سلطة يُمثّلها كبير الأطباء وكبير المسؤولين الطبيين، إذْ لن يكترثا إطلاقًا بما يشعر به المرضى وأهلهم، فالمال بالنسبة إليهما أهمّ من وجع يُمكن شفاؤه، ومن ألمٍ يُمكن التخلّص منه.

تراكم الحكايات مشغول بسلاسة سينمائية، ترتكز على تبسيط السرد، كي ينتبه المتابع إلى التفاصيل والجوانب، والنواة أيضًا. كأنّ الإخراج يتعمّد التبسيط البصريّ لإثارة الاهتمام بالمضمون والسياق والتفاصيل. فالتبسيط، في حالة كهذه، إضافة سينمائية، يبرز فيها التوليف أداةً طيّعة لمنح التبسيط جماليته الفنية، ولإعطاء الأفراد وحكاياتهم المساحة السينمائية اللازمة لقول وبوح وإعلان غضب مبطّن وانكسار وخيبة. وإذْ يتحوّل التمثيل (فاطمة الزهراء بناصر ورشيد مصطفى وسعيد باي ويوسف العلوي وغالية بنزاوية وغيرهم) إلى تكثيف للمواجع والإحباط والتقوقع على الذات لعجزٍ عن تبديل مسار مأساوي طاغٍ، فإنّ تقطيع المَشاهد كفيلٌ بإتمام السرد ومضامين حكايات ناسه، وكشف بعض المستور في الذات الفردية.

هذا كلّه مختلف عن "لعزيزة" (2018)، للبصري نفسه. الانتقال من مكانٍ إلى آخر بعيد عنه محاولة للتقرّب أكثر فأكثر من الذات. الأم، التي ترافق ابنها إلى منزل طليقها، المُطالِب به، تغتسل في رحلتها تلك، كي تتحرّر من ثقل ماضٍ يغلبها، رغم قسوة انفصالها عن ابنها، وهو انفصال مفروض عليها. العودة إلى منزل القسوة والمأساة صعبة وحادّة.

الصمت أساسيّ، فالكلام منتقى ودقيق وقليل. اختلاف موضوعي الفيلمين أحدهما عن الآخر مُلحقٌ، أيضًا، باختلاف المعالجة والاشتغال. اللقطات في "لعزيزة" أطول وأكثر صمتًا وثقلاً. الغليان أعنف في "طفح الكيل"، لكنه حاضرٌ في "لعزيزة" أيضًا، وإنْ بـ"هدوء" و"رويّة". الغليان فرديّ في "لعزيزة"، وجماعي في "طفح الكيل". الغليان الأول لن يؤدّي إلى انتفاضٍ بل إلى انصياع. الغليان الثاني يؤدّي إلى خراب جماعي، فالجميع يذهبون إلى الجسر نفسه رغبة في خلاصٍ معطّل، والخلاص المطلوب لن يحصل فالموت طاغٍ في الاجتماع والعيش والتفاصيل اليومية.

لكن "طفح الكيل" لن يكون دعوة إلى فعلٍ استسلامي، فهو مرآة شفّافة وقاسية وحيوية لواقع مُعاش. تمامًا كما أنّ "لعزيزة" لن يكون دعوة إلى الانصياع، بقدر ما يصبو إلى سرد حكاية تحصل، وإلى كشف مجريات أمور تعرفها نساء كثيرات، ويعشن معاناتهنّ بمرارة.

رغم هذا، يُشاهَد الفيلمان كما هما: مرويّات عيشٍ في الألم والقلق والقهر والخيبة.