محاسن التدخل الروسي!

محاسن التدخل الروسي!

08 أكتوبر 2015
الصورة
+ الخط -
بعيداً عن الآثار السلبية للتدخل الروسي المباشر في سورية، من حيث أنها ستؤدي إلى إطالة المأساة السورية، من خلال سعي الروس المتواصل إلى إعادة تعويم النظام السوري، بطريقة أو بأخرى، فإن لهذا التدخل "محاسن"، من زاوية تبديد وهم شاع بين نخب معارضة طوال عمر الثورة، ولايزال.
أظهر المسار الطويل للثورة السورية أن ثمة "وعياً" معارضاً لم يزل عالقاً في مرحلة الحرب الباردة، من خلال نظره إلى روسيا الحالية، باعتبارها وريثة الاتحاد السوفياتي على صعيد القيم التي أرستها ثورة أكتوبر (1917)، من حيث وقوفها إلى جانب حق الشعوب في تقرير مصيرها ومواجهة المد "الإمبريالي"، إذ على الرغم من كل ما جرى في العالم من تحولات، وتحوّل روسيا نفسها إلى امبريالية جديدة، بقي الوعي المعارض مقيماً في لحظةٍ مضت، دفعته إلى التعامل سياسياً مع روسيا من هذا المنظار، ما أدخل الحراك السياسي المعارض في مفارقة وقوفه ضد الثورة الشعبية، في مراهنة هؤلاء على الموقف الروسي الذي يريد الحفاظ على الدولة السورية التي ساهمت روسيا (كما دول أخرى) في تدميرها، من دون أن يكون الشق الآخر من المعارضة الذي راهن على الدول الأخرى مصيباً أيضاً، لأنه يصطدم، هو الآخر، بحائط لعبة الأمم، ما يجعل الطرفين شريكين في إشاعة وهم الاستعانة بالخارج لإسقاط النظام (بلغة الائتلاف) أو تغييره (بلغة هيئة التنسيق)، الأمر الذي يحيلنا إلى أزمة المعارضة التي راهنت كثيراً على الخارج، بعيداً عن القوى الداخلية التي لم تُولَ أي اهتمام، إلى درجة القول إننا أمام "سياسة" معارضة مفارقة للسياسة بمعناها المعروف، باعتبار أن قوة التمثيل على الأرض هي ما تفرض قوتك على طاولة التفاوض، وهذه القوة إن امتلكت تعجز أي قوة خارجية عن تجاهلك، إذ على الرغم من أن التعامل الوحشي للنظام لم يترك مجالاً واسعاً لمراكمة هذه القوة، إلا أن المعارضة لم تجهد نفسها العمل في هذا المجال، خصوصاً في  مناطق انحسار سيطرة النظام التي تُركت لقوى إسلاموية متشددة، يخشاها الغرب وقسم من الداخل، فبعد أربع سنوات ونيّف من الثورة، لم يمتلك أي تجمع أو ائتلاف سياسي ورقة الأرض، وهو ما يجعل القوى الكبرى قادرة على فرض هذا الطرف/الأداة من المعارضة أو ذاك، ما يجعل المعارضة اليوم بأطيافها كافة مجبرة على العمل في هذا الاتجاه، بعد أن كشف التدخل الروسي والتخلي الغربي عنها محدودية دورها وتأثيرها.
فيما يخص الشق المعارض الذي راهن على الروس، لا يمكن له العبور إلى هذه الخطوة، إن
لم تجر مراجعة عميقة لمفاهيمه التي تجاوزها التاريخ، إذ حتى لو كانت روسيا هي "الممانعة" اليوم للتوجه الغربي في العالم، فثمة إغفال أن العبور من السوفياتية إلى الروسية لم يهضم بعد قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان بمعناها العميق، فبقيت عالقة في "نصف ديمقراطية"، نرى تجلياتها في ممارسات السلطة الروسية تجاه معارضيها، ما يعني، في العمق، أن المعارضة المراهنة على روسيا تقف ضد طموحها في التغيير الديمقراطي الذي تنادي به، حين تتكئ على دولةٍ "تمانع" الامتداد الديمقراطي في العالم، معلية من شأن الممانعة في وجه الخارج، في سعي واضح إلى إبعاد شبح الربيع عن أراضيها، وهذا ما يجعل دولاً، مثل الصين وإيران وروسيا وكوريا الشمالية، تتضامن فيما بينها وتتحد في الموقف من الثورة السورية، فهي تعمل على إبقاء نموذجها قائماً في العالم، دفاعاً عن أنظمتها. وهذا ما يتقاطع مع بنية المعارضة السورية التي لم يكن تحوّلها من البنية الشمولية لأحزابها إلى البنية الديمقراطية عميقاً، فبقيت تمارس السياسة بوصفها الوصول إلى السلطة، إما في انقلاب أو دعم خارجي، بعيداً عن الشعب الذي تطلب له الديمقراطية بالمظلة!
يعلمنا التاريخ أن أفكاراً كثيرة قديمة لا تهدم في رؤوس أصحابها، إلا بفعل تحولات عميقة ممزوجة بالدم أحياناً، ألم يكن الشيوعيون العرب مؤمنين بشيوعية الاتحاد السوفياتي والطريق إلى الاشتراكية، حتى لحظة سقوطه التي جاءت أشبه بضربة على الرأس، دفعتهم إلى إعادة التفكير جذرياً؟ ألا يشبه الأمر موقف المعارضة التي رفعت شعار "لا للتدخل الخارجي"، وراهنت على الموقف الروسي في الوقت نفسه، فأتاها التدخل العسكري ممن راهنوا عليه بالذات، للوقوف بوجه التدخل الخارجي الآخر؟ أم أن هذا التدخل مستحسن؟
من محاسن التدخل الروسي أنه سيدفع بهذا الوعي إلى مزبلة التاريخ، ومن يبقى مقيماً عليه (هيئة التنسيق على لسان منسقها العام حسن عبد العظيم أيدت التدخل الروسي) سيجد نفسه أمام مصير خالد بكداش (الأمين العام للحزب الشيوعي السوري اللبناني) الذي وُصف، لحظة رحيله، بأنه آخر الستالينين العرب!