متى يستعيد الفلسطينيون وحدتهم الكفاحية؟

متى يستعيد الفلسطينيون وحدتهم الكفاحية؟

16 مايو 2017
الصورة
+ الخط -
يعاني الوضع الوطني الفلسطيني، على الرغم من همومه المتعاظمة، والنابعة من معطياته الذاتية في معظمها، تباعدا وشقاقا وانقسامات مضافةً غير مسبوقة، فقدت معها الحركة الوطنية الفلسطينية زمام المبادرة والفعل القيادي الخلاق، على الرغم من التضحيات الجسام التي تقدمها جماهير الشعب الفلسطيني، في ظل معاناتها المضاعفة، وفقدانها الاتجاه وغياب التوجهات والتوجيهات الراشدة من قيادةٍ حكيمةٍ شرذمت ذاتها على مذبح مصالحها الأنانية والزبائنية الخاصة، وشتتت معها كامل الجهد الوطني، واقتسمته فئويا وفصائليا، حتى باتت الوحدة الوطنية حلم ماضٍ كان جميلا في زمنٍ كان يرنو إلى المستقبل، وها نحن نقع في الخطايا لألف سبب وسبب، من دون أن نفصح عما نريد وما يريد الناس، بعد ما يقرب من سبعبن عاما على نكبة اللجوء والتشريد والتشتيت داخل الوطن وخارجه؛ بينما العدو يرقص طربا وفرحا على ما وصلت إليه الحالة الفلسطينية المزرية اليوم، وهي تشهد لقيام دويلات الأمن والقمع، وما يشتم منها من روائح كريهة عن تضادٍّ وتعاد بين العائلات والبلدات والقرى والمحافظات كما في الضفة، ومثيلها في قطاع غزة مع فوارق سلبية في كل الأحوال، وما تشهده المخيمات الفلسطينية في لبنان من حروب الزواريب وحالات التزلّم والاستزلام، والتزعّم الإسلاموي لحالة هستيرية سلطوية، تريد أن ترث واقع الحال الفلسطيني وتجيّره لمن يموّل ويسلح ويدعم من قوى وأجهزة مخابرات قوى إقليمية، وربما دولية، باتت ترى فرصتها سانحةً في غياب قيادة مركزية مسؤولة مسؤولية موحدة عن الشعب الفلسطيني.
وحين يكفّ الكفاح الوطني عن مواصلة اشتغاله وفق معاييره ومقاييسه الخاصة، والمعروفة والمتعارف عليها عالميا، تتحول سلطة الورثة إلى عامل شقاقٍ ينزاح فيه الكفاح عن وطنيته المفترضة، ليذهب في اتجاهاتٍ متعادية، لا يستفيد منها سوى العدو. والحال الفلسطيني اليوم هو كذلك بعد مرور 69 عاما على النكبة؛ كفاح سلطات أبوية، فئوية وفصائلية، فرّخت أكثر مما ينبغي، خصوصا في صفوف التيارات الإسلاموية، بعد أن فرّخت التنظيمات الجبهوية القديمة أكثر مما ينبغي من فصائل، جميعها يقف حجر عثرة أمام استمرار طموحات شعب فلسطين في كل أماكن وجوده، وتوقه للحرية والتحرير والاستقلال الوطني.

في هذا الوقت، تصرّ إسرائيل، الكيان الكولونيالي الاحتلالي، على "ضرورة" تعريف نفسها دولة للتمييز العنصري، عبر كل تشريعاتها القانونية، كما في كل مسلكياتها الفاشية، وآخر ما تفتقت عنه ذهنية اليمين الصهيوني المتطرّف، ذلك القانون العنصري الذي يريد التمييز بين مواطنة خاصة للإسرائيليين، وأخرى للفلسطينيين الأصلاء في وطنهم التاريخي.
وفي كل عام وعند الاقتراب من ذكرى النكبة، يعيد اليمين الإسرائيلي المتطرّف طرح مشروع "يهودية الدولة"، في إصرار واضحٍ على مسألة تعريف إسرائيل نفسها دولة للتمييز العنصري، بإعلانها أنها "دولة للشعب اليهودي"، حيث أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في الذكرى السادسة والستين لإنشائها، عن اعتزامه سن قانون أساسي يكرّس إسرائيل دستورياً، "دولة للشعب اليهودي"، حيث يُشكّل إعلانه هذا استمراراً طبيعياً لخط اليمين المتطرّف الإسرائيلي صاحب الأيديولوجيا التي انحازت وتنحاز لسلوك فاشي، يصر على نكران أي حق للفلسطيني في وطنه التاريخي، واستبدال هذا الحق بباطل الادعاءات والمزاعم التوراتية.
وقد صادقت اللجنة الوزارية للتشريع في إسرائيل، أخيرا، على النص الجديد لـ"قانون القومية" بمبادرة النائب آفي ديختر (الليكود)، وهذا ما يعتبره فلسطينيو الداخل إعلان حرب عليهم. وسيعرض قريبا على الكنيست، للتصويت عليه بالقراءة التمهيدية، وسيحوّل ثانية للجنة الوزارية لمناقشته. وينص اقتراح القانون الجديد على أن "إسرائيل هي البيت القومي للشعب اليهودي" وأن "حق تقرير المصير في دولة إسرائيل يقتصر على الشعب اليهودي". كما ينص اقتراح القانون على أن "لغة الدولة هي العبرية"، وتغيير مكانة اللغة العربية من لغة رسمية إلى "لغة لها مكانة خاصة في الدولة، وللمتحدّثين بها الحق في نيل خدمات الدولة اللغوية". ويمنح القانون امتيازات لليهود، لكونهم يهودا في كل مجالات الحياة، من تعليم وعمل. والغالبية الساحقة من بنود هذا القانون مطبّقة منذ عشرات السنين، مع بعض استثناءات، لكن القانون المقترح عملية لتثبيت هذه السياسة، وجعلها إلزامية، بمعنى جعل العنصرية سياسة إلزامية لمؤسسة الحكم، وليس فقط توجهاتٍ سياسية غالبة على عقلية الحكم.
ستبقى "يهودية الدولة" الآن وفي المستقبل الهدف الأقصى المباشر الذي تسعى إسرائيل إلى نيل اعتراف العالم به، وبالأخص الفلسطينيين، بما يعنيه ذلك من تسليم بشرعية ومشروعية وجود كيان اغتصاب استيطاني إحلالي فوق تراب وطن شعب آخر، بغض النظر عمّا تقوله المرويات والسرديات الدينية الخرافية والأسطورية القديمة والحديثة، وهي دولة استيطانية لا يمكنها، استنادا إلى تلك المرويات والسرديات الخرافية، أن تقنع أو تقتنع، لا الآن ولا في المستقبل، بما حازت وامتلكت من أرضٍ مغتصبة، فمن كان من طبيعته وطبائعه الاستيطان وإدمان الوجود والروح الكولونيالي، لا يمكن أن تسفر أي مفاوضاتٍ أو أي تسوية معه، عن نتائج يمكن أن يوقف بموجبها تمدّد أخطبوطه السرطاني، طالما هو يحرّم الاقتراب من "بقرته المقدسة"، تلك التي تسمى اليوم وغدا "عقيدة الاستيطان"، وهي مما لا يمكن للفلسطيني أن يقبل بها، أو يتسامح مع تداعياتها المتواصلة، فكيف بالاشتغال إيجابا بالتعاطي مع هذا الحل، وهو لذلك لن يجد هنا "تسويته الخاصة"، طالما أن الأميركيين يسعون إلى إيجاد حلولٍ لعقدهم الخاصة، واشتباكهم السياسي والعسكري مع عديد من قضايا المنطقة إقليميا واستراتيجيا، وما تبنيهم مسألة المفاوضات الإقليمية، سوى محاولةٍ في دربٍ طويل، لن يكون من اليسير أو السهولة بمكان حل عقد قضاياهم مع دول الإقليم، وصولا إلى تحقّق تسويةٍ سياسيةٍ لقضايا الحل النهائي، تحت وهم تحقيق ما تسمى "صفقة القرن"، وفوق رمالها المتحرّكة يشيد بعض العرب والفلسطينيين قصور أوهامهم عن تسويةٍ ممكنةٍ بضمانات ترامبية.
من هنا، شكل الاستيطان وتلك القضايا، بتعقيداتها الكثيرة، واحدة من المصدّات الأساسية، بل المركزية، بالنسبة للكيان الإسرائيلي، وهو يدفع عن ذاته إمكانية أن يخلع عنه جلده، أو أن يذهب إلى تدمير ذاته بذاته، إنْ هو تخلى عن "مبدأ الاستيطان"، وتطبيقاته الاحتلالية، وهو الكيان الذي اعتبر المستوطنين الأوائل بمثابة "الطلائع الصهيونية"، والمستوطنات الأولى بمثابة "العودة إلى أرض صهيون" التوراتية التي بُدئ بإنشائها أواخر القرن الثامن عشر، مراكز "طليعية" أولية، أطلقت شرارة الهجرة اليهودية إلى فلسطين. وها هي تستمر نهجاً ثابتاً، لا يمكن لكيان الاستيطان الإحلالي التخلي عنه، وإلّا كان يدخل منعطفا تاريخيا يقوده إلى التخلي عن عنصريته الفاشية، ونمط حياته الإحلالي الكولونيالي، بينما لا تتوفر أي مؤشرات داخلية أو خارجية، يمكن مقارنتها بمعطيات التحولات التي جرت في جنوب أفريقيا، وأدت للتخلي عن نظام التمييز العنصري.

وعلى أعتاب الذكرى الـسبعين لقيامها، لم تعد إسرائيل، على الرغم من الوضع العربي والفلسطيني المزري، مرتعا مريحا ليهود العالم، وهي تمضي من مسار انحداري إلى آخر، سماته الأساس مواجهة مزيدٍ من التحديات الداخلية والخارجية الأكثر تعقيدا. وبحسب وثائق إسرائيلية أكاديمية وإعلامية، يعاني المشروع الصهيوني من إشكالية ديموغرافية مرتبطة بالهجرة اليهودية المعاكسة من إسرائيل، إذ أظهرت تقديراتٌ، نُشرت أخيرا، أنّ ما بين 700 و750 ألف إسرائيلي يعيشون خارج إسرائيل، يقيم 60% منهم في أميركا الشمالية و25% في أوروبا الغربية، كما تشير معطيات دائرة الإحصاء المركزيّة إلى أن خمسين ألفا من المهاجرين الروس إلى إسرائيل في العقد الماضي قد عادوا إلى روسيا.
لكن، وفي غياب البرنامج السياسي الموحد والمشترك بين كامل أطراف الصف الوطني الفلسطيني، وفي غياب وحدة قوى الحركة الوطنية في إطارها الوطني الجامع (منظمة التحرير) بعد إعادة تفعيلها وبنائها وتكريسها ممثلا للكل الفلسطيني، بعيدا عن نزعات الهيمنة السلطوية وروح البطركة الأبوية، سيبقى الوضع الوطني أكثر عرضةً لمخاطر التشرذم والانقسام الداخلي، يغذّيه خصوم الداخل بأكثر مما يغذّيه أعداء الخارج، وينفخ في روح الخصام والاختصام أيضا خصوم الداخل، باعتبار ذواتهم البديل الذي يعوّل عليه خارجيا، بينما يعولون على ذواتهم ممثلين للكل الوطني، فيما هم حقيقة وواقعا ليسوا أكثر من ممثلين فئويين وفصائليين للبعض الوطني الذي لا يمكن اختزاله في سلطةٍ هنا أو سلطة أمر واقع هناك. وهذا بالضبط ما يناسب الهدف الذي سعت إليه الحركة الصهيونية منذ إنشائها، وعملت على تحقيقه بأدواتها، كما بأدوات غيرها، وها هي، وبعد سبعة عقود من النكبة الأولى، يواصل الفلسطينيون العيش في ظل نكباتٍ ذاتية وموضوعية، تواصل وضع أجيالهم وقودا في أفران المآسي، ربما انتقاما من أفران النازي، ومن أفران الماضي كذلك.