متى تتوقّف في مصر البكائيات وتبدأ المراجعات؟

05 يوليو 2017
الصورة
+ الخط -
في ذكرى عاشوراء يبدأ المسلمون الشيعة في إقامة الطقوس المعروفة كل عام، وهي تشمل تذكّر مأساة الحسين والحكي عنها، ثم إقامة سرادقات العزاء، بالإضافة إلى مواكب اللطميات والتطبير وإسالة الدماء.
ما بين اللطميات والتجاهل، والتهويل والتهوين، توجد آراء مختلفة، فعن ذكرى استشهاد الحسين وما قبلها من أحداث، وما أدى إليها، تختلف روايات السنّة عن الشيعة، فهناك من يبرز ويبالغ في أحداث ويتجاهل الأخرى والعكس. وهناك رواية ثالثة بين الفريقين، تحاول أن تسرد، بشكل متجرد، وتحاول الابتعاد عن التحيز والمبالغة، فالصحابة كانوا بشرا، وأصل الانقسام في أمة الإسلام كان خلافاً سياسياً.
أتذكر ذلك كلما مرّت ذكرى "30 يونيو" في مصر، فعلى الرغم من كل ما حدث ويحدث من تبعات، ستجد أن هناك خلافًا حول اليوم وتعريفه وتبعاته، فلدى جماعة الإخوان المسلمين رواية تعتمد على "المظلومية" التي تعتبر كل ما حدث مؤامرةً دوليةً صليبيةً صهيونيةً كونية ضد الإسلام والمسلمين والمشروع الإسلامي والرئيس المنتخب، ولذلك، كل من مهّد وأيّد وشارك ودعم خائن دينه ووطنه، وكل من لا يطالب بعودة الشرعية والرئيس المنتخب يستحق كل ما يلاقيه من تنكيل وقمع على يد الأجهزة الأمنية.
على الجانب الآخر، تجد الرواية الرسمية وأنصارها على النقيض، تعتمد على الأكاذيب والمبالغة وشيطنة "الإخوان"، فكل شرور العالم ارتكبها "الإخوان"، المسؤولون عن الإرهاب وبيع سيناء وحلايب وشلاتين وقناة السويس، ومسؤولون كذلك عن حروب العالم والانبعاث الحراري وثقب الأوزون.
الرواية الثالثة لا يقبلها الطرفان، فيزعم أصحابها (وأنا منهم) أن الصراع في الأساس كان 
على السلطة والمصالح الاقتصادية، إنها سرديةٌ ربما تبدأ منذ ما قبل 25 يناير 2011، عندما كان جيل من الشباب ليس محمَّلا بعُقد الصراعات التاريخية بين الإخوان المسلمين واليسار في السبعينيات. لذلك، كانوا يدافعون منذ 2005 عن فكرة جبهة وطنية واحدة ضد نظام حسني مبارك المستبد. وتضم هذه الجبهة "الإخوان" بالطبع، بصفتهم فصيلا وطنيا موجودا على الأرض له جذور عميقة، مهما كان الاختلاف معهم، وكان هؤلاء الشباب يدافعون، بالطبع، عن حق جماعة الإخوان "المحظورة وقتها" في الممارسة السياسية، وحقهم في إنشاء حزبٍ سياسيٍّ، والتعبير عن أفكارهم بكل حريةٍ في وطن حر يسع جميع الأفكار والاتجاهات.
ولذلك، كان هناك حرص على عدم التفرقة بين القوى الوطنية في الـ 18 يوما في ميدان التحرير، وعندما أراد نظام حسني مبارك تصفية الثورة في الأيام الأولى، وزعم إعلام مبارك أنها فوضى ومؤامرة ينظمها "الإخوان المسلمون"، قال الشباب لا، إننا جميعنا واحد ضد الظلم والفساد، ليبرالي وإخواني وناصري واشتراكي، مسلم ومسيحي وملحد. فبهت النظام، وفشلت خدعة أسلمة الثورة وتصفيتها في صمت، كما فعل بشار الأسد لاحقا.
تقول الرواية الثالثة إن هؤلاء الشباب أعطوا الفرصة تلو الفرصة لجماعة الإخوان المسلمين، ربما يكون الإصلاح على أيديهم، كما كانوا يزعمون، وربما يكونون صادقين في شعارات "مشاركة لا مغالبة"، و"رئيس لكل المصريين". وفي هذه الرواية، خدعت جماعة الإخوان الجميع وخذلتهم منذ اليوم الأول للثورة، فقد تحالف "الإخوان" مع المجلس العسكري، من أجل الفوز بمكسبٍ سريع، والسيطرة على البرلمان، فبدأت الدعوات إلى إخلاء الميدان قبل إحداث أي تغيير، ثم تم ترويج الاستفتاء المبكر في مارس/ آذار2011 الذي مثّل اتفاقا سريا يعطي المجلس العسكري شرعية السلطة، ويسهّل لـ "الإخوان" بدء معركة مبكرة للفوز بالبرلمان، والالتفاف على مطلب مجلس رئاسي، وجمعية تأسيسية لكتابة الدستور، وهو ما جعلهم يتراجعون عن وعود المشاركة لا المغالبة، ثم نافسوا شركاء الثورة منافسةً مبكرةً على كل مقاعد البرلمان، ثم بدأ التأييد العلني من تحالف "الإخوان" والسلفيين للمجلس العسكري، والدفاع عن كل المواقف والقرارات، مهما كانت خاطئة، ودعم "الإخوان" والسلفيون كل الإجراءات القمعية ضد شباب الثورة، مهما كانت خسيسة ودموية.
لماذا شارك شباب الثورة المصرية في احتجاجات "30 يونيو" ضد حكم "الإخوان المسلمين"، على الرغم من علمهم بالتدخلات والترتيبات السرية من العسكر والمؤسسات القديمة؟ الإجابة ببساطة لأنهم أعطوا الفرصة تلو الفرصة لجماعة الإخوان المسلمين، وتحملوا اللوم والتخوين
في سبيل ذلك، و"عصروا الليمون" على أنفسهم كما يقول المثل المصري، وأسهموا في فوز مرشح جماعة "الإخوان" الدكتور محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية في 2012، ولم يجدوا من "الإخوان" إلا التشويه والتخوين، مع أول اعتراضٍ على أداء مرسي والجماعة.
"من أعان ظالماً على ظلمه سلّطه الله عليه"، جملة تكرّرها لجان الإخوان الإلكترونية كل يوم، وسط وصلات الشماتة والتشفّي والاحتفاء بحملات التنكيل والاعتقال والتشويه التي يتعرّض لها أعضاء المجموعات الشبابية المعارضة لعبد الفتاح السيسي والحكم العسكري، فهذه المجموعات خائنة في نظر "الإخوان"، بسبب المشاركة في 30 يونيو 2013. ولكن، لو أعادوا التفكير سيكتشفون أنها تنطبق أكثر على ما فعله "الإخوان" في 2011 و 2012، عندما باركوا ما فعله العسكر ضد المجموعات الثورية الشبابية من قتل وسحل واعتقالات وتشويه وتخوين، والسؤال الأهم: من الذي قام بتعيين السيسي وزير دفاع بطعم الثورة، ومن الذي قام بتعيين السفاح محمد إبراهيم وزيراً للداخلية؟
لماذا شاركت المجموعات الشبابية في تظاهرات "30 يونيو" التي أدت إلى انقلاب عسكري عصف بالجميع، وبالتجربة الديمقراطية الوليدة؟ يزعم أصحاب الرواية الثالثة أنه لو كان لدى "الإخوان المسلمين" بعض المرونة في تلك اللحظة، ولو كانوا تخلوا عن بعض الغرور والعناد، لكنا تجنبنا جميعا انقلاب 3 يوليو 2013، ويزعمون أنه كان هناك غضب شعبي حقيقي واسع ينكره "الإخوان"، ولا يزالون ينكرونه، شارك فيه الملايين ضد أسلوب "الإخوان" في الحكم، فلم تكن فقط مؤامرةً من العسكر وأجهزة الدولة، واستطاع العسكر والدولة العميقة توظيف هذا الغضب وتغذيته، وبسبب الكبر والعناد وسوء تقدير قيادات جماعة "الإخوان"، تم اختطاف مطلب انتخابات رئاسية مبكرة، وتحويل المسار يوم 3 يوليو.
تمسّك "الإخوان المسلمين" بشرعية الصناديق، ولا يزالون/ وهي أضعف أنواع الشرعية، لكنهم دوما يتجاهلون، للأسف، أنهم فقدوا تأييد قطاع كبير من الشعب في أثناء فترة حكمهم، فشرعية الصناديق تعتمد على تأييد الأغلبية في ظرف ووقت معينين. ولكن كثيراً ما تتحوّل شرعية الصناديق إلى ديكتاتورية بقناع ديمقراطي، عندما لا يكون هناك آليات للمحاسبة والرقابة والمشاركة وتحجيم السلطة، وعندما يتم الجور على حق الأقلية. ومن الطبيعي أن يتغيّر المزاج العام، ويفقد الحاكم شعبيته، وتتغير التحالفات.
وهناك تجارب ديمقراطية عديدة في العالم، فقد فيها الحاكم شعبيته، لسبب أو لآخر، فكانت المطالبة بانتخاباتٍ رئاسيةٍ مبكرة أو استفتاء، لكن العناد والغرور من جميع الأطراف كان هو السائد، عناد "الإخوان" وتمسّكهم بالسلطة وعدم تقدير قياداتهم الموقف واللحظة والتغيرات. بالإضافة إلى وجود نخب وأحزاب انتهازية فاشلة، تدّعي المدنية والليبرالية، وهي أبعد ما يكون عنها، فتحالفوا مع العسكر من أجل الفوز بنصيبٍ من الكعكة بعد إزاحة "الإخوان"، بدلا من الاجتهاد وبناء قواعد شعبية، وباركوا المذابح وانتهاكات حقوق الإنسان، بمخالفة كل قيم المدنية والليبرالية. ولكن في نهاية الأمر، بعد النظر إلى الماضي، علينا أن نسأل: متى تتوقف البكائيات واللطميات وتبدأ المراجعات؟