محاولة لتفكيك خطاب الأزمة
تشكل الدعاية الإعلامية إحدى أبرز وسائل التأثير في الرأي العام، وتوجيه وعي الجماهير، لتقدم صورة، دون أخرى، عن الأحداث التي تتناولها. وعلى الرغم من أن شبكات الاتصال الحديثة قد مكنت المتلقي، إلى حد ما، من أن يصبح فاعلاً في تكوين الرأي الخاص، إلا فكرة الإعلام الدعائي، بمعناها السلبي، لازالت قائمة، وبقوة، خصوصاً في ظل التطورات المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط، الزاخرة بالأزمات وبؤر التوتر.
لابد من دراسة الخطاب الدعائي في كل من سورية والعراق، والمقارنة بينهما، لأنهما يتناولان أهم نقاط الحدث الشرق الأوسطي. ففي سورية، ومنذ اندلاع الاحتجاجات ضد نظام بشار الأسد، صعدت بموازاة ذلك أطروحتان متعارضتان، الأولى داعمة للثورة، والأخرى مضادة لها، وسعى أصحاب كل أطروحة إلى اعتماد كل الوسائل المتاحة، لإقناع الفئات المستهدفة بخطابهم.
أصر المؤيدون على أنها ثورة ديمقراطية ضمن سيرورة الربيع العربي، خرجت للانتفاض ضد الاستبداد الحاكم، واستبداله بنظام عادل يقود إلى حكم راشد. كما استند أنصار هذه الرؤية إلى النظرية الحقوقية، مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان، خصوصاً من النظام، حيث باتت صور التعذيب، وشهادات المتضررين، من أبرز البراهين التي يستخدمها التوجه الداعم للثورة السورية في محاججته.
في حين اعتمد الفريق الآخر، معارض الثورة، على ربط أسس الحراك الثوري بنظرية المؤامرة الكونية الهادفة إلى تحطيم سورية، وإضعاف دورها الإقليمي، وتفكيك محور الممانعة من جهة. ومن جهة أخرى، حاول هذا الفريق أن يضم، وبإسهاب، ظاهرة التطرف إلى سياق الأحداث، حتى قبل أن تصبح واقعاً ملموساً، إذ صور سقوط النظام على أنه بوابة وصول المتطرفين لسدة الحكم. وانطلاقاً من هذه الرؤية، نسبت الأحداث إلى العامل الأجنبي المعادي للنظام السوري وحلفائه، وغيرها من الأمور التي تؤدي إلى كبح الجمهور عن الانسياق خلف الصوت الداعم للثورة.
وفي العراق، لا تختلف الأمور كثيراً عنها سورية، وإن كانت أكثر تعقيداً، نظراً إلى تعدد مصادر الخطاب وظروفه. في السابق، كان العراق منقسماً، ضمن أجواء صراع طائفي، إلى فريق مؤيد للعملية السياسية التي نشأت بعد الغزو الأميركي، وفريق معارض لها، وما أن التحق العراق بركب الدول التي شهدت مطالباتٍ بالإصلاح السياسي، ومراعاة حقوق بعض الفئات، حتى طفت على السطح ثلاثة توجهات خطابية، ظهرت تدريجياً مع ازدياد عمق الأزمة. فنجد خطاباً شيعياً كردياً، مؤيداً للنظام الجديد، لكنه معارض لاستبداد نظام نوري المالكي، ونجد خطاباً شيعياً، وأحياناً سنياً، داعماً لدكتاتورية المالكي، وخطاباً سنياً معارضاً العملية السياسية برمتها.
يؤكد الخطاب الأول ضرورة الحفاظ على مكاسب ما بعد إسقاط نظام البعث، مع دعم الشراكة بين مختلف القوى، ومنع التفرد بالسلطة، ولا يوفر نقداً لممارسات المالكي الأحادية، وكذلك في موضوع العلاقة بإيران. كذلك فإن داعمي المالكي يركنون إلى حملات تستدعي نظرية المؤامرة الأجنبية، بالطريقة نفسها التي تعاطى بها المعارضون للثورة السورية معها. ويعتقد هذا الفريق، أيضاً، أن المالكي هو الرجل الأوحد القادر على إدارة مشكلات العراق، معللين ذلك بالتاريخ السياسي لهذا البلد.
ويذهب المعارضون للعملية السياسية بعيداً في انتقاد كل ما يمت بصلة للنظام السياسي العراقي، معتقدين أن هناك دكتاتورية جديدة ولدت في العراق، ذات صبغة طائفية، ما يستدعي حلها، وإعادة بناء مؤسسات الدولة العراقية، على أسس تراعي الكفاءة والولاء الوطني. هذا الخطاب بمطالبه ما مكن الاتجاه المعارض للمالكي من الحصول على تأييد قطاعات واسعة من الشارع العربي الذي بات يراهم مدخلاً آمناً إلى الوضع العراقي، بعد أن أثبتوا عداءهم للقوة الأجنبية الغازية، وأن إرادتهم تنحصر في تحويل العراق إلى ديمقراطية حقيقية.
بمقارنة هذه الخطابات، يتضح جلياً التناقض الصارخ في أطروحة المجموعات المؤيدة للنظام السوري والمعادية للثورة، والتي لديها موقف من الأوضاع في العراق. على الرغم من تشابه الوضعين، العراقي والسوري، بوجود نظامين مستبدين، وحضور الأبعاد الطائفية ضمن المشهدين. كذلك هناك تناقض في الدعوة الى التدخل الخارجي، من أجل حماية النظام السياسي في العراق، على الرغم من أن هذه الفئة عينها عارضت التدخل الخارجي في الحالة السورية. بهذا الشكل من الخطابات، يتم شحن المتلقي بأفكار لاعقلانية، فيصاب عقله بالشلل، ويصبح أسيراً لما يتلقاه من تناقضات.
وبخصوص الشكل الثاني من الخطابات، بغض النظر عن صحتها من خطئها، بالمعنى السياسي والأخلاقي، فإنها لا تحتوي على تناقضات بالحجم الذي نلمسه لدى الاتجاه المضاد للثورات. إذا دلل غياب التناقض بين الخطابين على شيء، فإنه إنما يعبر عن وحدة البوصلة بينهما، والواضح أن من يدعم الثورة في سورية لغايات ديمقراطية إصلاحية سيؤيد التغيير الجذري في العراق، من دون أن يقف مع أي نظام استبدادي، حتى في حالة توفر التناغم الطائفي أو العرقي. كما أن أطروحته تبتعد عن فكرة المؤامرة، أو التدخل الخارجي، بما أنه عامل لا يمكن التحكم فيه.
إن حساسية الصراع القائم في سورية والعراق جعلت من المعركة الإعلامية أحد أهم محددات منحى الأحداث، وفي أثناء هذه المعركة، تتبارز الخطابات أمام متلقين كثيرين، على اختلاف أنواعهم، وانطلاقاً من درجة الوعي والتكوين الثقافي، لكل متلقٍ، ستتباين طرق المعالجة، وبالتالي، يتم تبني إحداها ورفض الأخرى.