مجازر 8 مايو... جريمة لا تنسى ولن تغفرها الجزائر

10 مايو 2020
+ الخط -
مع كل ثامن من شهر مايو تلبس الجزائر عباءة السواد حزنا وأسفا على أبنائها الذين فقدتهم إبان الحقبة الاستعمارية الفرنسية.. ترثي بين الصمت والعلن الخمسة وأربعين ألف شهيد الذين قضَوْا في سبيل استعادة شرف استقلال البلاد..

الجرح كبير والألم ما يزال ينخر قلب الجزائر. في مجزرة هزّت عرش السماء وزلزلت لها الأرض. كم كان ثمن الحرية باهظا، حتى وان قدَّمه الوطن أقساطا، ولكن عداد الشهداء لم يُغْفلْه سجلُّ التاريخ قبل قيام ثورة نوفمبر 1954.

فرنسا التي كانت منْتشية وقتها بفرحة النصر رفقة الحلفاء على النازية، في الحرب العالمية الثانية، فضَّلَت أن تَسْتعْرض نشوتها أمام العالم ببذخها المترَف والمُسْرف في القتل على الشعوب الضعيفة آنذاك. أرادت أن تشتري صمت المنتفضين بحثا عن وعد "حرية" مخلوف، بالقمع والتقتيل الممنهج، الذي تتجاوز أرقامه خيال العَادّين.


قدَّمت الجزائر في المجازر التي اقترفتها فرنسا خمسة وأربعين ألف شهيد قرابين للحرية والانعتاق، ولكن آلة القتل الفرنسية لم تُفلح في طمس شمس الحرية عن الثائرين في سبيلها، فتحولت المجزرة إلى ملحمة للشهادة. لاستلهام الدرس الأكبر في حياة الشعوب الرافضة للاستدمار، تحت عنوان "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"، حتما تلكم رسالة أحداث 8 مايو الأليمة لشعب الجزائر المنتفض ضد استعمار أحكم قبضته على بلد حر منذ سنة 1830. وعود الحرية لا تقدم جزافا ولا تمنح كهدايا للشعوب المستعمرة.

أخلف من فرنسا

من شيم من جاء مغتصبا للأرض "الغدر"، كذلك فعلت فرنسا مع الشعوب التي استعمرتها، أغرتها بادئ الأمر بالحرية والتعجيل بتقرير مصائرها مقابل المشاركة كسند لقوات الحلفاء ضد ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، ولكن ذلك لم يحدث، وأخلفت فرنسا بما وعدت. فكانت الصدمة قوية على الجزائريين. فقُمعَ صوت المظاهرات المحتفلة باقتراب موعد تحقيق الحلم، الذي سرعان ما تبخَّر تحت وطأة القصف الجوي والرصاص.

صحيح أن حلم الحرية لم يوأد في مهده، ولكنها كانت وصمة عار على المستعمر، في 8 مايو، كانت الضربة التي توجع ولا تقتل، الضربة التي لا تمنح الثقة مجددا في فرنسا باعترافها بالجزائر المستقلة، بل انها الضربة التي أيقظت طائر الحرية، ليُحلّق من جديد بعيداً عن شبابيك المستعمر الغاصب.

8 مايو.. ميلاد ثورة نوفمبر الخالدة
عادة ما تولد من رحم المحن منح، وذلك ما حدث في الجزائر، فقد تحوّلت مجازر 8 مايو 1945 وما خلفته من رقم ثقيل في الضحايا يضاهي ذلك الذي في الحروب العالمية، بحسب ما تذكره المصادر الرسمية في الجزائر، 45 ألف شهيد، وتدمير قرى ومداشر عن آخرها، وتشريد الآلاف من الأطفال، تحولت إلى منحة مكنت الشعب من إعادة الالتحام والتوحد ضد المستعمر الفرنسي الغاشم، وفق تعبئة شعبية غير مسبوقة، فكانت 8 مايو نقطة الانعطاف في مسار التحرر، مُعلنة التأهب لثورة مليونية، وبدء رحلة كفاح شهد لها العالم بالتنظيم والرؤية الواضحة للهدف. إنه الاستقلال، ليأذن الجزائريون بثورة مفتوحة على أصعدة عدة: بالسلاح، وبالحراك السياسي والدبلوماسي، وبالإعلام وبكل الأساليب التي تمنح للشعوب الثائرة الحرية. ثورة دامت سبع سنوات ونصف السنة دفعت الجزائر فيها مليونا ونصف مليون شهيد ثمنا لاستقلالها.

مطالب بالاعتذار

وإذ تعيش الجزائر اليوم في كنف الحرية والاستقلال، بتضحيات الشهداء الأبرار، وإذ ترسّخ هذا العام يوم الثامن مايو عيدا وطنيا للذاكرة، وبعد 75 سنة من هذه المجازر الأليمة تتعالى أصوات الجزائريين الأحرار للمطالبة باعتذار فرنسا عن هذه المجازر، التي تتنصَّل من ارتكابها، وتشكك تارة أخرى في المصادر التاريخية التي توثّق استشهاد 45 ألف شخص.

حتما لن يغفر الجزائريون لفرنسا جرمها البشع في حقهم، ولن يتنازلوا قيد أنْملة عن مطلبهم في "اعتذارها" أمام العالم بذلك. فطي صفحات جرائم الاستعمار التي بحجم مجزرة الثامن من مايو لا صكوك للغفران فيها، ونسيانها ليس من خصال الأحرار.