مجزرة رابعة: السيسي يلاحق الشركاء والمؤيدين والمحرضين

14 اغسطس 2018
الصورة
أخرج صبحي إجبارياً من المشهد السياسي (سيرغي فاديشيف/Getty)
+ الخط -

لم تكن فئة كبيرة من الشخصيات السياسية والنشطاء والعسكريين الذين شاركوا في الانقلاب العسكري في مصر على الرئيس المعزول، محمد مرسي، ودعم المجازر بحق أنصاره، لتصدِّق أنه سيأتي اليوم الذي تعيد فيه سلطات الانقلاب الكرّة وتنقلب عليهم هم، وتزجّ بهم في السجون تارة، وتلاحقهم تارة أخرى في سمعتهم وأرزاقهم وتضيّق عليهم الخناق، بالإضافة إلى إخراج بعض قادة الانقلاب، من المشاركين في إعطاء الضوء الأخضر لتلك المجازر، بشكل إجباري من المشهد السياسي.

وتحلّ الذكرى الخامسة للمجزرة التي نفّذتها سلطات الانقلاب بحق أنصار مرسي، الذين اعتصموا في ميداني رابعة العدوية والنهضة، وقد تبدلت الأحوال وانقلب المشهد رأساً على عقب على السياسيين والعسكريين. صفوة الصف الأول من قادة الانقلاب كانوا من بين ضحايا السيسي، بعدما أخرجهم إجبارياً من المشهد السياسي، والإطاحة بهم تماماً. وجاء في مقدمة هؤلاء، وزير الدفاع، الفريق أول صدقي صبحي، الذي كان وقتها رئيساً للأركان، وكانت كافة الروايات تؤكد مدى شراسة موقفه في ضرورة الفض العنيف لأنصار مرسي، إذ لم يكن صبحي نفسه ليصدق أن تحل ذكرى المجزرة وهو خارج المشهد، بعدما تمت الإطاحة به في التشكيل الحكومي، في يونيو/حزيران الماضي، من دون سابق إنذار، على الرغم من تحصين الدستور له، قبل أن يتحايل السيسي على النص الدستوري الذي يحصّن منصب وزير الدفاع لمدة ثماني سنوات، بتمرير قرار الإطاحة بشريك الانقلاب من دون علمه. كذلك لم يسلم صهر السيسي، رئيس الأركان السابق الفريق محمود حجازي، والذي كان يقود الاستخبارات الحربية إبان المجزرة، بعدما غدر به قائد الانقلاب وأطاح به من منصبه من دون أي مقدمات، في وقت كان يتوقع كافة المراقبين للمشهد المصري دوراً أكبر لحجازي. وكان من بين شركاء السيسي أيضاً الذين تمت الإطاحة بهم من المشهد وإخراجهم إجبارياً، مدير الاستخبارات العامة السابق ورئيس وحدة الأمن القومي إبان المجزرة، اللواء خالد فوزي، والذي أطاح به السيسي في يناير/كانون الثاني الماضي، بشكل مفاجئ من دون علمه، وهو ما تسبب في أزمة صحية له، أسفرت عن دخوله العناية المركزة في مستشفى وادي النيل التابع للجهاز لعدة أيام، قبل أن يفيق من أثر الصدمة.

كذلك فإن الفريق أحمد شفيق، المرشح الرئاسي الخاسر في انتخابات 2012، والذي كان رأس حربة الانقلاب على مرسي من خلال لقاءاته في الإمارات، التي كان يتم خلالها وضع ترتيبات وتفاصيل الانقلاب، بمشاركة قيادات "جبهة الإنقاذ"، لم يأمن هو الآخر من لعنة الدم، إذ تم احتجازه بعدما تم ترحيله من الإمارات في أعقاب إعلانه الترشح لانتخابات الرئاسة الماضية في مواجهة السيسي، قبل أن يضطر أمام التنكيل به واحتجازه وبناته الثلاث إلى أن يعلن التراجع عن تلك الخطوة، لينتهي به الحال معزولاً في مسكنه بالقاهرة الجديدة.

أما في مقدمة السياسيين فيأتي الناشط السياسي حازم عبد العظيم، الذي لم يشفع دعمه المطلق للانقلاب العسكري، في لحظة من اللحظات، وتأييده للمجازر بحق أنصار مرسي. ووصل عبد العظيم إلى درجة كبيرة من القُرب للنظام الحالي، حتى أصبح مسؤول الشباب في الحملة الانتخابية المركزية لعبد الفتاح السيسي في انتخابات الرئاسة 2014، ثم اكتشف زيف وعود السيسي أمام القوى السياسية التي دعمته.

وبعد أن اكتشف عبد العظيم حجم الخديعة التي تعرّض لها، بدأ في توجيه الانتقادات للنظام الحالي بقيادة السيسي، حتى أعلن تبرؤه التام من دعمه له في "مرحلة من تاريخ مصر"، لتبدأ الحرب عليه من جانب الأذرع الإعلامية التي يديرها مدير الاستخبارات الحالي، اللواء عباس كامل، ويتم اتهامه تارة بالعمالة لإسرائيل، وتلقي أموال مشبوهة من الخارج، لينتهي به الموقف الحالي أمام تهمة الانضمام لجماعة أُنشئت على خلاف القانون، وهو نفس الاتهام الذي يوجَّه لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين. وفي 26 مايو/أيار الماضي، وقبل أن تحل الذكرى الخامسة للمجزرة، فوجئ عبد العظيم بقوة أمنية تداهم منزله وتلقي القبض عليه، وبقائمة طويلة من الاتهامات الموجهة إليه في القضية 441 أمن دولة، شملت الاشتراك مع جماعة أنشئت على خلاف أحكام القانون، الغرض منها الدعوة إلى تعطيل أحكام الدستور والقوانين، إضافة إلى نشر أخبار ومعلومات وبيانات كاذبة عن الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد بقصد تكدير السلم العام وزعزعة الثقة في مؤسسات الدولة، وذلك من خلال وسائل الإعلام المختلفة وحساباته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي.

النموذج الثاني لذلك تمثّل في الكاتبة الصحافية غادة الشريف، صاحبة النداء الشهير "يا سيسي انت تغمز بعينك بس"، التي أعلنت دعمها التام لأي دعوات لتأييد السيسي في أي أمر أو مطلب. ففي 25 يوليو/تموز 2013، وقبل ساعات قليلة من "جمعة التفويض في الدم" التي دعا السيسي إليها لمواجهة أنصار مرسي، كتبت الشريف مقالاً بعنوان "يا سيسي انت تغمز بعينك بس"، قالت خلاله "طالما السيسي قال لنا ننزل يبقى هننزل... بصراحة هو مش محتاج يدعو أو يأمر، يكفيه أن يغمز بعينه بس، أو حتى يبربش (يرمش) سيجدنا جميعاً نلبي النداء. هذا رجل يعشقه المصريون، ولو عايز يقفِل الأربع زوجات، إحنا تحت الطلب. ولو عايزنا ملك اليمين، ما نغلاش عليه والله"، مضيفة "طالما السيسي عمل لنا استدعاء وادّانا ميسد كول (في إشارة إلى دعوة السيسي لأنصاره بالتظاهر لتأييد مواجهة الإخوان قبل المجزرة) فأكيد كلنا هنسحب الكوتشي (الحذاء) من تحت السرير وهنلمعها وهننزل لنعطي الإخوان الدرس للمرة الثانية".



وتحولت الشريف من داعمة للسيسي في استباحة دماء معارضيه، إلى متهمة باتهامات جنائية من النظام الذي دعمته، بعد أن تم منعها من الكتابة في صحيفة "المصري اليوم"، وحاصرها في منزلها وعملها. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2017، أحال النائب العام البلاغ المقدم من محامٍ مغمور ضد غادة الشريف، يتهمها فيه بتهديد الأمن القومي المصري وتكدير السلم الاجتماعي، إلى نيابة وسط القاهرة لمباشرة التحقيق. وذكر البلاغ، أن الكاتبة في صحيفة "المصري اليوم"، بدرت منها اتهامات تهدد الأمن القومي المصري وتكدر السلم الاجتماعي. وأضاف البلاغ أنها تحاول، من خلال ترويج الشائعات ضد رئيس الجمهورية والجيش المصري، ضرب الثقة بين الشعب ورئيسه وجيشه، في محاولة لمساندة العناصر الإرهابية، وذلك قبل أن تشن وسائل الإعلام المحسوبة على النظام حرباً ضروساً ضدها، وصلت حد الاتهامات الأخلاقية، بعدما كانت ضيفة دائمة على تلك القنوات.


ولم ينتهِ الأمر عند القوى السياسية التي خططت مع قيادة المجلس العسكري للانقلاب على مرسي، والترحيب بدعوة السيسي للتظاهر دعماً لفض الاعتصامات في 27 يوليو/تموز 2013، تحت مسمى "جمعة التفويض"، عند حد الملاحقة القضائية والتشهير الإعلامي بهم، بل وصل الأمر إلى أن استخدم السيسي ونظامه سلاح "البلطجية" ضدهم، عندما دفع بعدد من المسجلين الخطرين لمهاجمة إفطار نظّموه في النادي السويسري بمنطقة إمبابة، خلال رمضان الماضي، ليُحدثوا إصابات بعدد منهم، في مقدمتهم رئيس حزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، فريد زهران. وكان من بين الحضور في هذا الإفطار، عدد من الرموز السياسية التي كانت تجاهر بدعم الانقلاب، وفي مقدمتهم الدكتور عبد الجليل مصطفى، الذي شغل في أعقاب الانقلاب عضوية الحملة الانتخابية المركزية للسيسي في انتخابات 2014 الرئاسية.


المساهمون