ما يملكه الشاعر

25 يناير 2019
الصورة
علاء شرابي/ سورية
+ الخط -

منذ أن وُلدت الدولة العربية في العصر الحديث، أبدت حاجتها للشارع في مشروعها السياسي، فجعلت منه مكاناً لاختبار السياسات، وأغلبُ تلك السياسات كانت ذات طابع شعبوي. والشعبوية تتطلّب نوعاً من الخدمات العاجلة على صعيد التحريض والدعاية وإثارة المشاعر وتغذية العواطف وتجييشها، فكان بعض الشعراء هم الذين تقدّموا لأداء خدمة تطويع الشارع.

ويمكن تتبُّع ظهور عددٍ كبير من شعراء المنابر في حقبتَي الخمسينيات والستينيات وفي الحقب التي تلتهما من القرن العشرين، خصوصاً في سورية والعراق. وأغلب هؤلاء الشعراء كانوا يستمدّون "وهْم شرعيتهم الشعرية من مواطنيتهم الصالحة.. وقد تحوّل الوطن في أفواههم إلى حشف، وتحوّلت الثورات في أفواههم إلى قمع لغوي"، كما قال محمود درويش في ما بعد.

حتى إذا جاءت الهزيمة العسكرية في الخامس من حزيران، انهزمت المنابر برفقتها، ولم نعد نرى من الشعراء من يصعد إلى الخشبة كي يملأ القاعات بالصراخ. ولم يعد أحد يحتاج لمثل هذا الشاعر غير أولئك الذين ظلّوا يجلسون في مقاعد الصف الأول في المراكز الثقافية.

وعلى كل حال، فإن حضور الشاعر في المركز الثقافي يحمل دلالةً قوية على ارتباط الشعر المنبري بالسلطة.. بات الشاعر المنبري بلا منبر، وصار عليه أن يتحوّل، أو يرتدي أقنعة أخرى تناسب النتائج التي تحقّقت؛ فالشعر الذي كان بعضٌ منه يخدم في معركة الأنظمة للبقاء لم يعُد ضرورياً، إذ بات النظام العربي يحكم دون استعارة، ويفتتح السجون علناً، إلى جانب المراكز الثقافية. وعاد معظم الشعراء إلى أعمالهم ووظائفهم الإدارية، باستثناء جماعات من بينهم ظلّت تعتبر أن الشعر ارتزاق، أو وظيفة سياسية، أو مدخل للانتساب إلى اتحادات الكتّاب بعد التقاعد من الجيش.

وفي حالة شعر المنابر، يتعلّق الأمر كلّه بحاجات الحاكم، لا بمهام الشعر أو الشاعر، ففي كل العصور كانت المنابر ترغم الشعر على التخلّي عن طبيعته، وتستخدمه من أجل خدمة أغراضها.

يتخلّص الحاكم من المنبر حين لا يعود محتاجاً للشاعر، ويهمّش الشاعر حين يصبح المنبر زائداً عن الحاجة. ربما يريد أحياناً أن يخلق تنوّعاً في الأداء، تغييراً في شكل المصفّقين وفي موضوعاتهم، فالجماهير التي يحشدها الشاعر، أو يثير حماستها، باتت مضمونة شعرياً، وتحتاج لجرعة من التوعية السياسية والوطنية والقومية، وهي مهمّة ينفّذها اليوم مثقّفون مأجورون يعتلون المنصّات بدعوى التوعية الفكرية، ومحلّلون استراتيجيون يتصدّرون الفضائيات بهدف التوعية الوطنية، وحملة شهادات مزوّرة يحترفون فن القفز الثقافي بين النظريات والعبارات المسروقة منها بهدف التوعية القومية، مثلما يتقنون طرائق القفز بين الأراضي البور والأراضي المحروثة، وقد أضحوا اليوم يحتلّون المنابر بصيغة الناقد والمفكّر.

كانت تلك هي أحد الخيارات أمام الشعراء، أما الخيار الآخر فقد رواه إيليا أبو ماضي في قصيدته الشاعر والسلطان حين أمر أحد السلاطين بقطع رقبة شاعر رفض أن يمدحه أو يفخر بملكه ومملكته، وقال للسياف إن رأسه "عبء على منكبيه". لكن الشاعر كان قد سجّل في تاريخ الأدب أنه قال للملك: "إن ملكي قد طوى ملكك عنّي ومحاه".

المساهمون