ما هي دوافع عودة واشنطن لملاحقة "الإرهاب" في ليبيا؟

01 أكتوبر 2019
الصورة
ضربات جوية أدت إلى إضعاف حركة "داعش"(محمود تركية/فرانس برس)

أعلنت قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر سيطرتها على الجنوب الليبي ووصولها إلى الحدود الجنوبية مطلع مارس/آذار الماضي، بعد عملية عسكرية أطلقها حفتر منتصف يناير/كانون الثاني الماضي لـ" تطهير الجنوب من المجموعات الإرهابية والمرتزقة"، قبل أن يحوّل اتجاه قواته إلى مهاجمة العاصمة طرابلس شمالاً لـ"تطهير العاصمة من المجموعات الإرهابية والمليشيات"؛ لكن مقتل 43 شخصاً من مقاتلي تنظيم "داعش" في غارات نفذتها طائرات قوات "الأفريكوم" على الجنوب الليبي في أقل من أسبوعين، ألقى بظلاله على مصداقية شعار "مكافحة الإرهاب" الذي يقاتل تحت رايته حفتر منذ إطلاق عملية "الكرامة" في بنغازي منتصف عام 2014، وعلى دوافع تجدد النشاط الأميركي في ليبيا.

وأعلنت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، مساء أمس الاثنين، عن انتهاء مهمة الطائرة "سيكونيلا" التابعة لها في ليبيا، ورجوعها إلى القاعدة الايطالية، خلال إعلانها عن عملية جوية جديدة قُتل خلالها 7 من أفراد "داعش" الأحد الماضي، من دون أن توضح ما إذا كانت عملياتها الجوية المفاجئة التي بدأتها الأسبوع قبل الماضي في الجنوب الليبي قد انتهت أم لا.

وبدأت ضربات "أفريكوم" الجوية الجمعة ما قبل الماضية، إذ استهدفت تجمعاً إرهابياً في محيط مرزق، جنوب البلاد، وقالت إن الضربة أسفرت عن مقتل 8 إرهابيين، وتلتها ضربة أخرى الاثنين الماضي أيضاً في مدينة مرزق أسفرت عن مقتل 11 إرهابياً.
والجمعة الماضية، عاودت "أفريكوم" غاراتها على جنوب البلاد، من دون أن تحدّد مكانها، لكن مصادر لـ"العربي الجديد" أكدت أنها حدثت بالقرب من مدينة سبها، وأعلنت قيادة "أفريكوم" أنها أدت إلى مقتل 17 إرهابياً.

وتُعتبر مرزق إحدى كبرى مدن الجنوب الرافضة لسيطرة حفتر العسكرية، وسبق أن نفذت طائرات حفتر غارات على أحيائها السكنية مطلع أغسطس/آب الماضي أدت إلى مقتل 42 مدنياً، بحسب البعثة الأممية في ليبيا، لكنّ قيادة حفتر لم تعلن عن أية عملية عسكرية ضد خلايا "داعش" التي أظهرت غارات "أفريكوم" أنها تعسكر في مكان غير بعيد عن المدينة.

أما سبها، فتُعدّ عاصمة الجنوب الليبي، وبدأت عملية حفتر العسكرية في الجنوب بالسيطرة عليها واتخاذها قاعدة لانطلاق قواته إلى مختلف المناطق والمدن الأخرى، على الرغم من أن مقر الشركة الهندية الذي قتلت فيه "أفريكوم" 17 عنصراً لـ"داعش" لصيق بمطار سبها الذي تتواجد فيه قوات حفتر، وأعلنت من قبل عن تأمينه وصلاحيته للملاحة الجوية.

وبحسب معلومات أدلى بها مصدر أمني ليبي رفيع من طرابلس، فإن هذه الضربات الجوية أدت إلى إضعاف حركة التنظيم بشكل كبير وأربكت صفوفه، مضيفاً: "صار من المستحيل أن ينفذ التنظيم أي عملية في المستقبل القريب، وعملية لملمة صفوفه مجدداً ستحتاج لوقت طويل".

وأكدت قيادة "أفريكوم" في كل بياناتها المتعلقة بغاراتها على مواقع التنظيمات الإرهابية في ليبيا أنها تجري بـ "تنسيق مع حكومة الوفاق الليبية".

وكشف المصدر الأمني في حديثه لـ"العربي الجديد" أن "التقارير لا تزال ترصد بعض تحركات فلول التنظيم الفارة بعد هذه الضربات"، لافتاً إلى أن غالبيتها لجأت إلى مرتفعات الهروج، كما رصدت سيارات مسلحة تركها أفراد التنظيم قرب مرتفعات الهروج في مناطق أم الرتم وقرارة منديل القريبتين من الهروج.

وتابع: "التقارير تشير إلى اختفاء قيادات التنظيم في مناطق مأهولة مثل أم الأرانب والقطرون (القريبتين من سبها قاعدة حكم حفتر في الجنوب) وغيرها، في محاولة للاختباء". وعن دور قوات حفتر في الملاحقات الحالية أكد أن قوات حفتر لم تحرّك ساكناً خلال الفترات الماضية، على الرغم من وجود خلايا التنظيم بشكل ظاهر، وحركتها بحرية كاملة في مناطق الجنوب.

ويعتبر الخبير الأمني الليبي، محيي الدين زكري، أن تحركات "أفريكوم" المفاجئة في الجنوب "تعكس حجم خطر عودة التنظيم"، مضيفاً أن "كثافة الضربات الجوية من جهة الولايات المتحدة الأميركية تعني وجود ما يؤكد أن التنظيم يسعى للنهوض مجدداً، والاستفادة مما أحدثته حرب حفتر في البلاد، خصوصاً في محيط العاصمة". وقال، في حديثه لـ"العربي الجديد" إن "أهم العوامل التي شجعت التنظيم على السعي لإعادة الحياة إلى نشاطه، وهو ما لفت دولة مثل الولايات المتحدة، هو الغياب الكبير لأية قوة فاعلة في الجنوب الليبي بسبب حرب حفتر على العاصمة طرابلس".

وأضاف أن "كثافة الضربات والعدد الكبير الذي سقط فيها أحرج حفتر بشكل كبير أمام الرأي العام الدولي، وأعلن بالأمس عن معركة بين قواته و"داعش" في منطقة القطرون قتل خلالها ثمانية أفراد من التنظيم"، متسائلاً: "لماذا لم تلحظ قوات حفتر وجود هؤلاء الأفراد قبل الآن؟ أليس القطرون وما حولها تحت سيطرة قواته بل الجنوب بأغلبه؟". وقال: "طائرات حفتر كانت تمرّ على معسكرات التنظيم في محيط مرزق لتقصف الأحياء السكنية داخلها، من دون أن تطلق رصاصة واحدة على تلك المعسكرات، ومن غير الممكن أنها لم تلحظ وجود الدواعش في مقر الشركة الهندية المحاذي لمطار سبها وكذلك في سلسلة الهروج، جنوب قاعدته الكبيرة في الجفرة".

وفيما يشير الناشط السياسي الليبي، عقيلة الأطرش، إلى أن مسار تعامل حفتر مع التنظيم منذ عام 2014 يشي بعلاقة ما بينهما، يقول: "يذكرني تغاضي حفتر عن الإرهاب الحقيقي بسماحه لبقايا التنظيم التي طردها أهالي درنة منتصف عام 2015 بأن تمر بمناطق سيطرته في الشرق لتصل إلى سرت وقتها، من دون أن يخيفها حتى برصاصة في الهواء"، لافتاً إلى أن المؤشرات عديدة حول علاقة مشبوهة بين حفتر و"داعش".

لكن الأطرش يلفت في حديثه لـ"العربي الجديد" إلى وجه آخر للضربات الجوية الأميركية في هذا التوقيت، وهو "عودة أميركية إلى لساحة الليبية وتأثير مرتقب على مجريات إيجاد حل للأزمة الليبية". وقال: "أعتبر أن إعلان "أفريكوم" عن التنسيق مع "حكومة الوفاق" لضرب أهداف للإرهاب في أراضي سيطرة حفتر له رسالة قوية تأتي بعد أشهر من التأييد الضمني لواشنطن لحرب حفتر على العاصمة، الذي أكده اتصال الرئيس الأميركي دونالد ترامب بحفتر"، مبيناً أن تصريحات مسؤولي الولايات المتحدة فيما بعد أظهرت تراجعاً أميركياً كبيراً عن تأييد حفتر.

ويذكر الأطرش أن زيارة وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، اليوم الثلاثاء، إلى إيطاليا لمناقشة الملف الليبي مع نظيره الإيطالي، مؤشر واضح على انخراط أميركي جديد في ليبيا. وقال: "مرجح بشكل كبير أنّ واشنطن شارفت على الانتهاء من بلورة رؤية خاصة بشأن ليبيا، ولذلك فهي تدعم ألمانيا في استضافة لقاء دولي حول ليبيا وتعيد ترتيب الأوراق من خلال روما، وكيلها المعروف في الملف الليبي". وأشار إلى أن ملف الإرهاب سيشكّل ملف ضغط أميركي على الأطراف الليبية، كما أن له ارتباطاً بساحات أخرى في الشرق الأوسط، لا سيما سورية، التي تتواجد فيها روسيا التي أعلنت في مرات عدة عن فرار المئات من مقاتلي "داعش" من سورية إلى ليبيا.
تعليق: