مجلس وطني فلسطيني منتخب .. حقاً؟

22 يونيو 2020
الصورة

من اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر (12/11/1988/فرانس برس)

في وقتٍ تناور فيه قوى من خارج منظمة التحرير الفلسطينية بلا كلل، وتتحيّن الفرصة بلا طائل، للاستيلاء على المنظمة الأم، بادر مثقفون فلسطينيون حسنو نية، بعد فشل المتربصين في خلق جسم بديل أو موازٍ للممثل الشرعي الوحيد، إلى توقيع عريضة مفتوحة لمن يشاء، غايتها إجراء انتخابات عامة للمجلس الوطني الفلسطيني العتيد، بمشاركة الجميع في الوطن والشتات، بمن فيهم عرب الـ48، لتحقيق جملة أهداف نبيلة، بينها إعادة بناء المنظمة على قاعدة رؤيةٍ وطنيةٍ جامعةٍ، واستعادة دورها التاريخي قائدة لكفاح الشعب الفلسطيني، واسترداد طبيعتها حركة تحرّر وطنية.
كواحد من المنخرطين في المجال الفلسطيني العام، السياسي والثقافي، لم أجد ما يدعو إلى التحفظ على الأهداف المتوخاة من وراء هذه الدعوة. ومع ذلك، امتنعت عن الانضمام إلى هؤلاء المثاليين الحالمين، مع ثقتي بحسن طويتهم، ومعرفتي الشخصية بنزاهة وإخلاص كثيرين من هؤلاء الوطنيين الديمقراطيين التقدميين، اعتقاداً مني أن مثل هذا الحراك لمعالجة مسألة فلسطينية مزمنة ومحقة، وهي حالة منظمة التحرير المترهلة، ليس هذا وقته، وليس له صفة الاستعجال، ولا هناك نتيجة عملية مرجوّة منه، كذلك فإن هذه المسألة، على أهميتها الشديدة، ليست لها أولوية أولى على جدول الأعمال الوطني، في وقت تتركز فيه الجهود والطاقات الكامنة لمواجهة خطة الضم، الموصوفة بحق نكبةً جديدة.
إذ تساءلت، وأنا أعلم الإجابة مسبقاً، عمّا إذا كان المجلس الوطني، المنتخب وفق تقاليد الديمقراطية الثورية في الزمن الجميل، وهي تقاليد أساسُها فقه التعيين والترضيات والكوتا الفصائلية، لم يشهد في أي زمنٍ مضى تجربة الانتخابات المنبثقة من صندوق الاقتراع المباشر، حتى في زمن صعود المد الفلسطيني، فكيف يمكنه الآن اجتراح هذه المعجزة في عصر التراجع والانكفاء على كل صعيد؟ وأكثر من ذلك، في أي بلدٍ عربي يمكن إجراء هذه الانتخابات خارج فلسطين؟ هل في الأردن الذي قد يؤجل انتخاباته المستحقة هذا الصيف؟ أم في سورية أم في لبنان؟ بل هل يمكن إجراؤها في غزة التي تخشى سلطة الأمر الواقع فيها عقد انتخابات بلدية أو طلابية؟ وحتى إذا جرت هذه الانتخابات بقدرة قادر، أين سينعقد المجلس في عهد الحجْر والتباعد واستحالة التنقل؟ هل في العاصمة المؤقتة رام الله التي يأبى بعضهم دخولها تحت حراب الاحتلال؟
أحسب أن هذه النيات الطيبة للموقعين على النداء منبثقة من صورة ذهنية مغرقة في رومانسيتها عن اليوتوبيا الفلسطينية المتخيّلة، عن مؤسسةٍ تمثيليةٍ عريقةٍ ديمقراطياً، وليس عن مجلس وطني ينعقد بصعوبة مرة كل أربعة أعوام في أحسن الأحوال، يلتئم مهرجاناً خطابياً احتفالياً غاصاً بالضيوف، وينفض بانتخاب لجنة تنفيذية تعكس الأوزان الفصائلية، إلى جانب شخصيات اعتبارية، بالتصفيق وليس بالتصويت، لجنة عادة ما يختارها الرئيس بالتراضي والاتفاق. كذلك فإن هذا المجلس المتخيّل، أيضاً، كخشبة خلاص نهائية، تنتهي وظيفته فور الاختتام، ويظل مجرّد مناسبة في البال، مفتقراً إلى آليات الرقابة المنتظمة، وأعراف المساءلة السائدة في البرلمانات الديمقراطية.
نحن إذاً نتحدّث، وفي الذهن مؤسسة تمثيلية جامعة، معترفٌ بها على أوسع نطاق، اسمها منظمة التحرير الفلسطينية، لكنها في الواقع العملي، وقبل أن يعتري الضعف بنيتها، كانت في واقع الأمر، ولا تزال، مجرد لجنة تنفيذية فقط لا غير، يتوزّع أعضاؤها رئاسات دوائر المنظمة البيروقراطية، لجنة بيدها كل الصلاحيات والميزانيات، على غرار ما كان عليه الحال لدى جميع حركات التحرّر العالمي التي لم تجرِ في أيٍّ منها عملية انتخاب علنية، وذلك على العكس مثلاً من حال السلطة الوطنية الفلسطينية، المنتخبة وفق أرقى المعايير الديمقراطية، حيث توجد هنا مساءلة ومحاسبة، تفرّغ برلماني وموازنة، وحجبٌ للثقة وإقالة الحكومة إن اقتضى الأمر.
تبقى هناك أسئلة أخرى في ذمة مثل هذه لانتخابات الملتبسة، مثل: هل من الواقعي الافتراض أن تكنولوجيا الاتصالات، غير المعمول بها في أوروبا، ممكنة ومتاحة لكل الفلسطينيين؟ وعمَّ ستتمخض هذه العملية أكثر من تبديل أشخاص بأشخاص؟ هل ستنجح في إنهاء انقسام لم تُنهه صفقة ترامب؟ ومن سينظّم الانتخابات ويموّل لجان الإشراف، إن لم تكن هذه المنظمة المدعوّة إلى مقارفة هذه المغامرة وسط هذه الأنواء العاصفة؟