مثقفو لبنان ينتفضون

22 أكتوبر 2019
الصورة

(معمّر مكي)

يكتب الشاعر اللبناني، شوقي بزيع، إن اللبنانيين يخوضون معركة كسر الحلقة الجهنمية لنظام الملل المذهبية المتحدّة، ويتولون كتابة القصيدة الأجمل التي عجز الشعراء عن كتابتها. وكتبت الناقدة، ناتالي خوري غريب، إنها المرّة الأولى في لبنان، الشعب يتكلم في الساحات وعلى الشاشات، والسياسيون في منازلهم مجبرون على الإصغاء. ويقترح الروائي، إلياس خوري، ما يمكن حسبانها خريطة طريق، عندما يكتب إن إسقاط النظام شعارٌ ملموس، ولا يعني الدخول في الفراغ، بل يعني تشكيل حكومةٍ انتقاليةٍ مدنية، لا يتمثّل فيها أحد من كتلة المافيا الحاكمة، بأحزابها وتياراتها كافة، حكومة انتقالية مدنيّة، تؤسّس لبناء دولةٍ ديمقراطية، وتقيم نظاما ضريبيا عادلا، وتلاحق أوكار الفساد، وتبني نظاما قضائيا مستقلا. ويكتب الشاعر محمد علي شمس الدين إنها لحظةٌ تاريخيةٌ نادرة، لم يسبق لها مثيل في ذاكرة اللبنانيين. ويكتب الباحث سعود المولى، من الدوحة، حيَّا على الثورة، حيَّا على شعبٍ أراد الحياة. ويكتب أيضا إن العهد ورجاله سقطوا، في ساحات بيروت وطرابلس وصيدا وصور وبعلبك والنبطية وجل الديب وزحلة والبترون ودير القمر، وفي ضمير كل مواطن حر. ومن سيدني، يكتب الشاعر وديع سعادة، لا تقولوا لدينا مطالب، قولوا لدينا حقوق ونريد حقوقنا. ويكتب المعلق، جهاد الزين، إن ما يحصل في شوارع المدن اللبنانية لم يتخط مخيلته فحسب، بل إنه لم يخطر على باله يوما...
هذه نتفٌ شديدةُ الإيجاز من بين غابة التعليقات التي جهر بها على صفحات السوشيال ميديا كتّاب أدبٍ ومثقفون وإعلاميون لبنانيون ليس في وسعك عدّهم. دلّت كلها على غبطتهم بالجاري في بلدهم، منذ أيام، والذي ينطق بحزمةٍ وفيرةٍ من المعاني. اجتمعوا على الفرح بانتفاضة لبنان وأهله، في كل جهاته، ضد نظام الملل المذهبية المتحدّة، بحسب نعتٍ حاذق، سمّى به شوقي بزيع النظام المتحكّم بلبنان. وفي الوسع أن يقول واحدنا، من دون تحرّز، إن لبنان يستحقّ أكثر من تهنئةٍ على هذه الوثبة الساخطة، السلمية، الواثقة، غير المهادنة أبدا، والواضحة، يجتمع فيها ناسُ هذا البلد، وقد تجاوزوا تماما تصنيفاتهم المذهبية والمناطقية، وأمزجتهم السياسية والحزبية، على رفض هيمنة شللٍ من المتنفذين الذين وزّعوا الحصص إياها بينهم وعلى حواشيهم، وتسبّبوا بإفقار البلد والشعب. وتهنئة أخرى مستحقّة للبنان، لاجتماع نخبته العريضة، سيما من أهل الفكر والفن والأدب، على الفرح بالمفاجأة التي يطلّ فيها شعب لبنان على نفسه. يشارك شعراء وشاعرات، ومسرحيون ومسرحيات، وممثلون وممثلات، ومغنون ومغنيات، وروائيون وروائيات، في التظاهر في الميادين والساحات، ويهتفون بسقوط النظام، وبرحيل العهد، ومغادرة الحكومة. وإذا جاز لبعضنا أن يتصيّد موقفا لهذا المغني، أو لذاك الشاعر، كان فيه بشأن شعب سورية مثلا على غير ما هو حاله مناهضاً الحكم في بلده، فذلك جيّد أن يكون نقطة نظام فحسب، وليس مستحسناً أن يكون في متن الموضوع اللبناني البديع.
تيسّر بهجتنا، نحن محبّي لبنان وشعبه العظيم، بغبطة المثقفين اللبنانيين بانتفاضة ناسهم، أن ننتظر منهم فعلا آخر، موجزه المبادرة إلى أن يكونوا عنوانا ماثلا في البلد، تشكيلا مدنيّا صاحب اقتراح في النقاش العام. وأن يكون أهل مكّة أدرى بشعابها، وأن يؤكّد على البديهي أن لبنان الذي علّمنا أبجدياتٍ غير قليلة لا يمكن أن تحتاج نخبته المثقفة، صانعة الرواية والقصة والأغنية والمسرحية، نصيحةً أو درسا، فذلكما لا يمنعان أن تورّطك اللحظة اللبنانية الساخنة، وأنت بعيدٌ عن فضاءاتها، في غواية الأمل الذي يحسُن أن يصنع التغيير المشتهى. تنظر إلى هذه اللحظة من الخارج، من عيونٍ بعيدةٍ. ترى المشهد على شاشات التلفزات والهواتف والحواسيب، ولا تعيشُه محسوسا، ولا تتنفس من غبارِه، تتأمّله بعقلِ ظهيرٍ ونصير، فتجد نفسَك تأمل حضورا وازنا لأصحاب الحرْف والأغنية واللوحة، ينتزعون موقعا في الشراكة الحقيقية في صناعة القرار، سيما أن هذا القرار الآن ليس بناء محطة تحلية مياه ولا إلغاء وزارة أو إعادة هيكلة منشأة حكومية، وإنما مستقبل وطن، بتغيير شكل النظام وآلية تركيب السلطة، كيف لا، وقد قال أهل الفن والأدب ما قالوه في الفضاء الأزرق عن هذا الأمر بالضبط.
تعليق: