محاربة العنصرية ونفاقنا

06 يونيو 2020
الصورة
ليست المرة الأولى التي يعرب فيها العالم عن "تضامنه" مع ضحايا العنصرية، خصوصاً في الولايات المتحدة، ولن تكون الأخيرة. كان يمكن التخلّص من التمييز بين البشر منذ فترة طويلة، لكن نظاماً متشابكاً في اللاوعي لا يزال مهيمناً على وعي الفرد. نظام يرتكز على مبدأ "وجود اختلاف بين فردٍ وآخر وبين مجموعة بشرية وأخرى". لم يولد هذا النظام من العدم، بل من سلوكاتٍ طبعت تاريخ تمدّد مجموعات بشرية على حساب أخرى في مواقع استراتيجية في العالم، سواء في العالم القديم أو بعد اكتشاف القارة الأميركية. وضمن منطق تكريس قوة الاستعمار، ترسّخت الفوارق بين الأعراق، سواء عبر تركيبة اجتماعية أو عبر قوانين تمييزية عنصرية. وساهمت تصرفات رجال دين عديدين في مختلف المجتمعات في ترسيخ هذه الفوارق، على الرغم من قولهم إنهم يسعون إلى إلغائها.
يتعدّى الأمر عبارة تُكتب أو لفظة تُقال، إلى كيفية رؤيتنا لمن نظنّ أنه مختلفٌ عنا في اللون. نعلم أننا في عالمٍ يسود فيه النفاق بشكل كبير، وهو السبب الأساسي لتناسخ الحروب واستمرار النزاعات وعدم الرغبة في اجتراح الحلول الإنمائية والاجتماعية في الكوكب. لكن على المستوى الفردي يُمكن لنا التفكير بكثافة: "كيف أتصرّف مع من أعتبره مختلفاً عني؟ هل أظن نفسي أفضل منه لأنني جئت من بلد، يُعدّ وفق التركيبة الحالية في العالم، أفضل من بلده؟"، "هل يحقّ لي، لأن أجدادي استعمروا بلاداً أخرى، أن أعتبر نفسي وصياً عليها أو متفوقاً على شعبها؟"، "هل مبدأ التضامن بحدّ ذاته يأتي من منطلق المنّة الممنوحة للضحية، أو من منطلق الحقّ البديهي لها في المساواة وفي الحصول على الحصص الغذائية ذاتها والفرص نفسها دراسياً ومهنياً واجتماعياً وغيرها؟".
طبعاً، في عالم مليء بالنفاق هناك من يدعو إلى محاربة العنصرية. يصفّق له كثر. لكنه في الوقت نفسه يصنّف الناس بحسب هويتهم الجغرافية أو الدينية وفق نمطيةٍ مزروعةٍ في ذهنه بأن "هذا الآخر مختلف عني وفقاً لانتمائه الديني أو المناطقي أو العرقي"، بدلاً من أن يسعى إلى كسر الجليد مع هذا الآخر، أو يُلغي مبدأ التنميط في أحسن الحالات. كيف يُمكن لنا محاربة العنصرية بوجود هذا النمط من الازدواجية؟ هل تتذكّرون جريمة مجلة شارلي إيبدو الفرنسية في يناير/ كانون الثاني 2015، التي سقط فيها 12 شخصاً وجُرح 11 آخرون؟ كثر شجبوا الجريمة في حينه، وكأنهم باتوا فعلاً خارج قوقعة التمييز، إلا أنه سرعان ما تبيّن أن اعتراضهم لم يكن من "أجل حرية التعبير"، بل لأن هذه "الحرية" لم تمسّهم بل مسّت غيرهم. وحين تمسّهم هذه "الحرية" يصبحون عدائيين، مستخدمين عبارات مثل "تقف حريتك عند حدود الآخرين". هذا النفاق نفسه ظهر في قضية جورج فلويد، وسيظهر في قضايا أخرى مستقبلاً.
لا يمكن الاعتقاد لحظة أن أي نتائج إيجابية ستبرز في قضية فلويد ستنعكس إيجاباً علينا، نحن القاطنين في أماكن بعيدة عن الولايات المتحدة، فحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة في الستينيات من القرن الماضي حققت ما كان ينتظره ضحايا العنصرية، ومع أنه ليس كافياً مجتمعياً، إلا أنه كان خطوةً عملاقةً لبلاد بُنيت وفق منطوق تمييزي. هل رأينا انعكاساً لذلك في دولنا؟ هل سُمح للأقليات والأكثريات، دينياً وعرقياً ومناطقياً، بالتعبير عن نفسها من دون قمع الآخر؟ ليس المطلوب التماهي مع القرارات الأميركية أو غيرها من منطلق "الرجل الأبيض قرّر فلننفّذ"، لا، بل المطلوب الاستفادة من أي تطوّر إيجابي يحكم علاقات البشر فيما بينهم، من أي مكان في العالم، بما فيه تصدير أمر مماثل من بلادنا إلى الخارج. لا تقتصر محاربة العنصرية على عبارات منمّقة أو على تضامن في العالم الافتراضي، ثم طيّ الصفحة، بل على الخروج من "فوقيتنا" أولاً، لأنها ستدمّرنا لاحقاً.