ما هي جنسية فيروس كورونا؟

24 مارس 2020
الصورة
ما كان لهذا السؤال النافل، في العنوان أعلاه، أن يُطرح، ولا أن يحظى بأقل القليل من الاهتمام، لولا أن الرئيس الأميركي ترامب أطلق على فيروس كورونا اسم "الفيروس الصيني"، ومنحه جنسية البلد الذي يضم خُمس سكان العالم. وكان من المحتمل اعتبار الأمر زلّة لسان، لولا أن ترامب كرّر التسمية مراراً، بروح تفوح منها العنصرية، في إطار سجال يشي بالكراهية والمكايدة السياسية، رداً على أوساط صينية شبه رسمية، اتهمت أميركا بزرع الميكروب القاتل في البلد الذي يواصل نموه الاقتصادي بوتائر غير مسبوقة، الأمر الذي بات يستحيل معه، وفق عقلية المؤامرة الاختزالية، كبح جماح التقدّم الصيني الحثيث نحو مركز الصدارة، بغير إيقاع مثل هذه الضربة البيولوجية في صميم الصميم للأمة الصينية. 
ومع أن الجهات الرسمية الصينية ظلت، منذ بداية ظهور فيروس كورونا أوائل هذا العام، تنفي وجود مؤامرة خارجية، وتتصرّف بروح عالية من المسؤولية، وتعمل، في الوقت ذاته، بكفاءة مشهود لها، لمعالجة الموقف بمهنية، والحد من مضاعفات الوباء الكارثية، إلا أن أصحاب نظرية المؤامرة، خصوصا في العالم العربي، ممن يروق لهم تفسير الأحداث والتطورات والوقائع، وفق أحكام ذهنية التآمر والتربص الذهبية، لم يكفّوا عن ترويج النظرية المستوطنة عميقاً في تلافيف عقولهم المستريبة بالغير، إزاء كل صغيرة وكبيرة، فما بالك وأن منطق التهمة وسياقها، فضلاً عن بلاغة خطابها بدت، هذه المرّة، أكثر تماسكاً مما كان عليه الزعم في أحوال سابقة؟
غير أن بعض الوجاهة التي ظلت تتسم بها نظرية المؤامرة هذه، طوال فترة تمركز الوباء في الصين، وتفشّيه في بعض دول الجوار الآسيوي، فضلاً عن إيران، ما لبثت أن تقوّضت من تلقاء نفسها، عندما بدأت العدوى تصل إلى البر الأوروبي، وتستحكم في أهم بلدان التحالف الغربي، المتهم بتدبير هذه المكيدة للصين، ثم تبدّد الاتهام بوجود المؤامرة من أساسه، عندما بلغت الآفة أميركا ذاتها، المشتبهة بتخليق الفيروس، للإضرار بخصومها، وفي مقدمتهم البلد المنافس بجدارة، على مركز الزعامة العالمية.
وهكذا ظل فيروس كورونا بمثابة ولد لقيط في لفافة قماشٍ بالية، متروك على قارعة طريق خلفي، لا أب له يسمّيه كي يعطيه جنسية، إلى أن نشبت حملة اتهامات متبادلة، عندما انقلبت الصين على موقفها المتسم بالرصانة، وراحت تُلمّح، في مرحلة ما بعد السيطرة على تفشّي الوباء لديها، إلى وجود احتمالٍ بمسؤولية أميركية عن نشر الفيروس في ووهان، الأمر الذي منح نظرية المؤامرة شيئاً من المشروعية، وأعطى مروجيها، سيما في إيران ومحور الممانعة، ناهيك عن أساطين البروباغندا الروسية، ذخيرة كلامية كانوا في أمس الحاجة إليها، وأمدّهم بقوة دفع إضافية، تعزيز ادعاءاتهم القائلة، من دون أدلة موثوقة، بوجود مؤامرة كونية جهنمية.
صحيح أنه لا يمكن نفي نظرية المؤامرة بالمطلق، وهي موجودة على مر الحقب، ومن المنطقي تقبّل فرضية تخليق هذا الوباء في المختبرات السرّية إلى أن يثبت العكس، غير أن من الصحيح، في المقابل، ضرورة الارتياب في كل التهم غير المستندة إلى أدلة قاطعة، بما في ذلك الحديث عن حرب بيولوجية. ومن المنطقي الشك في صحة ما تقوله الصين، حيث النظام الشمولي المفتقر للشفافية وحرية الصحافة، عن نقل الفيروس إليها من الخارج، سيما وأن قادة بكين الذين تصرّفوا كأعضاء في مجلس إدارة مصنع العالم، يهمهم الربح أولاً، تستّروا على تفشّي الوباء في البداية، فرضوا الصمت، حجروا على معلومات، وراوغوا قبل أن يعمّ البلاء، وينكشف الأمر على حقيقته المروّعة.
على أي حال، ليس مهماً تسمية الولد باسم أبيه، أي البحث عن جنسية فيروس كورونا الآن، وإعطائه بطاقة أحوال شخصية، وليس من المفيد الدخول على خط السجال بين الراغبين في تسييس هذا الفيروس سريع الانتشار ورافضي نظرية المؤامرة، سيما في هذه الآونة التي ينشغل فيها العالم كلياً بكيفية احتواء هذا الفيروس الذي لا يعترف بالحدود.
والحق أن معركة تجنيس فيروس كورونا انتهت قبل أن تبدأ، فيما تنتظر الجميع حربٌ طويلة، ينبغي أن تنصبّ فيها الجهود على وقف عربدة الوباء في مختلف الأصقاع والأمصار، وأن نتحسّب للأسوأ في مقبل الأيام التي تُنذر بمزيد من الخسائر في الأرواح والأموال، وبحدوث ما لم يخطر على البال، توقف خطوط إنتاج، انهيار أسواق وبورصات وأسعار عقارات وبنوك، نقص إمدادات، شيوع ظواهر بطالة وفقر وجرائم وحالات إفلاس، تفاقم ديون وتعثر أعمال، تعطّل منظومات خدمات حيوية، وفوق ذلك تحطم هيكل العلاقات الاجتماعية التقليدية.
تعليق: