مجلس القضاء... عنوان جديد للانقسام في الصومال

05 اغسطس 2020
الصورة
الخلافات حول العقارات أبرز القضايا في المحاكم (سيم جينكو/الأناضول)

لم يمرّ قرار حكومة تصريف الأعمال بتعيين أعضاء جدد في مجلس القضاء الصومالي من دون إثارة جدل واسع في الأوساط السياسية والقانونية في البلاد، إذ اعتبرت المعارضة السياسية أنه قرار يخدم مصلحة الرئاسة الصومالية، وأن الحكومة الحالية ليس من اختصاصاتها اتخاذ قرارات دستورية وتشكيل مجالس سيادية، وأن مهمتها مؤقتة بتسيير الأعمال إلى حين تكليف رئيس حكومة جديدة.
ويتألف مجلس القضاء الصومالي من 9 أعضاء يتم تعيينهم من قبل الحكومة الفيدرالية مناصفة مع مؤسسات المجتمع المدني ونقابة المحامين الصوماليين، ويتابع هذا المجلس القضايا المتعلقة بالمؤسسات العدلية في البلاد. وأقرت الحكومة الصومالية تعيين خمسة أعضاء في مجلس القضاء في 31 يوليو/تموز الماضي، ووافقت أيضاً على تشكيل أعضاء اللجنة الوطنية للبترول.
ويرى قانونيون أن غياب المحكمة الدستورية في البلاد يعرقل عمل المؤسسات القضائية في البلاد، وهو ما يجعل مفوضية القضاء الصومالية تعمل في حل النزاعات المتعلقة بالقضاء، ويشيرون إلى أن تعيين أغلب أعضائها من الحكومة الصومالية يهدف إلى جعل المؤسسة حليفة للسلطة، وتفقد استقلاليتها في بت المنازعات وفصل القضايا الخلافية بين المعارضة والحكومة.

يرى قانونيون أن تعيين أغلب أعضاء مفوضية القضاء من الحكومة يهدف إلى جعل المؤسسة حليفة للسلطة
 


وفي هذا السياق، قال منتدى الأحزاب السياسية المعارض في مقديشو، في بيان يوم السبت الماضي، إن حكومة تصريف الأعمال الحالية ليست لديها صلاحيات لاتخاذ قرارات دستورية تتعلق بمصير البلاد، وهي ليست إلا حكومة مؤقتة لا يحق لها تشكيل مجالس سيادية. وأشار بيان أحزاب المعارضة إلى أن الحكومة لم تتمكن من تفعيل عمل أعضاء مجلس القضاء، وأصبحت منشغلة بعد أن تم إسقاط رئيسها من قبل أعضاء البرلمان الصومالي.

وتعليقاً على ذلك، قال القانوني الصومالي سعيد علي، في حديث مع "العربي الجديد"، إن هناك ثلاث نقاط خلاف أثارت هذا الجدل السياسي في البلاد، أبرزها أن الشخصيات التي تم تعيينها لا تحمل مؤهلات في القانون، وأن الحكومة الصومالية اختزلت لنفسها حق تعيين أعضاء المجلس، من دون أن تترك للهيئات الدستورية الأخرى اختيار أعضائها التي تمثلها في مجلس القضاء. وأضاف أن مجلس القضاء يتكوّن من تسعة أعضاء، يتم تعيين ثلاثة منهم من قبل مؤسسات المجتمع المدني، وأربعة أعضاء من المؤسسات العدلية، حيث يعملون في إدارتها، كما يتم ترشيح عضوين من قبل نقابة المحامين الصوماليين. وشدد على أن حكومة تصريف الأعمال الحالية ليس من اختصاصاتها تعيين أعضاء في مفوضية القضاء في البلاد، وهذه نقطة الخلاف بين الحكومة وأحزاب المعارضة.

من جهته، قال الأمين العام لنقابة المحامين الصوماليين، طاهر عرب، لـ"العربي الجديد"، إن قرار تعيين أعضاء مجلس القضاء أمر مخالف للدستور والقوانين في البلاد، وأن حصة المحامين غابت في التشكيلة الجديدة. وأضاف عرب أن معظم من يشكّلون المجلس لا يحملون شهادات علمية في القانون، وليسوا أعضاء من نقابة المحامين، لذا هم لا يتمتعون بالشروط اللازمة لتمثيل القضاء الصومالي. وشدد على أن ليس من صلاحيات حكومة تصريف الأعمال تشكيل مجالس دستورية في الوضع الراهن، مشيراً إلى أن مهامها مقتصرة فقط على مواصلة أعمال الحكومة الفيدرالية التي فقدت ثقة البرلمان، بعد عزل رئيسها من قبل نواب مجلس الشعب الصومالي أواخر شهر يوليو/تموز الماضي.
وقال عرب إن مجلس القضاء يضم فقط أعضاء مختارين من الحكومة، ولا يوجد ممثلون من المجتمع المدني ونقابة المحامين في هذه المفوضية المشكلة حالياً، مشيراً إلى أن هيئة المحامين سترفع شكوى إلى البرلمان الصومالي بغرفتيه مجلس الشعب والشيوخ، لمساءلة الحكومة حول تعيين أعضاء مجلس القضاء.
في السياق، أوضح القانوني الصومالي، العضو في مؤسسات المجتمع المدني، محمود عبدي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن من حق الحكومة ترشيح عضوين فقط، ولا يحق لها تشكيل أغلب أعضاء المجلس، وهذا القرار غير دستوري، ويتناقض مع بنود الدستور المحلي. وأشار عبدي إلى أن الحكومة الفيدرالية لم تُجرِ مشاورات مع المحامين والمجتمع المدني لتعيين أعضاء المجلس. وتساءل عن سبب تسرّع حكومة تصريف الأعمال في تعيين ممثلي مجلس القضاء، كاشفاً أن عدداً من المحامين الذين تم طردهم من عملهم أقاموا تظاهرات، فالطريقة التي عولجت فيها قضية هؤلاء لم تكن شرعية، وهو ما أدى إلى تعيينات جديدة في مجلس القضاء من قبل الحكومة الفيدرالية.

الحكومة الفيدرالية لم تُجرِ مشاورات مع المحامين والمجتمع المدني لتعيين أعضاء المجلس
 

وفي يونيو/حزيران الماضي، أعلنت محاكم بلدية مقديشو افتتاح دورات تأهيل لموظفيها وإجراء اختبارات للتوظيف لعدد من المحامين الذين يشتغلون فيها، ما أدى إلى اعتراضات من قبل المحامين، ونظموا تظاهرات ضد الإجراءات الجديدة. وبحسب مسؤولين من محاكم بلدية مقديشو، فإن الإجراءات الجديدة تهدف إلى إصلاح منظومة القضاء عملاً بالدستور، وتفعيل عمل المؤسسات العدلية في البلاد.
ويعاني الصومال منذ عقدين من فوضى في تسيير النزاعات القانونية والقضائية، وهو ما أدى إلى فقدان الكثير من المواطنين حقوقهم في الحصول على العدالة، لا سيما في ما يتعلق بالعقارات التي تعد أكبر قضية تدور سجلاتها في أروقة المحاكم في البلاد، نتيجة النهب والسلب الذي شهدته مقديشو إبان الصراعات الأهلية ونزوح الآلاف من الصوماليين إلى المهجر والدول المجاورة.

دلالات