متحف بن جلمود في قطر... تاريخ العبودية والكلام الممنوع

متحف بن جلمود في قطر... تاريخ العبودية والكلام الممنوع

الدوحة
محمد هديب
07 ابريل 2019
+ الخط -
لا تعلن الأمم عادة عن منع ملفات العبودية، بيد أن لافتة "ممنوع الكلام" في الباطن أعمق أثراً. هذا التاريخ يفضل تعميته، استناداً إلى قاعدة "درء المفاسد".

متحف بن جلمود ذهب إلى أن محو الأمية، ليس فقط في فك الحرف الهجائي، بل في قراءة الذات. قد يبدو هذا غير متوقع، لكنه حدث ولأول مرة في الوطن العربي، بل والشرق الأوسط.

يدخل زوار متحف "بن جلمود" في وسط العاصمة القطرية الدوحة، عبر بوابة تفضي إلى قاعة ثم إلى ممر، حيث تصطف الغرف المنارة بأضواء غير ساطعة. ومن أي غرفة تستطيع معاينة الحوش الواسع.

في هذا المكان كان العبيد حتى حدود منتصف القرن العشرين يجمعون لبيعهم، على يد أحد أبرز التجار ويدعى "بن جلمود"، فيما تقول الروايات إن جلمود، لقب لبسه لصلابته وقسوته.

وقد ورد اسم الرجل في إحدى وثائق العِتق لأحد الأرقّاء، وهي وثيقة سجلتها الوكالة السياسية البريطانية في البحرين في السادس من ديسمبر/ كانون الأول عام 1942.

متحف بن جلمود في قلب الدوحة (العربي الجديد)

يبدو الزوار كما لو أنهم يتفحصون أنفسهم، في الصور المعلقة لعبيد بيض وسود، وصُفر، وحُمر، وخِلاسيين تشكلوا بين البياض والسواد، وألوان أخرى يصعب عدّها.

فطيف ألوان العبودية واسع، ولكن لأنه مؤسف، تجري غالباً تغطيته. أما الاعتراف به، فقلما يقع في بلاد العالم، باعتبار أن الشكل الكلاسيكي للعبودية لم يعد موجوداً، فلماذا يفتح ما لا ينبغي فتحه من ملفات، عفا عليها الزمن.

والحال، أن متحف "بن جلمود" لا يريد وصفة "عفا عليه الزمن"، لأن جزءاً مهماً منه يتحدث عن استمرار العبودية، التي لا تختلف كثيراً في فداحتها، عن ذلك الاستعباد، الذي كان يسلب فيه الناس ويصفدون بالقيود ويشحنون ويباعون.

فهذه اللحظة الراهنة هي لحظة "الرقيق الأبيض"، وهو المصطلح الأممي الذي يتحدث عن عشرات الملايين الواقعين تحت نير الاستغلال، خصوصاً النساء في الدعارة، والأطفال في العمل القسري والحروب. لكأن الأمم عاجزة لغوياً عن تسمية العبودية باسمها المجرد، فتقرر منحها لوناً أبيض، وتسميها كذلك "الاتجار بالبشر".

وبهذا المعنى فإن "بن جلمود" توسعت تجارته، في النسخة العصرية، وبات تحت يديه شركات تلعب بالمليارات، عابرة للحدود، وتواصل الاستعباد بلون أبيض.

الإغارة والخطف أمران شائعان في منتصف القرن التاسع عشر لجلب الأرقاء إلى منطقة الخليج (العربي الجديد)

يكتسي هنا متحف "بن جلمود" (أو بيت بن جلمود) أهميته، وقد لا ينتبه إليها القادم من بريطانيا والولايات المتحدة مثلاً، حيث تتوافر متاحف للعبودية، حققت مواجهة ولو توثيقية بهذا التاريخ.

تقول المشاهد والصور والكلمات كيف ازدهرت العبودية في قطر، وسائر دول الخليج مع استخراج اللؤلؤ.

بل أكثر من ذلك، إننا أمام مكاشفة يتحدث فيها أرقاء سابقون، ما زالوا على قيد الحياة أو أولادهم، عن رحلتهم على طريق العبودية.

بداية غرف المتحف تدخلك إلى التاريخ القديم. ففي أحد أقدم النصوص في العالم التي تشير إلى الرق، هناك قانون حمورابي في نظام القانون البابلي، والذي يرجع تاريخه إلى سنة 1772 قبل الميلاد.

وفي اليونان القديمة كان الأرقّاء يمثلون جزءاً لا يتجزأ من اقتصادها. وفي أوج قوتها ما بين 450 و300 قبل الميلاد كان هناك واحد من الأرقّاء بين كل أربعة من سكان أثينا.

أمة شركسية... السعودية 1914 (العربي الجديد)

ولم تنقطع العبودية مع كل حضارة حفرت اسمها ومنجزاتها العالية، من روما إلى فارس، إلى أقصى شرق آسيا، إلى الحضارة الإسلامية، ومن أكثر الأرقاء شهرة المماليك، الذين أسسوا فيما بعد خلافة باسمهم في مصر وسورية، مروراً بالانكشاريين في الدولة العثمانية.

وفي عصر النهضة الأوروبية، مات ملايين العبيد من أفريقيا تحت القهر والتعذيب، في ترحيلهم من أفريقيا عبر المحيط الأطلسي إلى أوروبا، ولكن أكثر إلى العالم الجديد في أميركا الشمالية والجنوبية الذي يحتاج إلى عبيد يحرثون الأراضي الشاسعة، ويبنون مقابل بقائهم على قيد الحياة، حضارة أنكرت وجودهم، وخضع السود إلى مواجهات قاسية حتى ستينيات القرن الماضي.

فتحت الفتاة السوداء ذات الخمسة عشر عاماً عام 1955 باب المواجهة الكبرى، حين اعتقلت لرفضها ترك مقعدها في الباص لراكب أبيض.

تأخذك رحلة المتحف إلى وثائق وصور ورسوم، تفيد بأن الاسترقاق لم يكن مرتبطاً بأي عرق أو جنس معين أو خلفية دينية محددة.

وفي شبه الجزيرة العربية، ورغم أن الأرقّاء الأفارقة كان لهم تاريخ طويل فيها، إلا أنه وحتى القرن الثامن عشر جلبوا إلى المنطقة من شرق أوروبا ووسط آسيا وبلاد فارس، دون نسيان أن السكان العرب الأصليين كانوا يُستعبدون أيضاً أثناء الحروب والنزاعات القبلية.

قبل أن ينتهي طريق المتحف إلى العبودية المعاصرة، كان لا بد من سردية العبودية في قطر، وإلا لن يكون هناك معنى للمتحف الذي يريد تقديم مساهمته، أولاً في الاعتراف بهذا التاريخ، وإدانته، قبل الوصول إلى الاندماج في صيغة وطنية.

في أوائل القرن العشرين بلغ تعداد دولة قطر 27 ألف نسمة، وكان هناك 6500 أفريقي، من بينهم 4500 تقريباً، من العبيد، أي واحد مقابل كل خمسة أشخاص.

وكان هناك تنافس عنيف بين القبائل للسيطرة على الموارد القليلة في الخليج، وقد قام النشاط الاقتصادي الأساسي في المدن الساحلية فقط، حيث اقتصر الاقتصاد على استخراج اللؤلؤ وتصديره، مع التمور، واستيراد سلع محدودة من الخارج، وكذلك بناء السفن والشحن.

الأشخاص الذين يديرون تلك الأعمال يعانون دائماً من خطر خسارتها، نتيجة عدم استقرار الصحراء القاسية والبحر النادر، وقد وفّر امتلاك الأرقّاء إحساساً بالأمان ضد هذه التقلبات.

كان الأشخاص المسترقّون يُجلبون إلى الخليج وبعضهم كان يُجلب إلى قطر عبر طرق برية وبحرية مشتركة.

وبحلول مطلع القرن العشرين كان يُستورد ما بين 200 و300 رقيق سنوياً إلى منطقة الخليج العربي، معظمهم يصل أوّلاً إلى عمان، ثم يرسلون بالقوارب الصغيرة نحو الأسواق الواقعة شمالاً، وتحديداً إلى أكبر أساطيل استخراج اللؤلؤ بالمنطقة في البحرين والإمارات العربية المتحدة وقطر.

الغرفة الأخيرة لملف العبودية في قطر تطلعنا على الرِّق المرتبط بصناعة الغوص على اللؤلؤ.

ففي نهايات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تحرك الاقتصاد القطري من أجل الوفاء باحتياجات السوق العالمي من اللؤلؤ الذي كانت قطر تمتلك مورداً وفيراً منه، ومثّلت صناعة اللؤلؤ خلال هذه الفترة العمل الرئيس للأرقّاء في قطر.

وبحلول أواخر القرن التاسع عشر كان معظم العبيد في قطر من شرق أفريقيا ومنطقة البحر الأحمر، حيث يجري الاتجار بالآلاف منهم أو اختطافهم من المناطق الداخلية والشرقية لأفريقيا ونقلهم إلى الساحل ثم زنجبار، لكي يعرضوا في المزادات، وينقلوا بعد ذلك إلى جهات أخرى.

وفي أوائل القرن العشرين وصل عدد قليل من الأرقّاء من شرق أفريقيا، وكان ذلك جزئياً بسبب الحراسة البريطانية المتزايدة على الشواطئ العربية والشرق أفريقية.

وقد حوّل تجار الرِّق في تلك الفترة اهتمامهم إلى بلوشستان، حين أجبر القحط والمرض الناس على الدخول طوعاً في الرِّق لمجرد البقاء على قيد الحياة.

في قطر، انتهت العبودية رسمياً عام 1952، وحالها حال دول الخليج ارتبط ذلك بالتحول النفطي الكبير. لقد تدفق المال وأصبح ممكناً لبريطانيا التي كانت تدير الشأن الخليجي عقد اتفاقات تعوض ملاك العبيد عن مصدر رزقهم.

بات العبيد محررين ويعملون في شركة النفط البريطانية، علماً أن بريطانيا أقفلت واحداً من أسوأ تواريخ الاستعباد في عام 1833، وباتت سفنها تراقب طرق العبيد لدى الآخرين في المنطقة.

هذا المخاض النفطي، لم يكن ليحسم العبودية بضربة ساحرة، إذ تبين سجلات وزارة الخارجية البريطانية أن بعض الملاك أرسلوا بالأرقّاء للعمل لدى شركات النفط الجديدة في قطر، والبحرين، والسعودية، ثم صادروا جزءاً كبيراً من رواتبهم قبل عودتهم.

يتطرق المتحف أيضاً إلى رقيق المنازل، الذين تعايشوا، وأصبحوا مسلمين بوصف ذلك شكلاً من أشكال الضمانة لسلام أكثر واطمئنان.

غير أن الثقة لم تكن مطلقة، حتى مع حسن المعاملة، إذ إن ملكية إنسان لإنسان، لا يركن فيها إلى المعاملة والخلق الحسن، فهي دائماً تبقى عرضة للانتهاك، ما دامت الحرية مصادرة.

أما اليوم، مع الرق الجديد القديم فإن الرَّقيق المعاصر يحكي عن الشخص الذي يملك سيطرة بسيطة أو لا يملك سيطرة أصلًا على القرارات الأساسية في حياته أو حياتها، كاختيار مكان عيشه وعمله وتحركاته وعلاقاته.

بهذا المعنى، تبدو الغالبية من البشر تحت معاناة شكل من أشكال العبودية، وليس عشرات الملايين فقط ممن تدرجهم منظمات حقوق الإنسان في خانة الاتجار بالبشر.

يقول مارتن لوثر كنغ الابن إن "السلام الحقيقي ليس مجرد غياب التوتر بل إحقاق العدالة". 

ولعل متحف بن جلمود يقدم إسهامة ولو قليلة في إحقاق العدالة التي ينتظرها البشر في مشارق الأرض ومغاربها.

ذات صلة

الصورة
مسابح الكهرمان (العربي الجديد)

مجتمع

نهاية أغسطس/ آب الماضي، افتتحت المؤسسة العامة للحي الثقافي "كتارا" معرضاً دائماً يهدف إلى الحثّ على تبادل الخبرات في صنع سُبُحات الكهرمان، إذ تسعى قطر للريادة في هذا القطاع
الصورة

اقتصاد

تعد غامبيا من الوجهات السياحية غير المكتشفة نسبياً بالنسبة إلى السياح، ولا عجب في ذلك، فموقعها الجغرافي في غرب أفريقيا وصغر مساحتها نسبياً مقارنة مع باقي الدول الإفريقية، لم يكونا عاملين مساعدين لجذب الزوار.
الصورة
انتخابات مجلس الشورى القطري-العربي الجديد

سياسة

توجّه الناخبون القطريون، صباح اليوم السبت، إلى مراكز الاقتراع في 30 دائرة انتخابية، لاختيار أعضاء أول مجلس شورى منتخب في البلاد.
الصورة
معرض سهيل للصيد والصقور في قطر 1 (العربي الجديد)

مجتمع

في السابع من سبتمبر/ أيلول الجاري، انطلق معرض "سهيل" المخصص للصيد والصقور، في إطار معرض "كتارا" الدولي في العاصمة القطرية، ليُختتم غداً في الحادي عشر منه

المساهمون