ما وراء التطبيع الإماراتي والبحريني

16 سبتمبر 2020
الصورة

أي مصلحة للبحرين وقبل ذلك الإمارات من صفقة تطبيع علاقاتهما مع إسرائيل؟ واضح أن المستفيدين الرئيسيين من هذه "الصفقة" هما الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المحاصران داخل الولايات المتحدة وإسرائيل، ويحتاجان إلى فوز في السياسة الخارجية للتغطية على فشلهما الداخلي، ولضمان فوزهما في الانتخابات المقبلة. ولكن ما الذي سيستفيده حكام الإمارات والبحرين من هذه التنازلات المجانية التي قدماها؟

كل التحاليل السائدة التي لم تُصدِّق أن التطبيع سيخدم أكذوبة السلام والاستقرار في المنطقة، تفيد بأن الأمر يتعلق بإيران، بما أن للدول المشاركة في هذه "الصفقة" مصلحة مشتركة في مواجهة ما تصفه بالخطر الإيراني. وينطلق أصحاب هذا التحليل من أن خوف دول الخليج من النفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة هو الذي دفع حكام الإمارات والبحرين إلى التقارب مع إسرائيل، والتقرب أكثر من أميركا لضمان حماية نظاميهما من الزوال.

لم ولن يصدق أحد أن التطبيع سيخدم أكذوبة السلام والاستقرار في المنطقة

ولكن هذا التحليل السهل المتداول على نطاق واسع يكاد يكون رسميا، تتبنّاه وتروجّه الدول المطبعة لتبرير خيانتها قضية الشعب الفلسطيني. وما يجعله غير مقنع أن الدولتين المطبعتين، وخصوصا الإمارات التي تقود سياسة التطبيع في المنطقة منذ سنوات، تربطها علاقات اقتصادية قوية نسبيا مع إيران. وقبيل الإعلان عن تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، اتصل وزير خارجية الإمارات بنظيره الإيراني. ونقلت وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية أن المباحثات بينهما تناولت "تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين في مواجهة تداعيات فيروس كورونا ومعالجة آثاره". أما وزير خارجية إيران، محمد جواد ظريف، فكتب أن المحادثة كانت "جوهرية وصريحة وودية للغاية"، تناولت "الأوضاع في بلدينا والأوضاع الإقليمية والعالمية". 

لو كان الهدف فعلا الخطر الإيراني في المنطقة، لكان الأولى أن يبدأ الاستعداد لهذه المواجهة بتوحيد الجهود مع دول المنطقة، لبناء جبهة موحدة

وحتى قبل هذا الاتصال، الذي يُعتقد أن الإماراتيين أبلغوا فيه طهران بخطوتهم المقبلة في التطبيع مع إسرائيل، حتى لا تُفاجأ بها، فإن أبوظبي لم تجعل في أي يوم تحدي إيران ومواجهتها عقيدتها الأساسية، فحكّام الإمارات، خصوصا منذ تولي محمد بن زايد زمام الأمور في هذه الدولة الغنية، كانوا يعرفون كيف يدفعون دولا أخرى في المنطقة إلى مواجهة إيران. ولطالما أبدى محمد بن زايد قلقه من الإسلاميين السنة أكثر من قلقه من إيران الشيعية، واعتبر "الإخوان المسلمين" في مصر أكثر تهديدا لاستقرار حكمه من كل التهديدات الإيرانية التي يدّعيها الإعلام الموالي له في المنطقة. وغير خافٍ على أحد الدور القذر الذي لعبه حكام الإمارات في إطاحة نظام الإخوان المسلمين في مصر، وفي محاربة كل تجارب الإسلام السياسي في كل منطقة تظهر أو تنجح فيها مثل هذه التجارب، حتى لو تعلق الأمر بدول غير عربية، وحاصروا قطر، وأعلنوا الحرب ضدها فقط بدعوى صداقتها مع الإخوان المسلمين. 

لو كان الهدف فعلا هو مواجهة الخطر الإيراني في المنطقة، لكان الأوْلى أن يبدأ الاستعداد لهذه المواجهة بتوحيد الجهود مع دول المنطقة، لبناء جبهة موحدة ضد هذا الخطر، وليس السعي إلى تفكيك وتدمير ومحاصرة وإضعاف كل الدول العربية التي دعمت في الماضي عراق صدام حسين في حربه المجنونة مع إيران، والتي كانت بإيعاز من قوى إقليمية ودولية، وبمال وعتاد عربي لتدميرهما معا (إيران والعراق)، والنتيجة هي ما تبع تلك الحرب المدمّرة من خراب وفوضى وتدخلات أجنبية لا تنتهي.

ما يبرّر إعلان الإمارات والبحرين عن تطبيع علاقاتهما مع إسرائيل، تحت رعاية أميركية، هو سعي أبوظبي إلى تحسين مكانتها في واشنطن، كأفضل حليف لأميركا في المنطقة بعد إسرائيل

وحتى لو صدّقنا افتراضا حجة التحالف مع إسرائيل للتقرب أكثر من أميركا لمواجهة الخطر الإيراني، فالمعروف أن العلاقات بين حكام دول خليجية، خصوصا في دولة الإمارات وإسرائيل، كانت قائمة منذ عقود، حتى قبل الإعلان أخيرا عنها رسميا، وجل دول الخليج تفتح أراضيها وسماءها للوجود العسكري الأميركي الذي يعتبر إيران أكبر خطر يهدّد المصالح الاقتصادية للولايات المتحدة في المنطقة، فهل نجح تقاطع كل هذه المصالح في ردع هذا الخطر الإيراني المفترى عليه؟ الجواب هو "لا"، لأن الخطر الإيراني، حتى لو وجد على شكل رد فعل إيراني، لدعم حلفائها في الدول التي لهم فيها نفوذ ديني، مجرّد شماعة، يبني الكل عليها سياساته الاستراتيجية في المنطقة، فالإمارات من بين الدول التي تربطها علاقات اقتصادية ومالية ودبلوماسية مع إيران. وإسرائيل، على الرغم من خطابها المعادي لطهران، لن تدخل في حرب مباشرة معها، ليس خوفا من قوتها العسكرية، وإنما لأنها ترى في عقيدة النظام الإيراني حليفا موضوعيا لها يبرّر تهويلها من الخطر الإيراني لتخويف دول المنطقة. وفي الوقت نفسه، يكسبها تعاطف الغرب معها، وخصوصا أميركا، ويبرّر سياساتها العدوانية في سورية ولبنان وتدخلها الاستخباراتي في شؤون أنظمة عربية، وفي التجسس على إيران وبرامجها العسكرية. وأميركا التي حولت إيران إلى "زعيمة الشر" في العالم، خصوصا في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب، هي نفسها التي تخطب ودّها من وراء الكواليس. وفي خضم حملته الانتخابية الحالية تعهد الرئيس الأميركي، في حال فوزه بولاية ثانية، بإبرام اتفاق مع إيران ينهي الخلاف بينهما.

ما يبرّر إعلان الإمارات والبحرين عن تطبيع علاقاتهما مع إسرائيل، تحت رعاية أميركية، هو سعي أبوظبي إلى تحسين مكانتها في واشنطن، كأفضل حليف لأميركا في المنطقة بعد إسرائيل. وهي تراهن في تقوية علاقاتها مع واشنطن، وبالتالي نفوذها في المنطقة، على استمرار ترامب في الحكم. ومع الأسف، لا تريد الاستفادة من تجارب التاريخ حتى تلك القريبة زمنيا عندما فشل حكام أبوظبي في تجنيد واشنطن في حصارهم ضد قطر، بزعم تقرب الأخيرة من إيران ودعمها الإرهاب، وبعد ذلك في إشعال فتيل الحرب بين إيران والولايات المتحدة بعدما ادّعت أبوظبي مسؤولية إيران في مهاجمة ناقلاتٍ للنفط في مياهها البحرية عام 2019، وفي الهجوم على منشآت نفطية في السعودية في العام نفسه، وانتظرت أن يأتي الرد الأميركي قويا، ولكن لا شيء حصل بعد ذلك. 

منذ وصول محمد بن زايد إلى التحكّم في مقاليد السلطة في بلاده، وهو يسعى إلى بناء التحالف الشيطاني

بهرولتهم نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، يعتقد حكام أبوظبي أن خطتهم الجديدة تدخل في سياق "الرؤية الاستراتيجية" للإدارة الأميركية في عهد ترامب، والتي تتجسّد في ما سميت "صفقة القرن"، وحتى لو صدّقوا هذه الكذبة فهم واهمون، لأن ما يهم الرئيس الأميركي الحالي هو بقاؤه في السلطة بأي ثمن لولاية ثانية، وما "صفقة القرن" إلا حيلة لكسب ولاء مؤيديه من اليمينين، الصهيوني والمسيحي، في أميركا، لأن هذه الصفقة فشلت عندما لفظها الفلسطينيون. 

ما يسعى إليه حكام الإمارات، وخصوصا ولي عهد أبوظبي القوي محمد بن زايد، الذي يعاني من عقدة صغر بلده وقلة سكانه، تثبيت نفوذه في المنطقة. لذلك يسعى، بكل الوسائل، إلى تدمير كل شيء فيها، أفشل ثورات الشعوب العربية، ودمّر دولا بكاملها هي سورية واليمن وليبيا والسودان، وحاصر قطر، ويحارب اقتصاديا دولةً تبعد آلاف الأميال عنه هي المغرب من خلال استثمارات مشبوهة في موريتانيا، ويتدخّل في الشأن التونسي، ويقود انقلابا داخل الأسرة الملكية السعودية، ويحارب الفصائل الفلسطينية المقاومة، ويدبّر انقلابا ضد السلطة الفلسطينية، وحتى داخل الأنظمة التي صنعها، مثل النظام في مصر، لا يريد أن يراه قويا. ولذلك سعى ويسعى إلى إشعال حرب بين مصر وتركيا لإضعافهما معا، حتى تبقى حليفته إسرائيل المتفوقة والمنتصرة. 

اتفاقيتا التطبيع الجديدتان بمثابة إعلان للحروب المقبلة التي ستدمر الأخضر واليابس في المنطقة

أخطر ما وراء صفقة التطبيع الحالي هو التحالف الجديد القديم الذي تبنيه دولتا الشر في المنطقة، إسرائيل والإمارات، فمنذ وصول محمد بن زايد إلى التحكّم في مقاليد السلطة في بلاده، وهو يسعى إلى بناء هذا التحالف الشيطاني. وساهمت ثورات الشارع العربي عام 2011 في تقوية تحالفهما، عندما قامتا بتغذية الثورات المضادة في المنطقة، وأشعلتا حروبا مدمرة في غير مكان، لأنهما تعتبران حرية الشعوب وتحكّمها في تقرير مصائرها أكبر تهدّد لكياناتهما المصطنعة ينذر بإسقاطهما وزوال أنظمتها.

الصفقة الجديدة، التي تحرّكها براغماتية وقحة ونرجسية مريضة، بين دولة الكيان الصهيوني ودولتي الإمارات والبحرين تفتح الباب واسعا للتدخل الإسرائيلي في المنطقة. لذلك، الاتفاقيتان الجديدتان هما بمثابة إعلان للحروب المقبلة التي ستدمر الأخضر واليابس في المنطقة، عندما تحولها إلى نقطة تجاذب ساخنة بين قوى إقليمية ودولية، تتقاطع فيها مصالحها، وتسعى كل منها إلى إعادة تشكيل خريطتها الجيوستراتيجية، بما قد يرهن مستقبل المنطقة وشعوبها سنوات وعقودا مقبلة!