محاولة روسية لتطويق تجاوزات النظام في درعا

04 ابريل 2019
الصورة
تهدّد تطورات درعا بعودة الأمور للمربع الأول(محمد أبازيد/فرانس برس)



تحاول روسيا تطويق الاستياء والاحتقان في الجنوب السوري، بسبب تجاوزات النظام لاتفاقات مصالحة عقدتها المعارضة السورية العام الماضي مع الجانب الروسي، واتخذت منها أجهزة النظام الأمنية مدخلاً واسعاً للانتقام من الشارع المعارض في محافظة درعا، التي انطلقت منها شرارة الثورة في عام 2011. ودفع الجانب الروسي النظام لعقد اجتماع مع وفد من المحافظة هدفه "تعزيز الثقة" بين أهالي درعا والنظام، الذي يبدو أنه غير مكترث بذلك، بل يتصرف كـ"المنتصر". ما ينذر بتوتر الموقف، بما يعني عودة الصراع في جنوب سورية إلى المربع الأول، وهو ما تحاول روسيا تفاديه.

واجتمعت "لجنة التفاوض" عن محافظة درعا، جنوبي سورية، يوم الثلاثاء الماضي، مع عدد من أركان النظام العسكريين والأمنيين بالعاصمة دمشق، بهدف وضع حدّ لتجاوزات قوات النظام وأجهزته الأمنية بحق المدنيين في المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة، ودخلت لاحقاً في "المصالحات" مع النظام بضغط وإشراف روسي.

وذكرت مصادر مقرّبة من شخصيات حضرت الاجتماع لـ"العربي الجديد"، أن "الاجتماع عُقد في مكتب الأمن القومي التابع للنظام، وحضره من جانب النظام، رئيس المكتب، اللواء علي مملوك، الذي يتحكم بكل مفاصل الأجهزة الأمنية في النظام، بالإضافة إلى وزير الدفاع في حكومة النظام علي أيوب، ورئيس شعبة المخابرات العسكرية، وقائد الفيلق الأول في قوات النظام، وضباط آخرين. في المقابل، ضمّ وفد محافظة درعا كلاً من: أبو مرشد بردان، ومصعب بردان، القياديان في فصيل المعتز بالله، الذي كان تابعاً للمعارضة السورية، إضافة إلى المتحدث السابق باسم جيش الثورة، أبو بكر الحسن، وعدنان مسالمة، من حي درعا البلد، ويعرب أبو سعيفان".

وأوضحت المصادر لـ"العربي الجديد"، أن "الاجتماع تم بتنسيق من الجانب الروسي لتعزيز الثقة بين النظام وأهالي محافظة درعا، عقب احتقان تسبب به النظام وكاد أن يدفع المحافظة برمتها إلى أتون صراع جديد"، مبينة أن "علي مملوك استمع إلى مطالب وفد درعا، ووعد بتلبيتها خلال ثلاثة أشهر". وأشارت إلى أن "المطالب تتلخّص برفع القبضة الأمنية، وسحب الجيش من الشوارع، والأسواق، والإفراج عن المعتقلين لدى النظام من أبناء المحافظة، وحلّ مسألة تأجيل الخدمة الإلزامية في قوات النظام للطلاب، وعودة الموظفين إلى وظائفهم في الدولة، والكشف عن مصير المغيبين، إضافة إلى المطالبة بتحسين الخدمات في المحافظة". ولم يلتزم النظام باتفاقات المصالحة، إذ لم يفرج عن معتقلين في سجونه من أبناء المحافظة، ولم يرفع يد الأجهزة الأمنية عن سكان درعا، بل ازدادت وطأتها عقب الاتفاقات التي رأى النظام أنها كانت بمثابة هزيمة للمعارضة السورية المسلحة. وكانت قوات النظام قد استعادت السيطرة على مجمل محافظة درعا منتصف العام الماضي، عقب اتفاقات أشرف عليها الجانب الروسي تبيّن لاحقاً عدم مصداقيتها، ما أدى إلى تصاعد حالة الاستياء والتململ في المحافظة الحدودية مع الأردن.

ومن الواضح أن الجانب الروسي الذي لم يلتزم بوعوده كضامن للاتفاقات، يحاول تطويق أزمة تلوح في الأفق، من الممكن أن تعيد الصراع في جنوب سورية إلى المربع الأول. كون الاتفاقات هناك لم تكن سوى مدخل واسع للنظام للفتك بأهالي درعا، عقاباً على خروجهم ضده منذ سنة 2011.



في هذا الصدد، قال القيادي السابق في الجيش السوري الحر، في الجنوب السوري، العميد إبراهيم جباوي، لـ"العربي الجديد"، إن "الأمور في درعا سيئة جداً، والضغط كبير"، مضيفاً أن "روسيا لم تلتزم بتعهداتها". وتصاعدت في الآونة الأخيرة انتهاكات وتجاوزات قوات النظام بحق المدنيين وعناصر الجيش السوري الحر، الذين عقدوا مصالحات مع النظام. وهو ما دفع أواخر الشهر الماضي، قوات تابعة لفصيل "شباب السنة" بقيادة أحمد العودة، المنضوي في الفيلق الخامس التابع للروس، إلى مهاجمة حاجز للمخابرات الجوية والفرقة 15 التابعة للنظام في بلدة السهوة في ريف درعا الشرقي. وذكرت مصادر محلية في حينه أن مسلحي الفصيل المذكور ضربوا "جميع عناصر الحاجز"، بسبب الانتهاكات المتكررة التي يقومون بها بحق أهالي المنطقة، اضافة لأخذ إتاوات من المارّة والسيارات، وبسبب توقيف الحاجز لقيادي وعنصرين تابعين للفيلق.

وكانت وزارة الدفاع الروسية قد شكلت الفيلق الخامس العام الماضي في مدينة بصرى الشام، من عناصر وقياديين سابقين في الجيش السوري الحر، محاولة استمالتهم لطرفها. ومن الواضح أن الجانب الروسي يعتمد على أحمد العودة الذي كان أول قائد بالجيش السوري الحر يسلّم المنطقة التي تسيطر عليها قواته للجانب الروسي، في "صفقة" تبين لاحقاً أن وراءها شخصيات في المعارضة مرتبطة بالإمارات، أبرزها خالد محاميد.

ورفع النظام سقف تحديه لمشاعر أهالي درعا، حين أعاد نصب تمثال لحافظ الأسد، والد بشار الأسد، في مدينة درعا قبل أسابيع قليلة، بالتزامن مع ذكرى انطلاق الثورة السورية، وهو ما دفع المئات من أهالي درعا في حي درعا البلد، للخروج في تظاهرة هي الأكبر من نوعها منذ سيطرة النظام على محافظتي درعا والقنيطرة في جنوب سورية، إثر اتفاق المصالحة بين روسيا والمعارضة في يوليو/ تموز 2018، مطالبين بإزالة التمثال.
وأطلق مجهولون النار على التمثال في 24 مارس/ آذار الماضي، حين استقرت رصاصة في رأسه وأخرى في يده، ما دفع قوات النظام إلى إغلاق الطرق المؤدية إليه، وترميم مكان الطلقتين. وتقاعس النظام عن تقديم الخدمات للمناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة السورية المسلحة، في محاولة واضحة للانتقام من الشارع المعارض في المحافظة التي اضطر عدد كبير من أهلها للجوء إلى الأردن، حيث يقيم عدد كبير منهم في مخيم الزعتري وفي مدن وبلدات أردنية.

وكان الجانب الروسي يأمل بأن تمهد اتفاقات المصالحة لعودة اللاجئين السوريين من الأردن للجنوب السوري، ولكن مصادر تؤكد لـ"العربي الجديد"، أن "بضعة آلاف فقط عادوا إلى مناطقهم، في حين يرفض معظم السوريين المنتمين لدرعا والقنيطرة العودة، بسبب عدم ثقتهم بالنظام وحلفائه، إذ من المتوقع تعرضهم لمختلف أنواع الانتقام".

وشهد شهر يناير/ كانون الثاني الماضي العديد من حوادث الاغتيال، التي طاولت قياديين سابقين في المعارضة السورية في محافظة درعا "لم يكن النظام بعيداً عن معظمها"، وفقاً لمصادر، في محاولة لخلخلة الوضع الأمني لتبرير البطش بالمدنيين.

وذكرت مصادر في المعارضة، لـ"العربي الجديد"، أن "النظام لن يفي بوعوده، خصوصاً لجهة إطلاق سراح المعتقلين"، مضيفة: "نحن لا ننتظر منه أن يلتزم بالاتفاقات. نعرفه جيداً، وندرك رغبته في إخضاع كامل درعا لإرادته كما كانت عليه قبل انطلاق الثورة". وأشارت إلى أن الوضع في درعا "من سيئ إلى أسوأ"، مضيفة: "نقدّر الجهد الذي يبذله أعضاء لجنة التفاوض في درعا، ولكن هم يعرفون قبل غيرهم أنه لا أمان للنظام، الذي لم يفِ بوعوده يوماً، ولن يلتزم بأي اتفاق".