مجلس الشيوخ وإعادة تدوير العملية السياسية المصرية

12 اغسطس 2020
الصورة

بعدما ألغى دستور 2014 المصري مجلس الشورى، استعادت تعديلاته عام 2019، المجلس بمسمّاه الجديد مجلس الشيوخ، والذي تجري انتخاباته اليوم وغدا (11-12 أغسطس/ آب)، في 27 دائرة للمقاعد الفردية وأربع دوائر بنظام القوائم. يختص المجلس بتقديم اقتراحات وآراء حول مشروع الخطة العامة للتنمية، والمعاهدات ومشروعات القوانين، بالإضافة إلى تقديم مقترحات بتعديل الدستور.

يرى بعضهم في مجلس الشيوخ أمرا غير ذي أهمية في المشهد السياسي المصري، إلا أن تناول المجلس من زاوية الدور الوظيفي للمؤسسات السياسية يؤشر إلى عكس ذلك، فهو خطوة ضمن محاولات إعادة صياغة البنية السياسية لضمان استقرار النظام، سواء في ما يتعلق بدور مباشر يرتبط باستحداث بنية قانونية أو دستورية تقع ضمن مهامه، أو بأدوار وظيفية غير مباشرة، وهي الأهم، من بينها تقوية الحلف الاجتماعي المساند للنظام، عبر استيعاب نخب وقوى اجتماعية واقتصادية مؤثرة، لكنها غير منتمية لأحزاب، بجانب قوى سياسية إصلاحية، يعقبها إيجاد تعاون بين الكتلتين، الحزبيين وغير الحزبيين، والقوى الاجتماعية والاقتصادية النافذة لاستعادة ما سمّي حلف "30 يونيو"، والذي تشظى نتيجة عوامل، منها تباعد سياسات النظام عمّا كانت تأمله قوى سياسية من تغييرات، وعن بناء نظام سياسي بديل لحكم جماعة الإخوان المسلمين.

مكاسب عديدة يحصدها النظام من تجربة مجلس الشيوخ، منها تقريب جزء من القوى السياسية إلى السلطة

وظفت تاريخيا تجارب إنشاء مجالس الشورى في مصر قبل 150 عاما لمساعدة السلطة فى الحكم وشؤون الإدارة، ولضبط المشهد السياسي، بالإضافة إلى استيعاب قوى مرشّحة للتمرّد على النظام، وتزامنت على الرغم من اختلاف مسمّاها وتاريخ إنشائها مع تحولاتٍ سياسية، سعت فيها نظم إلى دعم سلطاتها، عبر اَليات مؤسسية تبسط إرادتها، فليست أدوات العنف المادي وحدها قادرة على الضبط السياسي والإدارة بفاعلية. كما ارتبطت نشأة مؤسسات التشريع والشوري باستحداث دساتير جديدة، أو إجراء تعديلات دستورية، ومن أدوارها أيضا بلورة رؤية النظام وتوجهاته في تشريعاتٍ نافذة، غير إتاحة الفرصة للمشاركة في تلك المؤسسات، لحفظ استقرار النظام وتماسك مكوناته.

من تحليل وظيفي لمجلس الشيوخ، يمكن اعتباره محطة سياسية مهمة، تتضمن إعادة الصلة بشكل واضح بقوى تقليدية من رموز نظام حسني مبارك، خصوصا خارج العاصمة، أرياف الدلتا والصعيد، وقد أعادت انتخابات مجلس الشيوخ بعضهم إلى المشهد بعد احتجابهم النسبي عن التعبير السياسي بعد ثورة يناير. وقد دعم هؤلاء الدعاية الانتخابية، وساهموا في تشكيل "القائمة الوطنية من أجل مصر"، وهي تضم يساريين وليبراليين وعسكرين سابقين وبيروقراطية الدولة وشباب وشيوخ ماهرين فى إبراز الحكمة وإيثار الصمت أحيانا، والتهليل أحيانا أخرى. ويمكن البناء على هذا الخليط، إذا ثبت نجاحه في ما ينادي به بعضهم بشأن "الاصطفاف الوطني"، خصوصا أنه لم يعد خافيا أن التحالف برعاية رسمية، وأن تقاسم المقاعد معروف مسبقا. ولم يمنع ذلك صراعات بين الشركاء، نشرتها الصحف، على عدد المقاعد المخصصة لكل حزب. إنها التجربة المعلبة جاهزة الصنع في مرحلتها التجريبية، وإذا نجحت فى تحقيق الاصطفاف إياه، يمكن إعادة إنتاجها في انتخابات مجلس النواب، كما أشيع في اجتماعات تحضير "الخلطة".

هدف مجلس الشيوخ تقوية الحلف الاجتماعي المساند للنظام، عبر استيعاب نخب وقوى اجتماعية واقتصادية مؤثرة

ليس مهما هنا للقوى المشاركة في الترشّح أن تكون ممارستها متناقضةً مع فكرة التنافس السياسي، وأن ترضى "بما قسم"، وهو ما يتنافى حتى مع الممارسة السياسية في الدول ذات الحزب الواحد، والتي تجري فيها انتخاباتٌ بين المترشّحين. لا تلتفت الأحزاب إلى قيم التنافس أو أسس موضوعية تحكم التحالفات، لأنها تدرك حقيقةً أنه لا مجال للتنافس، وأن أسس الارتباط معلقة بيد من يملكون الحبل، والمشاركة محسومة النسب والنتائج مسبقا، لكنها تحفظ ما تبقى من وجود لنخبها، أو تحاول، كما يشيع بعضها، حلحلة أزمتها.

مصر أمام تجربة إعادة بناء الحياة السياسية، بما تحتويه من إصلاحيين ومؤيدين، أو كما يحبون القول "أحزاب المولاة والمعارضة" في بوتقة واحدة تحت مظلة الأجهزة المعاونة لمؤسسة الرئاسة، ليصبح هذا الشكل نموذجا للعملية السياسية، وتتوزع في ما بينهم 300 مقعد، مائة منهم يشكلون القائمة الوطنية نجحوا فعليا بحكم عدم وجود قائمة منافسة (يشترط حصولهم على 5% من أصوات الناخبين)، بينما يختار مائة رئيس الجمهورية، ويتنافس على مقاعد الفردي الثلث الأخير. وأغلب المتنافسين فيها تحت راية القائمة الوطنية.

يمكن ببساطة معرفة مكوّن مجلس الشيوخ المستجد وتوجهاته، من خلال طرح الأسئلة الاعتيادية لتحليل العملية الانتخابية، فمن يترشّح، كسؤال أساسي، استطاعت القائمة الوطنية حسمه عبر دعوة حزب "مستقبل وطن" لبعض الأحزاب والشخصيات العامة بعد مظاهرات سبتمبر/ أيلول 2019 من أجل العمل المشترك، وبحث مطالب القوى السياسية، واستيعاب وقع المظاهرات. أما من سيحصد المقاعد حسم على الأقل ثلثي المجلس، من خلال التعيين والقائمة. أما كيفية إجراء العملية الانتخابية فمرتبط بالسؤالين السابقين. 

مصر أمام تجربة إعادة بناء الحياة السياسية، بما تحتويه من إصلاحيين ومؤيدين، أو كما يحبون القول "أحزاب المولاة والمعارضة" في بوتقة واحدة تحت مظلة الأجهزة المعاونة لمؤسسة الرئاسة

مكاسب عديدة يحصدها النظام من تجربة مجلس الشيوخ، منها تقريب جزء من القوى السياسية إلى السلطة، واسترضاء بعضها واحتوائها، وتفتيت قوى أخرى وزيادة عزلتها، وإعادة فرز المشهد السياسي على أساس من يشارك في ظل النظام، ومن يخرج عن ذلك الحلف أو المظلة الرسمية لقائمة حب الوطن. كما يساهم استحداث المجلس في حل أزمة الصراعات بين جماعات النفوذ الجدد وممثلين لقوى تقليديةٍ لم يتم استيعابهم ضمن كتل تشكلت بعد "30 يونيو"، مثل حزب مستقبل وطن، والذي لم يستوعب كل رجال مبارك الذين تفرّقت بينهم السبل بين أحزاب عدة. ويساهم "التحالف" في استيعاب قوى سياسية قديمة متململة من عدم انتزاعها مساحة خلال ثورة يناير أو بعد "30 يونيو"، وستجد هذه القوى، ولو بشكل محدود، موضع قدم لها في المشهد السياسي، فمجلس الشيوخ هو إعادة تدوير للعملية السياسية، بما فيها من تيارات ووجوه وقوى تقليدية، ومحاولة واضحة لاستيعاب أي خلافٍ يُضعف تماسك النظام، كما تحشد قوى متنوعة خلف النظام، لكنها تبقى عملية إعادة تدوير، لا تنتج جديدا أو مختلفا جوهريا، ولا تخفي وجه السلطوية.