متاعب ساركوزي مع القضاء جزء من فساد الطبقة السياسية الفرنسية

31 مارس 2018
الصورة
فضائح ساركوزي حرمته من ولاية ثانية(جيف باشود/فرانس برس)
+ الخط -

متاعب الرئيس الفرنسي الأسبق، نيكولا ساركوزي مع القضاء، والتي ستقوده قريباً إلى المحاكم، بسبب الفساد واستغلال النفوذ، لا يمكن اعتبارها حالة فرديّة في فرنسا، وإنما هي، في الحقيقة، تكشف عن حالات كثيرة مشابهة، لدى النخبة السياسية الفرنسية، إنْ في الحكم أو المعارضة.

وليس أدلّ على هذا الانتشار لمثل هذه القضايا، من التعديلات المستمرة التي تعرفها الترسانة القضائية، إذ تجد السلطة التنفيذية نفسها في كل مرة، وعند أي فضيحة، مطالبة بسن قوانين مشددة وزجرية من أجل إشاعة الشفافية. وقد عرف الحزب الاشتراكي الفرنسي، في عز حكم فرانسوا ميتران، خلال تسعينيات القرن الماضي، فضيحة ما يعرف بقضية " MNEF " (التعاضدية الوطنية لطلبة فرنسا)، وهي قضية ثراء شخصي ووظائف وهمية، كانت ضالعة فيها شخصيات مرتبطة بالحزب الاشتراكي ومن التيار التروتسكي، وقد انتهت القضية بإدانة أوليفييه سبيتاكيس بسنتين سجناً، بينها 6 أشهر مع وقف النفاذ. وبعد معركة قضائية طويلة، دامت 8 سنوات، صدرت أحكام بفرض غرامات على 17 شخصاً، لكن الكثير منهم استفادوا من قانون للعفو تم التصويت عليه في 1995. وتجدر الإشارة إلى أنه تمت إدانة الأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، جان كريستوف كامباديليس، في هذه القضية، بستة أشهر مع وقف النفاذ وغرامة 20 ألف يورو.

ولعل من أكبر قضايا الفساد في الجمهورية الفرنسية الخامسة هي قضية "الوظائف الوهمية" في بلدية باريس، أو ما عُرف بقضية "الوظائف الوهمية في حزب التجمع من أجل الجمهورية"، الذي سيصبح حزب "الاتحاد من أجل حركة شعبية"، ثم لاحقاً "الجمهوريون"، وهي وظائف كلفت دافعي الضرائب مبلغ 30 مليون فرنك، والتي لاحقت فيها العدالة الفرنسية عمدة باريس، حينها، جاك شيراك، الذي أصبح، رئيساً للجمهورية، خلال ولايتين رئاسيتين، في ما بعد، ولم يستطع القضاء إدانة الرئيس إلا بعد انتهاء ولايته الرئاسية. وصدر الحكم، في العام 2011، بالسجن سنتين مع وقف التنفيذ وبغرامة مالية كبيرة. تجدر الإشارة إلى أنه في القضية، حوكم أيضاً، رئيس الحكومة اليميني، والمقرب من شيراك، آلان جوبيه، وكان حينها رئيساً للحزب اليميني، والذي دفع، في العام 2004، الثمن غالياً، إذ صدر حكم بسجنه 18 شهراً مع وقف النفاذ، وحرمانه من حقوقه المدنية لخمس سنوات، وظلت الفضيحة تلاحقه، وربّما ساهمت في حرمانه من الوصول إلى الإليزيه. والغريب أن هذه الفضيحة التي لاحقت اليمين لم تمنع مرشحه، ساركوزي، من الوصول إلى الإليزيه في العام 2007، وإن كانت الفضائح التي اتّهم فيها ساركوزي، بشكل مباشر، خصوصاً قضية "التمويل الليبي" حرمته من ولاية ثانية في 2012، فيما تسببت فضيحة "بيغماليون" في القضاء على أحلامه في 2017، حين خسر الانتخابات الفرعية لحزبه "الجمهوريون".


وبعد فضيحة شيراك وجوبيه، اندلعت سنة 2017، وأثناء الحملة الانتخابية للرئاسيات "فضيحة بينولوبي". ويتعلق الأمر بفضيحة "وظائف وهمية"، استفادت منها عائلة مرشح اليمين فرانسوا فيون، والتي قضت على أحلام فيون بالوصول إلى الإليزيه، علماً أنه قبل اندلاع الفضيحة، كان متيقناً، وكل استطلاعات الرأي معه، من حكم فرنسا. وفضائح الفساد واستغلال النفوذ وغيرهما، لا تعرف لوناً سياسياً محدداً، فولاية فرانسوا هولاند عرفت فصولاً منها، منها فضيحة وزير الداخلية، برونو لورو، الذي وظّف ابنتيه كمساعدتين برلمانيتين، فاضطر للاستقالة، بعد 3 أشهر ونصف الشهر من تعيينه.

لكن القضية الكبرى التي لطخت سمعة اليسار هي قضية الحسابات السرية لوزير المالية الأسبق، جيروم كاهوزاك. فقد كشف موقع "ميديا بارت" امتلاك الوزير لحساب مصرفي في سويسرا، وهو المكلّف بمكافحة التهرب الضريبي. والأدهى أن كاهوزاك أصرّ، أمام وسائل الإعلام حتى النهاية، أنه لا يمتلك حساباً مصرفياً في الخارج. وهو مهدد بالسجن ثلاث سنوات. ولعلّ هذا الدرس قاد هولاند إلى إنشاء ما يُسمَّى بـ"السلطة العليا من أجل شفافية الحياة العمومية". كما أن الوزيرة من أصول جزائرية، يمينة بنغيغي، أدينت بتهمة عدم التصريح عن بعض ممتلكاتها، فاضطرت للاستقالة، وحُكم عليها بالسجن سنتين، مع وقف النفاذ، وغرامة 5000 يورو.
والحقيقة أنه لا يمكن الإحاطة بكل فضائح الطبقة السياسية الفرنسية والكشف عن فساد بعض أعضائها، إلا أنه يجب التشديد على أن تهمة "وظائف مزيفة" تمسّ كل الأحزاب السياسية الفرنسية تقريباً، من "الموديم" إلى الجبهة الوطنية وغيرهما. وقد دفعت هذه الشبهة إلى انسحاب حزب "الموديم"، الذي كان سبّاقاً لدعم حملة إيمانويل ماكرون، من الحكومة الفرنسية، خاسراً مناصب مهمة، كوزارة العدل، التي كانت في حوزة رئيسه، فرانسوا بايرو، والذي كان يطمح إلى تخليق الحياة السياسية الفرنسية، ووزارة الدفاع. فيما تلاحق نفس التهمة قياديين في حزب الجبهة الوطنية، لم يَسلم منها حتى مؤسسها، جان ماري لوبان. تحتاج فرنسا، حقاً، إلى جانب قوانين جديدة تزداد شدة، يوماً بعد يوم، إلى معجزة حقيقية، حتى يختفي هذا المرض، الذي يشوه إحدى أعتق الديموقراطيات الغربية.

المساهمون