مثقف ومقاول وحرامي!

30 سبتمبر 2018

لن تعتبره امتحاناً ثقافياً بل ربما تسلية مريرة، حين أضع بين يديك سطوراً من نص أدبي، يَصِف مدينة القاهرة من وجهة نظر بطل النص، ولا أظنك ستندهش لو أخبرتك بعد قراءة النص أو قبلها، أنه لا يصف يوماً من أيام القاهرة الآن، بل يصف يوماً قاهرياً حدث قبل حوالي أربعين عاماً، لن أندهش بالطبع من عدم اندهاشك، لأنك تعلم إن كنت من ساكني القاهرة ومحبيها، أنها اكتسبت مع الزمن سببا إضافيا لتسميتها بالقاهرة، هو قدرتها الرهيبة على قهر محاولات التطوير والإصلاح، بدليل أن كاتب النص الذي ستقرأه الآن، كتب هذا الوصف لشوارعها وأجوائها، بعد خمسين عاماً على مغادرته لها، ليكون ذلك إثباتاً إضافياً على تأثيرها القاهر لأهلها، لكن تعال نقرأ النص سوياً ثم نتحدث عنه وعن كاتبه فيما بعد:  

"حشود البشر الهائمة على وجهها، على إيقاع تسكع صيفي لا مبال فوق الأرصفة غير المستوية لمدينة القاهرة العتيقة، بدت وكأنها قد تكيّفت بسكينة، بل وبشيئ من السخرية اللاذعة، مع تدهور البيئة المستمر الذي لا رجعة فيه، ربما تُحدثنا أنفسنا بأن مجمل هؤلاء الجسورين، المتنزهين تحت الحمم الجارفة لشمس منصهرة، متواطئون بتسامح، في تجوالهم الذي لا يَكِلُّ، مع العدوِّ الخفي المقوِّض لقواعد وأساسات عاصمة كانت منارة في الماضي، تلك الجماهير التي لا تؤثر فيها المأساة ولا حتى الحزن، أشبه بسيل جارف يحمل معه عينات متنوعة من البشر أصابتها البطالة بالسكينة: عمال عاطلون، حرفيون بلا زبائن، مفكرون خاب أملهم في بلوغ قمة المجد، موظفون إداريون مطرودون من مكاتبهم لعجز في عدد المقاعد، خريجو جامعات رازحون تحت وطأة علمهم العقيم الذي لم يؤت ثماره، وأخيرا الهازئون الأزليون، هؤلاء الفلاسفة المحبون للظلام والعتمة ولهدوئهم، الذين يرون أن هذا التدهور المشهود لمدينتهم قد صُمِّم خصيصا لشحذ حاستهم النقدية. 

التصقت بهؤلاء السكان المحليين، ومارست نوعا من الترحال المدني المتسم بالطرافة المفجعة، زُمَرٌ من النازحين القادمين من كل المحافظات والمشبعين بأوهام حمقاء عن ازدهار عاصمة تحولت إلى بيت للنمل. وفي هذا الجو المختل بوحشية، كانت السيارات تندفع وكأنها بلا سائق، غير مبالية بإشارات المرور، حتى يبدو للمترجل الذي تخالجه نفسه بعبور الطريق أنه مقدم على عمل انتحاري، وعلى جانبي طرق رئيسية متدهورة بفعل الصرف الصحي، اصطفّت بنايات آيلة للإنهيار والتداعي (صرف مالكوها عن أذهانهم منذ زمن بعيد أي شعور بالزهو والتباهي لملكيتهم إياها)، تحولت أسطحها إلى أماكن إيواء مؤقتة، تبرز منها ومن شرفاتها هلاهيل البؤس الملونة، كما لو كانت أعلام انتصار. كان تهالك هذه المساكن يثير صورة مقابر المستقبل ويعطي الإنطباع في هذا البلد ـ الذي هو في المقام الأول سياحي ـ بأن كل هذه الأطلال المعلقة قد أكسبتها التقاليد قيمة الآثار فغدت محرمة بحيث لا يمكن أن تمسسها يد. وفي بعض الأماكن يؤدي انفجار ماسورة مجاري إلى تكوِّن مستنقع بعرض النهر، يتكاثر فيه الذباب وتتصاعد منه أبخرة عفنة تزكم الأنوف، أطفال عراة بلا حياء، يلهون بتلطيخ بعضهم البعض بهذه المياه الآسنة، وهو أسلوبهم الأوحد لمقاومة الحر. 

عربات ترام مكسوّة بعناقيد البشر ـ كما لو كنا في يوم ثورة ـ تشق طريقها زاحفة فوق قضبان، مكدس عليها آلاف الرعاع المزعجين المتمرسين منذ زمن على استراتيجية البقاء، دهماء لا يثنيهم عن عزمهم شيئ، ولا يغريهم هدف بعينه، يُذلِّلون بإصرار كافة العقبات والشراك التي تعترض طريقهم، ويواصلونه بين منعطفات هذه المدينة التي يحاصرها الإنهيار وسط أبواق السيارات والغبار والقمامة والوحل، دون إبداء ولو أدنى بادرة عدوانية أو إشارة احتجاج، فمجرد شعورهم بأنهم لا زالوا أحياء قد أعدم فيهم الرغبة في أن يأخذوا أي شيئ آخر في اعتبارهم، ومن بعيد حملت مكبرات الصوت أصوات الدعاة الواقفين على أبواب المساجد كما لو كانت أصداء قادمة من العالم الآخر". 

كاتب هذا النص المؤلم، هو ألبير قصيري، الكاتب المصري مولدا ونشأة ـ من مواليد 3 نوفمبر 1913 في حي الفجالة بالقاهرة ـ وإن كان قد اختار الفرنسية لغة للكتابة، ثم اتخذ فرنسا ذاتها مقاماً ومُستقراً منذ عام 1945، وحتى توفي في 22 يونيو 2008 في فندق باريسي ظل مقيماً فيه طيلة تلك السنين، ربما ليحتفظ بإحساسه الدائم بالسفر والاغتراب، أو لكي لا ينفصل عن كونه معلقاً إلى الأبد بين عالمين: العالم الذي يكتب عنه وعن أهله، والعالم الذي يكتب بلغته ولأهله، وقد اختار هذا النص لافتتاح آخر رواياته (ألوان العار) والتي صدرت في عام 2003 باللغة الفرنسية، بترجمة الدكتورة منار رشدي أنور. 

بطل رواية ألبير قصيري، لص متعلم وأنيق اسمه أسامة، نقرأ وصف القاهرة السابق من وجهة نظره المتعالية على البشر، حيث ينظر إليهم من الأعلى، من موقعه  المختار الذي يطل منه على ميدان التحرير، حيث يقف باحثاً عن فريسة، ومجيلاً نظره في كل ما حوله، وهو "يجترّ أفكاراً تتناقض جُلّ التناقض مع الخُطب التي يرددها بعض المفكرين المعتمدين، والتي يؤكدون فيها أن دوام البلاد رهن باستمرار النظام، بينما المشهد الماثل أمام عينيه يدين بلا هوادة هذا التأكيد الغبي". يقف أسامة على الكوبري العلوي المعدني الموجود في قلب الميدان ـ والذي ربما لم يتغير في الميدان سوى أنه لم يعد موجودا في حين استبدلت عربات الترام بعربات الأتوبيس المزدحمة بالبشر ـ ليستخدمه "كمرصد بانورامي لترسيخ اعتقاده الشخصي بأن العالم يمكنه الاستمرار في العيش بلا نهاية في جو من الفوضى واختلال النظام، وفي واقع الأمر فإنه رغما عن هذا المزيج المشوش والمعقد الذي يهيمن على الميدان الفسيح، لم يكن يبدو أن هناك شيئا ما قادرا على أن يشوب حس الجماهير الفكاهي، ولا استعدادهم القوي للتهكم". 

وبرغم كل توصيفه القاسي لكل ما حوله ومن حوله، كان أسامة في داخله وكشأن كل أهل القاهرة الذين يجمعون بين المتناقضات، مفتوناً في نفس الوقت بأنه يعيش "وسط جنس من البشر لا يستطيع أي مصير ظالم أن ينال من طلاقتهم ومرحهم، فبدلاً من أن يستشيطوا غضباً ضد الصخب الذي تفرضه عليهم مدينتهم المتدهورة تدهوراً مخيفاً، كانوا يسلكون مسلكاً مُرحِّباً ومتحضراً، كما لو كانوا لا يعيرون أدنى اهتمام لأشكال الإزعاج المادية التي لا يمكنها إثارة الحزن إلا في النفوس الحقيرة"، هذا الموقف الذي يصفه أسامة بالموقف الكريم والمترفع بإباء كان يدهشه، لكنه أيضا كان يراه تعبيراً عن عجز إخوانه المواطنين من سكان هذه المدينة عن إدراك المأساة التي يعيشونها. 

في هجاء لصوص السينما 

طبقا لأحداث الرواية القصيرة المكيرة، يسرق أسامة محفظة رجل غني، هو المقاول الكبير عاطف سليمان من أمام نادي ارستقراطي في وسط البلد، ليكتشف خلال تقليبه في المحفظة وثيقة تدين فضيحة سياسية، ربما كانت لتمر مرور الكرام لو لم يكن أسامة لصاً مثقفاً ومتابعا للأحداث. تكمن الفضيحة في خطاب أرسله المقاول إلى شقيق وزير يخبره أنه لن يدفع وحده ثمن انهيار العمارة التي بناها، والتي كان شقيق الوزير شريكاً فيها، يتفاعل أسامة مع الخطاب بقوة، ليس فقط لأنه متابع لتطورات الأحداث في البلاد، بل لأن ارتباط الخطاب بملفات الفساد التي تزكم الأنوف، يتماس بشكل كبير مع حياة أسامة، ومع ظروفه القاسية التي جعلته يتحول إلى اللصوصية، فأبوه عامل سابق أصيب بالعمى بعد ضربه على رأسه في مظاهرة تطالب بحقوق العمال، ومنذ حدث ذلك وفقد الأب قدرته على كسب الرزق، أصبح يسكن في بيت متهالك آيل للسقوط، كلما زاره أسامة أدرك أنه مهدد للإنهيار على رأس أبيه في أي لحظة، ومع ذلك يرفض أبوه مغادرة البيت الذي لا يملك ملجئاً غيره. وفي ظل ظروف قاسية كذه، قام أسامة بتطوير فلسفة خاصة لنفسه، تُكَرِّم نموذج اللص الواعي المثقف الذي يمثله، لتضعه في مصاف المناضل الوطني، حيث يرى أن قيامه بسرقة الأثرياء نشاط يسهم به في رخاء البلاد، طالما أنه ينفق المال المسروق من الأثرياء في أعمال تجارية عدة، كان يمكن أن تتداعى وتؤول إلى الإنهيار بدون أمثاله ممن يفضلون الإنفاق على كنز الأموال. 

وسط حيرة أسامة فيما يجب عليه فعله بذلك الخطاب الخطير الذي وقع بين يديه، وخلال تجواله في شوارع وسط البلد، يلتقي بالصدفة بمعلمه نِمر الخارج من السجن حديثاً، والذي قام بتعليمه أصول السرقة والنشل، لكن أسامة أضاف إلى ما تعلمه منه، لمسته الخاصة التي يرتدي بموجبها ثياب الأغنياء خلال ممارسته لعمله، ومن خلال حوار الإثنين معا بعد الأشواق والسلامات والذي منه، نكتشف أن معلمه نمر ليس سعيداً بالاتجاه الذي اتخذه أسامة، لأنه يعتبره ممارسة للسرقة بدون مخاطر، قائلاً له بحكمة اللص القديم المخلص للتقاليد: "لا شيئ أكثر انعداماً للأخلاق من السرقة بدون مخاطر، فالخطر هو ما يفرق بيننا وبين المصرفيين وأقرانهم الذين يمارسون السرقة القانونية تحت رعاية الحكومة، أنا لم أرسخ فني في ذهنك لتصبح لص سينما، يتمثل همه الأكبر في عدم إثارة نفور جمهوره". 

يرتاح أسامة لرؤية أستاذه في توقيت عصيب كهذا، فيُشركه في حيرته وتساؤلاته عما يمكن عمله بذلك الخطاب، الذي يمكن أن يقلب الدنيا على رؤوس الفسدة وأولاد الحرام، فيقترح نمر عليه الذهاب إلى الكاتب الصحفي كرم الله، والذي تعرف عليه خلال سجنه الأخير، يحكي نمر لأسامة عن كرم الله بحماس شديد، مؤكدا له أن كرم الله ليس من أولئك الثوريين العاديين الذين يريدون تغيير المجتمع، والذين تلقي بهم الحكومة في غياهب السجون، والذين يقول عنهم نمر بمرارة شديدة: "إنني لا أثق في غالبية هؤلاء الثوريين، ينتهي بهم الأمر دائماً إلى أن يصبحوا رجال سياسة رصينين ويدافعون عن نفس هذا المجتمع الذي كانوا يُحقِّرون منه في الماضي". 

مدافن كرم الله 

بالنسبة لنمر اللص المخضرم الذي "ودّكته" الحياة في هذه المدينة، يكمن اختلاف كرم الله عن غيره، في كونه يعمل على القضاء على كل رجال السياسة، من خلال كتاباته التي يسخر فيها بشراسة من كل الشخصيات الهزلية التي تتولى السلطة، تلك الكتابات التي دفع بسببها ثمناً غالياً، حين وصف في مقال له رئيس دولة أجنبية "صديقة" بأنه مختل عقلياً وجاهل، فتسبب مقاله في أزمة دبلوماسية جعلت السلطات تحكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر وبغرامة كبيرة. في السجن، تعرف المعلم نمر على كرم الله فأحبه كثيراً، لأنه اكتشف كونه رجلاً فريداً من نوعه، حتى أنه يحكي لأسامة بإعجاب، كيف كان كرم الله يمازح سجانيه أثناء تعذيبه، وعندما يسأله أسامة لماذا عذبوه أصلاً ولم يكتفوا بحبسه فقط، يكشف نمر له أن الشرطة عذبت كرم الله، لأنها كانت تريد أن تعرف منه اسم من أخبره بقصة الاختلال العقلي لرئيس دولة صديقة، فقد كان قادة الشرطة على قناعة بأنه لم يعرف ذلك من تلقاء نفسه، ولم يكن أحد منهم ليصدق أن تلك لم تكن إلا رمية بغير رامٍ، أصابت هدفا لم تقصده بمنتهى الإحكام.   

بعد خروجه من المعتقل فور قضاء مدة العقوبة، قرر كرم الله أن يسكن في المدافن، في ضريح ورثه عن أبويه، ليس لأنه قرر اعتزال الحياة غضبا منها، بل لأن السجن جعله معدما، فمنذ خرج من السجن والناشرون والصحف يرفضون كتاباته، بناء على أوامر الحكومة، فضلا عن صدور أحكام قضائية تغرمه بمبالغ تقدر بمئات الجنيهات، ولأنه لم يملك ما يمكنه من تسديد الغرامة، أصبح البحث جاريا عنه بحماس لمصادرة أملاكه القليلة المتبقية، وفي ظل كل هذه الظروف المأساوية، ومع أن كرم الله كان يثق دائماً في أن هناك نهاية حتمية لكل مأساة، بما فيها مأساته الشخصية، فقد بدا له أمراً طريفاً، أن يوجه ضربة قاضية لمضطهديه باختفائه دون ترك عنوان. 

إقامة كرم الله في المقابر، أتاحت له فرصة طويلة لممارسة التأمل في أحوال البلاد والعباد، حيث أخذ "يفكر مليّا في تخاذل الشعوب وخضوعها لصفاقة الحكام الظالمين، امتنانٍ راضٍ للطغاة، مقارب غالبا للورع، كان يثير فيه دهشة دائمة، وقد توصل إلى أن غالبية الشعوب لا تصبو إلا إلى العبودية"، ولم يعد يبدد وحشة هذا المناخ الذي ينتج تأملات كئيبة مثل هذه، إلا باحثة شابة اسمها ناهد جميلة المخبر لا المظهر، تحرص على زيارته بانتظام في المدفن، بعد أن بحثت عنه طويلا، وحين توصلت إليه أخذت تقول بحماس شديد، أنها عندما قرأت كتابا لها وكانت مريضة ومتعبة، شعرت أن رؤيتها للعالم قد تبدلت إلى الأبد، واصفة ذلك الشعور بقولها "كنتُ كمن تحيا في أعقاب ثورة مات فيها الطاغية، وتجد الناس يبتسمون لك دون سابق معرفة لأنهم سعداء"، وكرم الله الذي كان يعرف من خلال تجاربه الطويلة المريرة، أن موت الطاغية لا يعني نهاية الطغيان، لم "يرغب في تقويض تلك الصورة الساذجة للثورة حرصا منه على عدم إثارة قنوط الفتاة"، التي أصبحت تُشكِّل الحتّة الطريّة الوحيدة في حياته، ولو حتى على المستوى المعنوي لا المادي. 

بعد أن يتداول أسامة ونمر مع كرم الله في اجتماع طارئ بالمدفن، فيما ينبغي فعله بالوثيقة التي تثبت الفضيحة، يقرر الثلاثة إرسال خطاب مراوغ إلى المقاول، يطلبون فيه مقابلته الفورية في أحد مقاهي حي الحسين، ولأن المقاول كان مرتعباً منذ سرقة محفظته من وقوع فضيحة مدوية، فإنه فور قراءته للخطاب يقرر الذهاب في الموعد المضروب له، وخلال تجواله في حي الحسين الذي لم يكن قد زاره منذ فترة طويلة، يتأمل التفاصيل حوله فيقول لنفسه بقرف شديد: "كما هو الحال بالنسبة للمرأة القبيحة التي لا تزداد قبحا مع تقدم العمر، لم يتعرض حي الحسين لتدهور إضافي مع مرور السنين"، يسير المقاول وسط الناس  فيفكر في أن ما كان يذهله حقا في السابق، وأصبح يمثل بالنسبة له الآن شيئا جديدا يتعذر فهمه، هو "جو السعادة الذي كان يستشعره من حوله، والذي كان يبدو متحديا لصورة البؤس التي عادة ما تكون كئيبة، ومع أنه لم يكن في يوم عيد، فقد أغضبه كثيرا مناداة كل هؤلاء الأشخاص لبعضهم البعض ببهجة، وتراشقهم بالنكات وقهقتهم بالضحكات كما لو كان مبعث السعادة في نفوسهم، هو مجرد وجودهم على قيد الحياة، ولذلك فقد حثّ الخُطى بدافع من رغبته في ألا يفسد نفسه، في خضم هذه العربدة من الصراخ والنقاشات المملة المرحة، فلقد كان يرى في هذه البهجة الراعدة اهانة لغبطة الأغنياء الرقيقة". 

اجتماع اللصوص  

يجلس المقاول مع المثقف وصديقيه الذين لا يعرف أنهما لصان من جيلين مختلفين، لكنه يفشل في التعرف على شخصياتهم وعلى حقيقة ما يريدونه منه، ولكي يتجنب الإمعان في القلق من الخسائر التي سيترتب عليها قبوله لابتزازهم له، يتخذ عاطف سليمان من الهجوم خير وسيلة للدفاع، فيكابر قائلاً لهم إن انهيار العمارة كان وراءه كارثة طبيعية بسبب حدوث زلزال، وليس وراءه مواد بناء مخالفة، وأنه استقدم خبراء من الخارج قاموا بتأكيد ذلك. 

يُعجب كرم الله في داخله بالسخرية الإبداعية لمالك العمارة، ويقول لنفسه إن بدعة المقاول في الحديث عن "زلزال انتقائي يستهدف عمارته وحدها" تُشكل في حقيقة الأمر "تقدما حاسما في التاريخ الطويل للحقارة البشرية"، ثم يفكر في أن هذا الهدوء الذي يتمتع به المقاول، وهذه الرصانة التي يدير بها حياته، لم يتحققا إلا على أساس استخفافه بقدرة البشر على فهم أكاذيبه، أو اعتقاده الراسخ بعدم وعي بشر هذه البلاد بأن ما يقوله ليس سوى أكاذيب، وكمصداق على ما يفكر فيه كرم الله في التو واللحظة، يفاجأ بعاطف سليمان المقاول يتمادى فيقول لهم بكل صفاقة أنه "لا يرى أننا في عصر الفراعنة لذلك لا يجب أن تكون العمارات دائمة بل يجب أن تكون مؤقتة ويسمح بانهيارها".  

في المشهد الختامي للرواية، ينساق كرم الله بفعل العبث المتدفق من كلام المقاول، فيقرر إخباره أن أسامة الذي عثر على الخطاب ابن أمير سابق، وأنه لم يحضره إلى هنا لكي يبتزه ويطلب منه نقوداً كما فهم، بل أراد استكشافه والتعرف عليه، ولأن المقاول بدأ في الشعور بالضجر بسبب ما ظنه مراوغة لن تنتهي، يقرر أن يطلب منهم استعادة الخطاب لكي ينصرف إلى مصالحه، فيفاجأ بأسامة الذي يبدو أنه كان قد أخذ قراراً سابقاً بالإتساق مع العبث، يقول له أنه لن يعطيه الجواب أبداً، لأنه بعد أن التقطه من المحفظة التي وجدها على الرصيف، نجا من دهس سيارة أجرة له، ولذلك قرر على الفور أن يتخذ الخطاب كحجاب يكفيه شر المستخبي من تصاريف الزمان، ويفتح أسامة صدره للمقاول ليريه كيف قام بربط الخطاب في صدره بسلسلة رفيعة من الفضة، فينفجر المقاول عاطف غاضباً ويصرخ فيه قائلاً: "قل لي يا أمير ألست تعتبر هكذا لِصّا"، فينتصب أسامة واقفا ويقول له متحدياً: "لِصٌ صغير مقارنةً بمعاليك"، لينفجر معلمه نمر بضحكة "لا تضاهيها ما عداها من الضحكات، ضحكة ثورية، ضحكة من اكتشف لتوه الوجه البغيض والهزلي لأقوياء هذا العالم".

لا تملك بعد أن تنهي قراءة رواية ألبير قصيري التي كتبها عن أحوال مصر في عز ما كان يعرف بالانفتاح الاقتصادي، إلا أن تنظر إلى كل ما تعيشه مصر الآن، وبعد مرور كل هذه السنين من النهب المنظم لخيرات البلاد، والإفساد الممنهج والعشوائي لعقول العباد، وهو ما أنتج في النهاية هذا الواقع المجلل بالمزيد من ألوان العار الداكنة، وهو واقع سيستمر هكذا للأسف، إن لم يتدهور إلى ما هو أسوأ، ما لم تدرك أغلبية سكان هذه البلاد ضرورة تغييره العاجل إذا كانت راغبة في مستقبل أقل سوءاً، وهنا لا تملك إلا أن تفكر في أن نقطة البداية لمقاومة هذا العار ومحو ألوانه، يجب أن تنطلق من الإدراك السليم للواقع، وعدم المكابرة في الاعتراف بحقائقه، وهو ما سبق أن أشار إليه ألبير قصيري ذاته في روايته الرائعة (العنف والسخرية) حين كتب: "أعرف شيئين في غاية البساطة، أما الباقي فلا أهمية له: الأول هو أن العالم الذي نعيش فيه تحكمه عصبة نبيلة من الأنذال التي لطخت الأرض، الثاني أنه يجب ألا نأخذ الأمرعلى محمل الجد، لأن هذا هو ما يرغبون فيه".