محسن إبراهيم... سيرة قيادي يساري عنيد

04 يونيو 2020
الصورة
توفي محسن إبراهيم أمس الأربعاء عن 85 عاماً (فيسبوك)
تختزل سيرة الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي في لبنان، محسن إبراهيم، الذي توفي أمس الأربعاء عن 85 عاماً، مسيرة سياسية ونضالية حافلة لقيادي يساري عنيد انغمس منذ بداياته في القضايا العربية المتشعبة بأزماتها وتعقيداتها، ما أتاح له ترك بصمته قبل أن يبتعد عن المشهد منذ أكثر من عقدين، مفضلاً إبداء مراجعات عدّها البعض غير مكتملة.

إبراهيم، الذي كان يُعَدّ من أهم القادة اليساريين في السبعينيات والثمانينيات في القرن الماضي، أسهم في تشكيل حركة القوميين العرب، وكان من عماد تيارها اليساري، قبل أن يؤسس منظمة الاشتراكيين اللبنانيين التي اندمجت سنة 1970 مع لبنان الاشتراكي، ليشكلا منظمة العمل الشيوعي في لبنان، وشغل بعد ذلك منصب الأمين العام للمنظمة حتى رحيله. انشغل لسنوات طويلة في الملفات المصرية والجزائرية واليمنية، إلى جانب قضية فلسطين التي احتل الدفاع عنها حيّزاً مهماً من سيرته، ما عزز من علاقاته بالزعيم ياسر عرفات. كذلك نعاه الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي سبق أن منحه وسام الاستحقاق والتميز "الذهبي"، واصفاً إياه بأنه "قضى حياته مدافعاً عن القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي اعتبرها قضيته الأولى، فوقف مواقف مشرفة إلى جانب نضال الشعب الفلسطيني وثورته الوطنية وحقوقه المشروعة".

شكلت الحرب الأهلية اللبنانية محطة سياسية مركزية في مسيرة "أبو خالد"، التي انخرط فيها من موقعه في منظمة العمل وفي الحركة الوطنية اللبنانية الذي تحول إلى أحد أبرز رموزها، إلى جانب شخصيات أخرى، في مقدمتها الزعيم كمال جنبلاط، ورفيق دربه جورج حاوي. ومن ثم أطلق إبراهيم وحاوي معاً جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول) في سبتمبر/ أيلول 1982 لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
ونعت منظمة العمل الشيوعي أمينها العام أمس، مشيرة إلى أنه راهن "على معركة مع العدو الصهيوني حدد شعاراتها بالتحرير والتوحيد والديمقراطية، معوّلاً على مسارات تتجاوز انقسامات الحرب وخنادقها التقسيمية، بعد أن رأى في استمرار النزاع الأهلي حرباً عبثية لن تقدم سوى مزيد من تفكيك وحدة الأرض والشعب وتدمير مقوماته". وعلى الرغم من المراجعات التي أجراها إبراهيم لتجربة الحركة الوطنية واليسار في الفكر والممارسة، خصوصاً بعد النكسات التي حلّت، بما في ذلك "تشريح تجربة اليسار اللبناني والعربي منذ الخمسينيات وحتى اليوم"، إلا أنها كانت تعتبر ناقصة، حضرت فيها تفاصيل وغابت عنها أخرى من قبل شخصية كان لها تأثيرها العميق في العمل السياسي والنضالي والفكري على مدى عقود.

وفي ذكرى الأربعين يوماً على رحيل رفيقه جورج حاوي الذي اغتيل في يونيو/ حزيران 2005، لم يتردد إبراهيم قبل 15 عاماً، في الإشارة إلى أن الحركة الوطنية ارتكبت خطأين: أولهما، أنها استسهلت الحرب الأهلية معبراً لتغيير بنية النظام الطائفي. وثانيهما، أنها أباحت لبنان للمقاومة الفلسطينية، ما حمّله فوق طاقته، وأدى إلى انشطاره شطرين متقاتلين، في ظل تخلي الدول العربية قاطبة عن التزام نصرة الشعب الفلسطيني ودعم ثورته.
وقد نعت الأحزاب اللبنانية الراحل في بيانات اليوم. وفي هذا السياق، دعا الحزب التقدمي الاشتراكي إلى "صون إرثه ومواصلة العمل على تحقيق كل تلك الأحلام والقضايا والمبادئ، فما أحوجنا في هذه الأيام العجاف والزمن الصعب إلى سعة عقله وعمق تجربته وصدق نضاله وبُعد رؤيته وصلابة قيمه وعزيمة إصراره لمواجهة أزمات هذا العصر المثقل بتحدي الوجود".
وقال "تيار المستقبل" إن "لبنان يخسر برحيل محسن إبراهيم أحد أبرز رجالاته المقاومين الوطنيين العابرين للسياسة بالمعنى اللبناني الضيق، الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي والأمين على الحركة الوطنية اللبنانية، الذي خاض أهم تجربة نقدية متقدمة لمسارها، شكلت ولا تزال مدرسة ومصدر إلهام لتيارات سياسية وطنية أخذت منها العبرة والفكرة".
وأضاف أن "أبو خالد يرحل بصمت في زمن سياسي صعب، حاملاً معه إرثاً عزيزاً من النضال وتاريخاً يضجّ بالأسرار، ليبقى حضوره النقي صاخباً في ذاكرة الزمن السياسي الجميل، شخصية فذة قلّ نظيرها، اجتمع على احترامها وثقتها ورجاحة عقلها شريحة من كبار السياسيين آمنوا به وأشركوه في المصير والأقدار، دفاعاً عن هوية لبنان وعروبته والقضية الفلسطينية التي كان أقرب إليها من حبل الوريد"، بحسب بيان النعي.

دلالات

تعليق: