مبادرة زمزم ورهانات الإخوان المسلمين في الأردن

مبادرة زمزم ورهانات الإخوان المسلمين في الأردن

27 يونيو 2014
الصورة

مسيرة إخوانية في عمّان (فبرايرم2004/فرانس برس)

+ الخط -
بعد شدٍّ إعلاميٍّ رافق ولادة المبادرة الأردنية للبناء "زمزم"، منذ أكثر من سنتين، هدأ الحديث الإعلامي عن المبادرة التي اعتبرت أولى المحاولات الجادة لإحداث انشقاقٍ عن جماعة الإخوان المسلمين. فمنذ الإعلان عنها، حاول الإعلام الأردني، وعلى الرأس منه الرسمي، احتضان قياداتها، لأسبابٍ موضوعيةٍ، تتعلق بأن من أسس المبادرة قيادات في الجماعة، وأخرى مفتعلة، مثل رعاية رسمية واضحة للمبادرة منذ التحضير لها، مروراً بانطلاقتها، وليس نهاية بالمعارك بين قياداتها وقيادة الجماعة، والتي عبرت عن نفسها بفصل ثلاثة من أهم قياداتها المحسوبين على تيار الحمائم، من وزن ارحيل الغرايبة (مهندس المبادرة)، أو نبيل الكوفحي الذي أطلق عليه سابقاً وزير خارجية الإخوان، نظراً لحنكته السياسية، والقيادي جميل دهيسات. وكانت جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، قد أحالت، في ديسمبر/ كانون الثاني الماضي، القيادات الثلاثة المفصولين إلى تحقيق داخلي، لمشاركتهم في المبادرة، من دون إذن مسبق من الجماعة، وبما يخالف لوائحها الداخلية.

مؤكدٌ أن مؤسسي "زمزم" كانوا قد وضعوا في حساباتهم عقاب قيادة تنظيم الجماعة لهم، ووضعوا لذلك خططاً ومعالجات. لكن، ظهر، لاحقاً، إنهم لم يضعوا سيناريو فصلهم من التنظيم، بالنظر إلى حجم المفاجأة التي ظهرت عليهم، وهم يقرأون في الصحف عن قرارات المحكمة التنظيمية بفصلهم.
وعلى الرغم من اعتبار مهندسي مبادرة زمزم أنها لا تعد، من وجهة نظرهم، انشقاقاً عن الجماعة الأم، ولا تناكف أحداً، إلا أن ثمة من اعتبرها مُكمّلة لما عجزت عنه الجماعة، طوال العقود الماضية، من قراءة صحيحة للواقع السياسي المستعصي، وإنها رد فعل طبيعي على كل ما فشل تنظيم الإخوان المسلمين في تحقيقه، من تطور فكري وسياسي واقتصادي في السنوات الماضية. وهناك من يعتبرها تحولاً ثورياً للفكر الإخواني، قد يتجاوز أخطاء الأحزاب الأردنية، بما فيها حزب جبهة العمل الإسلامي.
كما لا يخفى على المتابعين لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن حجم الصراع الإخواني الذي عبّر عن نفسه في عناوين مختلفة، منها معركة مطالبة تيار الوسط الحمائمي في الجماعة بفصل التنظيم الفلسطيني عن الأردني، ليأخذ هذا الصراع  بعداً ديموغرافياً - إقليمياً، فغالبية المنخرطين في "زمزم" ينحدرون من المحافظات التي تغلب عليها التركيبة العشائرية. ويمثل الأردنيون من أصل فلسطيني غالبية الجماعة، ويعتبر الشيخ همام سعيد ذو الأصول الفلسطينية الرجل الأول في التنظيم، فيما يشغل منصب النائب الأول للمراقب الشيخ زكي بني ارشيد، أحد أكثر الشخصيات الشرق أردنية حيويةً في صفوف "الإخوان". ولعل أخطر ما في الأزمة، حسب المراقبين، تلويح بعض قادة "زمزم" والمتعاطفين معها بإنشاء كيان سياسي جديد، يحمل اسم "الإخوان الأردنيين"، ما يؤكد أن الخلاف لم يعد قائماً على أسس فكرية أو شخصية فقط.
جدل وانقسام ومتغيرات
طرح ظهور التراشق الإعلامي بين ممثلي التيارين سؤالاً يتعلق بتنظيم الإخوان في الأردن، وهو: هل الجماعة مقبلة على انقسام حاد، يصل إلى حد إضعافها؟ وما الذي تخبئه أجهزة الدولة لأكبر وأقدم تنظيم أردني؟
استناداً إلى آخر انتخابات تنظيمية، فإن تيار الصقور نجح في التمسك بالسيطرة على قيادة الجماعة، بتخويف كوادر الجماعة من تيار الحمائم، وفي كونه "الوجه السري" للدولة في التنظيم.
ما ساعد الصقور في بث الخشية من تيارهم بين صفوف كوادر الجماعة الصلات الوثيقة التي تجمع شخصيات قيادية عديدة في تيار الحمائم مع رموز في الدولة، إضافة إلى خروج عدد من هذه الشخصيات عن الإجماع التنظيمي في كثير من الملفات. ونموذجاً لذلك، يمكن الإشارة إلى موافقة المراقب العام الأسبق، عبد المجيد ذنيبات، على تعيينه عضواً في مجلس الأعيان "جناح الملك" في مجلس الأمة الأردني، وإعلان نبيل الكوفحي الذي يعتبر أحد قيادات مبادرة زمزم ترشيح نفسه في الانتخابات البلدية، على الرغم من قرار الجماعة بالمقاطعة، قبل عودته عن ذلك لأسباب وصفها بأنها صحية، وأخيراً، تأسيس المبادرة الأردنية للبناء "زمزم"، من دون الحصول على موافقة أو التنظيم، أو مشورته على الأقل.
للتذكير، سبق وإن نجحت الدولة الأردنية في جذب قيادات في جماعة الإخوان، مثل بسام العموش ومروان الفاعوري وعبد الرحيم العكور ومحمد الحاج، الذين أسسوا معاً حزباً أطلقوا عليه اسم حزب الوسط الإسلامي، قبل أن يخرج منه العموش والعكور، في سيّاق محاولة إضعاف الجماعة.
تجدر الإشارة إلى أن ما تهدف إليه "زمزم" تشجيع الجدل والحوار على المستويين، الداخلي والحزبي، بشأن الخيارات الرئيسة التي يجب على الحركة الإسلامية الأردنية أن تخطو وراءها، سواء تعلق الأمر بالمشهد الداخلي أو على مستوى الإقليم.
لا شك أن انشقاق كوادر تنظيمية وسياسية عن التنظيم الأم، لا يمكن أن يؤمن شقَ جماعة عقائدية، لها امتداداتها الاجتماعية والسياسية، بتلك السهولة. فإلى غاية كتابة هذه السطور، أثبتت الوقائع فشل كل محاولات شطر الجماعة وانقسامها؛ ومع ذلك، تصر قيادات الجماعة على تأكيد أن الحديث عن الانشقاق سؤال مفتعل، وإن حملات وسائل إعلام محلية أردنية، تتحدث عن انهيار قريب للجماعة في النصف الثاني من عام 2014 مجرد حرب إعلامية، بينما يرى مراقبون آخرون أن الإدارة البيروقراطية التي تتمتع بها الجماعة، منذ عقود، تعتبر جداراً منيعاً لأيّ محاولة ناجحة للانشقاق، ولا سيّما أن الجماعة خبرت انشقاقاً جماعياً لقيادات إخوانية، نجح التنظيم، بهدوء، في تحويلها انشقاقات غير مؤثرة. فهل هذا ما يمكن قياسه على مبادرة "زمزم"؟

ما يخشى منه "الإخوان" الأردنيون، حقيقة، أن المتغيرات السياسية، سواء المحلية أو الخارجية، التي تواجهها اليوم الجماعة ستجبرهم على إعادة صياغة لطريقة أدائهم. هم، اليوم، في لحظة فارقة، لكنها لحظة تنتظر ما ستؤول إليه الأمور من نتائج في الربيع العربي، من جهة، وما تواجهه من تحديات جادة وحقيقية على المستوى المحلي، من جهة أخرى.
إذن، هو مستوى باتت تنظر عبره الجماعة إلى نفسها في أنها أمام أزمة حادة، ستترجم نفسها على المستوى المنظور، بمزيد من التحديات المحلية التي سيكون على قيادة الجماعة الحالية التعامل معها، وفي مقدمتها العلاقة مع الدولة.
مستجدات الخارج
خارجياً، الاستنتاج الأكثر وضوحاً، اليوم، أن "الإخوان" الأردنيين، وفي حال استقرار الأمور في مصر وليبيا للعسكر، لن يكونوا أنفسهم قبل ذلك، بحيث يتم إنتاج حزب إسلامي ينظر إلى نفسه بديلاً للجماعة الأم. لكن، هذا من شأنه أن يفرز تحديات أمنية وخيمة على صانع القرار السياسي في الأردن، على المدى البعيد.
الملاحظ، إلى الآن، أن مراهنة قادة "الإخوان" ينصب على وحدة الجماعة وتماسكها، وثمة من تحدث من قادتها عن لقاءاتٍ دوريةٍ بين الحمائم والصقور، من أجل تجاوز "الخطر" والوصول إلى تفاهمات. بينما نرى مراهنات من قادة "زمزم" على استقطاب مزيد من الداعمين، سواء من داخل الإخوان (القيادات التاريخية)، أو من خارجها.  وليس من الصعوبة ملاحظة رهان النظام الرسمي والقوى التقليدية في مطبخ صنع القرار الأردني، في حدوث شق في صفوف التنظيم قد يوفر عليه كلفة مواجهة الجماعة مستقبلاً. ومن غير المستبعد أن تستثمر الحكومة الأردنية في الأزمة الراهنة، محاولةً نزع الشرعية عن الجماعة لمصلحة قيادات مبادرة "زمزم"، وتبريرها أن القيادة الحالية للإخوان ما هم الا تعبير لحركة حماس أو امتداد لها.
وبينما تبقى السلبيّة التي توصم بها المبادرة تهمة الإقليميّة، وذلك لخلو قائمة مؤسسيها من أردنيين من أصل فلسطيني، وبالتالي، ستبقى قدرتها على سحب الرصيد الشعبي للإخوان محدودة، في ظل حفاظ الجماعة على تماسكها؛ إلا أن هذه المبادرة التي تحمل فكراً إصلاحياً مُبتكراً استطاعت أن تحدث بلبلة واسعة في صفوفها، بعد أن تأكدت مخاوف لدى متابعين كثيرين بأنها تعبر عن حالة انشقاقٍ غير مسبوقة في جماعة الإخوان المسلمين الأردنيين تغذيها عملية تراشق إعلامي بين الجماعة وقيادات "زمزم"، بمباركة وتبني جهات رسمية. لكن، ما تتخوف منه الجماعة ربما يتمثل في نجاح المبادرة بفعل أدوات ومعطيات وظروف خارجية، لا سيّما في حال تمددت بين الأوساط الشعبية، ولم يقتصر عملها على الجانب التنظيري وحسب؛ خصوصاً بعد قرار فصل قيادات "زمزم" الذي وضع مستقبل جماعة الإخوان الأردنية على المحك في وقت الذي تواجه فيه الجماعة الأم منعطفاً تاريخياً، مليئاً بالتحدي بعد أحداث 3 يوليو/ تموز في مصر، والتحديات الكبيرة التي تواجهها الفروع "الإخوانية" في المنطقة.
إذن، عامان مرّا على انطلاق مبادرة زمزم، ولا يزال السؤال معلقاً حول الجديد الذي قدمته، أو ستقدمه، لا سيّما أن برنامجها المعلن يتصف بالعمومية بشأن توافق وطني وإصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي، وهي شعارات طالما نادى بها "إخوان" الأردن في السابق. من هنا، سيبقى الحكم عليها رهن قادمات الأيام محل اختبار المواطنين الأردنيين، قبل منحها الثقة أو التأييد، وبالتالي، الحكم على نجاحها من عدمه، وفيما إذا كانت ستحدث تغيراً ملموساً في الحالة الحزبية والسياسية الأردنية.