مجموعة السبع: قمة الأزمات وصانعيها

25 اغسطس 2019
الصورة
بدأت التظاهرات قبل انطلاق القمة (Getty)
من الحرب التجارية إلى الملف الإيراني وحرائق الأمازون، وغيرها، ملفات ضخمة تحضر على طاولة مجموعة البلدان الصناعية السبع الكبرى في قمتها التي انطلقت مساء السبت في بياريتز الفرنسية، بلا توقعات كبيرة، بل اعتراف بـ"الصعوبة الاستثنائية" لهذه القمة، خصوصاً أن مشهد إخفاق قمة العام الماضي في كندا يبقى حاضراً في الأذهان بعدما رفض حينها الرئيس الأميركي دونالد ترامب البيان الختامي على الرغم من توقيعه عليه سابقاً. ولعل هذا السبب هو ما دفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لاتخاذ قرار بعدم إصدار بيان ختامي عن القمة، لتجنّب تكرار الفشل الذي لحق بسابقتها، فيما يبحث ماكرون عقد مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الأميركي في ختام هذه القمة. وليس ترامب وحده الوجه الذي قد يعكّر على المجتمعين الخروج باتفاقات وقرارات موحّدة، بل يحضر لأول مرة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون المثير للجدل، والحليف الأقرب للبيت الأبيض أوروبياً، قبل أسابيع قليلة من موعد خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي والمقرر في 31 أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

ملفات ثقيلة
انطلقت القمة مساء أمس السبت في بياريتز، بحضور ترامب والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورؤساء الحكومات البريطاني بوريس جونسون، والإيطالي جوزيبي كونتي، والياباني شينزو آبي، والكندي جاستن ترودو، مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بمأدبة عشاء غير رسمية في منارة بياريتز المطلة على الأطلسي. كما يشارك قادة من خارج أعضاء المجموعة في اجتماعات حول موضوع "مكافحة عدم المساواة"، منهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس السنغالي ماكي سال والرواندي بول كاجامي.
ويتابع الرأي العام هذه القمة بانتباه كبير مترقباً منها حلولاً عملية للأزمات التي تهز العالم، وفي طليعتها الحرب التجارية وإيران وحرائق الأمازون. وبدأ قادة نادي كبرى الديمقراطيات الليبرالية في العالم بالوصول أمس واحداً تلو الآخر إلى جنوب غرب فرنسا، ومنهم ترامب الذي حطت طائرته الرئاسية "إير فورس وان" منتصف النهار في بوردو.

وينتظر آلاف الدبلوماسيين والصحافيين الحاضرين في بياريتز موقف الرئيس الأميركي من القضايا الخلافية الأخرى، وهو الذي لا يمكن التكهن بسلوكه. وقبل أن يتوجّه إلى القمة بدا الرئيس الأميركي متفائلاً. وقال للصحافيين "أعتقد أن ذلك سيكون مثمراً للغاية". لكنه لوّح بفرض رسوم جمركية على واردات النبيذ الفرنسي رداً على فرض رسوم فرنسية على المجموعات الأميركية العملاقة في قطاع التكنولوجيا. وقال "لا يعجبني ما فعلته فرنسا". وأضاف "لا أريد أن تفرض فرنسا رسوماً على شركاتنا. إنه أمر جائر جداً. إذا فعلوا ذلك فسنفرض رسوما على نبيذهم... رسوم لم يروا مثلها من قبل". وشدد ترامب في الوقت نفسه على أن "علاقته جيدة جداً" مع الرئيس الفرنسي.

وفرضت الحرائق التي تشهدها منذ أيام غابة الأمازون "رئة العالم"، نفسها على جدول أعمال القمة. وبعد اتهام الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو "بعدم التحرك"، قرر ماكرون وجونسون وميركل تولي معالجة المشكلة التي أصبحت "أزمة دولية". وقال ماكرون للموقع الإخباري الإلكتروني "كونبيني": "سنحاول تعبئة العالم لجمع تبرعات من أجل إعادة تشجيرها في أسرع وقت ممكن". ويريد الرئيس الفرنسي الذي يضع المناخ "في صلب مجموعة السبع"، الحصول على تعهدات من القادة، بمن فيهم ترامب المشكك في النظريات حول البيئة، تمهيداً لقمة الأمم المتحدة للأرض في سبتمبر/أيلول المقبل. وأعلنت الرئاسة الفرنسية الجمعة أن "مبادرات عملية" لمكافحة الحرائق "يمكن أن تتبلور" خلال القمة، مطالبة بجعل هذه "الأزمة الدولية" أولوية للقمة. وكانت اتهامات ماكرون للرئيس البرازيلي بـ"الكذب" بشأن تعهداته حول المناخ و"بعدم التحرك" في مواجهة هذه الحرائق التي تدمر منذ أيام "رئة الأرض"، قد أثارت استياء ترامب الذي يعد بولسونارو من أبرز مؤيديه على الساحة الدولية. من جهتها، عبّرت برلين عن تحفظات بعدما أعلنت باريس أنها ستعرقل مشروع اتفاق تجاري بين السوق المشتركة لأميركا الجنوبية (ميركوسور) والاتحاد الأوروبي، وهي قضية سيتطرق إليها ماكرون وميركل في لقاء ثنائي.

كما سيحضر الملف النووي الإيراني كطبق رئيسي في اجتماع القادة السبعة، ومن المتوقع أن يبلغ ماكرون ضيوفه بمضمون لقائه الجمعة مع وزير الخارجية محمد جواد ظريف، الذي رأى في مقابلة مع وكالة "فرانس برس"، أن مقترحات باريس لحلحلة الأزمة مشجعة. ويأمل ماكرون أن ينتزع من نظرائه مبادرات تهدئة في الأزمة الإيرانية من أجل إنقاذ الاتفاق الدولي الموقّع في 2015 حول البرنامج النووي الإيراني. وانسحبت الولايات المتحدة من هذا الاتفاق بينما تهدد طهران بالخروج منه تدريجياً.

كذلك يحضر ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) بقوة في القمة، وستكون تصريحات جونسون بشأن الخروج موضع متابعة دقيقة، لا سيما أنه سيعقد لقاء على انفراد مع ترامب الذي يضاعف التصريحات القاسية بحق الاتحاد. ويُطرح تساؤل عما إذا كان سينبثق عن القمة محور "جونسون-ترامب" يؤدي إلى انعكاسات متتالية على الملفات الدبلوماسية الأخرى، لكن مصدراً دبلوماسياً بريطانياً قال لوكالة "فرانس برس": "أعرف أن شائعة تفيد أننا سنغير موقفنا بعد اللقاء مع الرئيس الأميركي، لكنكم لن ترواً تغييراً جذرياً في مقاربتنا".

وسيكون للحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، حصة كبيرة في القمة. وتبادل البلدان فرض رسوم جمركية عقابية. فقد زادت بكين الرسوم على بضائع أميركية بقيمة 75 مليار دولار رداً على زيادة الولايات المتحدة الرسوم على بضائعها في الأول من أغسطس/آب الحالي. وما كان من ترامب إلا أن رد بالإعلان عن زيادة جديدة في الرسوم على سلع صينية بقيمة إجمالية تبلغ 550 مليار دولار. وقال ماكرون، أمس السبت، "إننا نسعى لخفض الحرب التجارية العالمية الحالية". وفي كلمة وجهها للفرنسيين قبيل افتتاح القمة، سلط ماكرون الضوء على أبرز الملفات التي ستناقش بين قادة القمة. وأعلن "أننا سنقوم بشراكة مع دول منطقة الأمازون لمساعدة هذه الدول في مكافحة الحرائق وإعادة زرع الأشجار".

كما يبحث القادة المجتمعون الوضع في سورية والتكنولوجيا الرقمية والقضايا المناخية. وفي مواجهة هذه القضايا الراهنة الكثيرة، سيحاول المنظمون الفرنسيون الدفع قدماً بملفات أخرى مثل مكافحة اللامساواة والتعليم في أفريقيا وحماية المحيطات. ويأمل المنظمون في التوصل إلى "مبادرات ملموسة" مع القادة المدعوين مثل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ورؤساء ست دول أفريقية.


اعتراف بصعوبة المهمة
استبق الرئيس الفرنسي القمة بالتقليل من شأن أي توقّعات لجبهة موحدة من قادة الدول السبع، في ظل الخلافات الحادة حول جملة من القضايا العالمية التي قد تزيد من الانقسام بين دول تبذل جهوداً مضنية للتحدث بصوت واحد.

كما أن رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك، قال إن قمة الدول الصناعية السبع الكبرى ستكون "صعبة بشكل استثنائي". وأضاف، في تصريح صحافي قبيل انعقاد القمة، أن "الحروب التجارية ستؤدي إلى ركود اقتصادي عالمي". ولفت إلى أن "الاتحاد سيرد إذا فرضت واشنطن رسوما على النبيذ الفرنسي". وتطرق إلى اقترح الرئيس الأميركي الثلاثاء، عودة روسيا إلى مجموعة السبع، وقال إن "أسباب إخراج روسيا من عضوية (المجموعة) في 2014 لا تزال سارية. حتى أنه تم إضافة أسباب جديدة، مثل استفزازات روسيا في بحر آزوف". وأشار إلى عدم مواصلة روسيا "السير في طريق احترام الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان". وحول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، قال: "الخروج من الاتحاد دون اتفاق أمر غير مقبول بالنسبة للاتحاد الأوروبي". وتابع: "الموضوع الوحيد الذي لسنا منفتحين للتعاون بخصوصه هو الخروج من الاتحاد دون اتفاق".

وعلى الرغم من أن ترامب كان قد قال إنه يتوقع إجراء محادثات مثمرة جداً مع نظرائه خلال قمة مجموعة السبع، فإن حضوره يثير قلقاً ضمن المجموعة، خصوصاً في ظل عدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته، مع تعليقاته العامة الشاذة وعملية صنع القرار غير المنظمة على نحو متزايد والتي أثارت جدلا في الآونة الأخيرة. ويواجه ترامب، استقبالاً فاتراً على المسرح العالمي، وتنتظره قائمة من التحديات. وقال مسؤولون أميركيون إن ترامب سيسعى للترويج لسياساته المتعلقة بتقليص الضرائب وتخفيف اللوائح والضغط على الحلفاء من أجل اتّباع النموذج الذي يتبنّاه لتجنب المشاكل التي تواجه الاقتصاد العالمي.

كذلك يُعدّ حضور بوريس جونسون عاملاً آخر قد يزيد الأجواء تشنجاً في بياريتز. ويجمع بين جونسون وترامب، وجهة النظر المناهضة للاتحاد الأوروبي نفسها، لكن أيضاً يشكّل كلاهما موضع انقسام في بلديهما، ويشتركان في موقفهما الشعبوي ونزعتهما الاستفزازية. ووصل جونسون إلى السلطة بلعب دور منقذ بريكست. وهو يطمح إلى توقيع اتفاق تجاري كبير مع الولايات المتحدة يكون علاجاً للضربات الاقتصادية المتوقعة في حال خروج لندن من الاتحاد الأوروبي بلا اتفاق. وأكد جونسون أن المملكة المتحدة ستغادر الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر في حال نجح أو لم ينجح في إعادة التفاوض على اتفاق الخروج الذي توصلت إليه تيريزا ماي مع بروكسل.

وقالت مديرة مركز دراسات "معهد من أجل الحكومات" برونوين مادوكس في حديث مع وكالة "فرانس برس": "سنرى ما إذا كان جونسون قادراً على أن يظهر وجهاً آخر للعالم"، غير ذاك الذي أظهره حين كان وزيراً للخارجية، معتبرةً أن جونسون كان "مخيباً للآمال" في ذلك الدور في إشارة إلى هفواته. ولعب جونسون دوره كرئيس للوزراء على المستوى الدولي هذا الأسبوع من خلال محاولته فرض رؤيته حول بريكست على ميركل في برلين وعلى ماكرون في باريس. أما اللقاء الأكثر ترقباً فهو مع دونالد ترامب. وكان ترامب قد قال إنه ينتظر "بفارغ الصبر" أن يلتقي جونسون الذي سبق أن أبدى الرئيس الأميركي إعجابه به وتحدث معه أكثر من مرة هاتفياً. واعتبرت الباحثة في مركز "أوبن يوروب" آنا ناديبايدزي في حديث مع "فرانس برس" أن "طبيعة الرسالة التي سيرسلها (جونسون) لها أهمية كبرى"، فهي "مؤشر على الاتجاه الذي ستسلكه المملكة المتحدة بعد بريكست". ورأت أن "علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة قد تتطلب تقديم تنازلات والابتعاد أكثر عن أوروبا" في الملفات الدولية الكبرى، مضيفةً "لكن ذلك يعتمد بشدة على شروط بريكست".

تعبئة أمنية وتظاهرات
في مدينة بياريتز ومحيطها، تمت تعبئة 13 ألف شرطي ورجل أمن لضبط الأمن خلال انعقاد القمة. واستعداداً للقمة، تحولت مدينة بياريتز وبلاد الباسك في جنوب غرب فرنسا بعدما هجرها السياح إلى حصن لاستقبال القمة بينما يثير تجمع لمعارضين مخاوف من أعمال عنف. وأعلنت السلطات الفرنسية توقيف 17 شخصاً وإصابة أربعة شرطيين بجروح طفيفة مساء الجمعة خلال مواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن قرب مخيّم معارضين للقمة في أورونيي في جنوب غرب فرنسا. وبدأ معارضون للرأسمالية وأنصار لعولمة بديلة انضم إليهم ناشطون من الباسك، التظاهر بين اينداي وإيرون (إسبانيا) اللتين تبعدان ستة كيلومترات الواحدة عن الأخرى، غداة قمتهم المضادة. وقال وزير الداخلية الفرنسي كريستوف كاستانير "لن نتساهل مع أي فلتان وسنرد".